Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

فاس، عشق يتجدد بعد عشرين عاما..

666
news room February 5,2021

أيمن المرابط-الرباط 

فاس، حين زرتها لأول مرة  قبل عشرين عاما، كنت طفلا صغيرا في السادسة من العمر، أتذكر جيدا بعض ملامح تلك الزيارة مع عائلتي، ولم أنس حين دخلت مسجد القرويين مع جدي رحمه الله، وهو يعلمني في باحته الفسيحة كيفية الوضوء ويحدثني عن بعض من تاريخ ذلك الصرح العريق، ذهب ليصلي مع والدي صلاة العصر وذهبت أنا أركض في البهو كأي طفل يرى كل مساحة كبيرة لا تصلح سوى للعب والركض، بعدها ذهبنا لضريح المولى ادريس الثاني، تلك العتبة الشريفة الطاهرة المشابهة للقرويين، لم أكن أفرق بينهما، ولم أستطع تذكر معالمهما جيدا حينها، إلا القليل منها، ولم أتذكر من أي باب دخلنا المدينة.

قبل أيام، عدت لفاس مجددا، بعد عشرين عاما، اكتشفت أنني كنت على قطيعة معها طوال عقدين لسبب أجهله، رغم محبتي الكبيرة لها. كنت قد قضيت بضع أيام في جبال الأطلس المتوسط الساحرة مع العائلة، استمتعنا بجمال الطبيعة وسحر أشجار الأرز الشامخة والغابات المليئة بقرد "المكاك البربري"، واختتمنا رحلتنا بفاس، فكان ختامها مسك فاس.

 وصلت المدينة في المساء بعد العصر بقليل، هذه المرة أتذكر من أي باب دخلت، باب الرصيف، مزخرف بقطع فسيفاء زرقاء وبيضاء، أمامه ساحة كبيرة تسمى ساحة الرصيف، مشيت قليلا لأجد بابا آخر اسمه باب سيدي العواد، حين عبرته، انبهرت بالمنظر الذي أراه، منازل عتيقة ضاربة في القدم تزين واجهتها الكبيرة نوافذ مختلفة الأحجام وعليها مشربيات من الخشب العتيق ودعامات خشبية تضفي رونقا خاصا، وقنطرات للراجلين تعبر "واد بوخرارب" ذلك الواد الذي يقسم فاس إلى عدوتين، عدوة القرويين وعدوة الأندلس، رأيت ماءه يجري أمامي برفق صافيا زلالا فجرت قطعة من روحي معه، منظر يشبه إلى حد كبير مناظر البندقية الساحرة. علمت حينها أن هذه المدينة تبتلع الزائرين بتاريخها وعظمتها، فتأسر قلوبهم وأرواحهم، وذلك ما حدث معي. سحر المدينة وفيضانها الحضاري تملّكَني، فاس التي بلغ عمرها أزيد من 1200 سنة، إنها بين يدي بكل تاريخها، أمامي، أتوغل في التاريخ  وألمس عمران أكثر من ألف عام بكل حواسي.  

دخلت "عدوة القرويين" عبر باب صغير فوقه لوحة عليها اسم "زنقة الخراشفيين"، اقتحمت أنفي روائح  قوية مختلطة بين الخشب والجلد والعود والنحاس، وهذه الروائح سأجدها على طول الطريق، فهي لا تغادر أبدا المدينة، جذبتني حد الهيام، أخطو نحو مصدرها كأي شخص جائع شم رائحة الطعام فيسرع الخطى لأجل ملئ بطنه، هنا الرائحة تملأ الروح لتبقى خالدة فيها أبدا، وجدتها تفوح من الدكاكين الصغيرة القديمة قدم المدينة، كل دكان عبارة عن متحف مفتوح للنحاس أو للخشب ، يعرضون أروع ما جادت به أيادي الصناع والحرفيين، تفننوا بمهارة في صناعة الكؤوس والبراريد والصواني والثريات وأواني وزخرفات أخرى، وأبدعوا في نقشها بأجمل النقوش الفاتنة للعين، أخطو وسط الدكاكين العريقة وأنظر إلى كل التفاصيل المحيطة بها، من الخشب المنقوش والزليج والزخرفات على الجبس التي تزين الأقواس والأبواب وأشياء أخرى، أحاول أن أرى كل شيء، وأعلم أن تفاصيل عديدة غابت عني، سأكتشفها في زيارة أخرى. وصلت لزقاق اسمه "رأس الشراطين"، هناك سأجد  بابا من الخشب كبيرا، على جانبيه زخرفات ونمنمات الآيات القرآنية مرسومة على الجبس وجنبها لوحة رخامية كتب عليها "مدرسة الشراطين أسسها المولى الرشيد العلوي بتاريخ 1080 هجرية، مدرسة عمرها أربع قرون من الزمن، بابها لوحده يشهد على تاريخها، لا شك أنها تحفة غاية الجمال في داخلها مثلها مثل كل المدارس العريقة، في فاس التي أُسست فيها أولى الجامعات بالعالم، "جامعة القرويين" في القرن الثامن ميلادي، مدارس عديدة أشهرها مدرسة العطارين التي بُنيت في عهد السلطان المريني أبو السعيد عثمان سنة 1323 ميلادية والمدرسة البوعنانية المبنية مابين سنة 1350-1355 ميلادية على يد السلطان أبو عنان المريني والمدرسة المصباحية التي شيدت على يد السلطان أبو الحسن المريني عام 1344ميلادي، وسميت على اسم أول أساتذتها وهو أبو الضياء مصباح بن عبد الله اليالصوتي (ت 750هـ)، كلها منارات علمية لنهل علوم الفقه والشريعة الإسلامية  واللغة والطب والهندسة وعلوم الفلك والفلسفة والتاريخ وكل العلوم، درّس فيها كبار العلماء المغاربة والأندلسيين وتخرج منها العديد من العلماء أيضا، أتوا إليها من مشارق الأرض ومغاربها لطلب العلم، وكانت أيضا مراكز سياسية هامة في تاريخ سلاطين الدول المتعاقبة على حكم فاس، وهي اليوم متاحف حية مفتوحة على السماء، كل زاوية فيها ترشح عراقة وأصالة مغربية خالصة ومعمارها آية في الجمال المغربي والكوني يُسافر بنا إلى الزمن الأصيل. أكمل مشواري السريع في المدينة ورائحة فاس لا تغادر أنفي، وصلت لزنقة العطارين هنا استحضرت مدنا عتيقة أخرى كغرناطة الأندلسية ودمشق الشامية والرباط وسلا ومراكش، التي توحدت فيها أسماء الأزقة، وتُنسب إلى تخصص الحرفيين والصناع والتجار، بعدها زنقة عين عَلُّو المؤدية لسوق عين علو التاريخي حيث كانت تباع المصنوعات التقليدية من الجلد والمعدن إلى عهد قريب.

سمعت آذان المغرب في "زنقة الدرممي"، هناك، لاحت لي قبة ضريح المولى إدريس الثاني في الأفق حين رفعت عيني أتأمل النوافذ والمشربيات المنقوشة، علمت أنني اقتربت من "الحرم الإدريسي"، في طريقي إليه، استوقفتني أشهر السقايات بفاس، "سقاية النجارين" ارتفعت روحي مجددا من مكانها عند رؤيتها، أتأمل الفسيفساء والنقوش على الجبس والخشب وأفكر في الحس الجمالي الفني الذي كان يملكه صانعوا هذه التحفة الآسرة، أحد الأصدقاء قال لي إنها مصممة بطريقة تحاكي التصميم الكوني للفضاء، أي الكواكب التسع يتوسطهم كوكب الأرض، شربت من ماءها العذب حد الثمالة، عرفت أنني أشرب الحب وليس الماء، في فاس لا يثمل الإنسان بالخمر، هذه المدينة تسقيه خمرة الحب والهيام، لا يصحو بعدها. وصلت للباب الرئيسي لضريح "مولاي ادريس"، استقبلتني روائح البخور الزكية الممزوجة برائحة الحلوى الطيبة، يسمونها هنا "حلوى مولاي ادريس" ولابد أن نتذوقها كي نؤكد على زيارتنا للمقام، ما إن يعرف بائعوا الحلوى أنك ضيف، حتى يقسمون عليك القسم أن تأكل مما صنعت أيديهم أو أياد أخرى، ليس شرطا أن تشتري منهم، يكفي أن تحمل مذاقا حلوا في فمك لن تَنساه أبدا، جلست في كرسي قرب محل لبيع البخور والعطور، أتأمل مدخل الضريح وذلك البهاء الفاتن المتلألئ في الباب وجنباته والسقف المنقوش والخشب المزخرف، استحضرت ذكريات قبل عشرين عاما، مع جدي وجدتي ووالديّ، ندخل المكان المليء بالزوار الذين يأتون للصلاة والدعاء، رجال ونساء أطفال وشيوخ، فقراء وبسطاء وأغنياء، قراءة القرآن لا تتوقف، وأصوات تملأ المكان بالمديح والسماع، أما اليوم، فالضريح مغلق لا يدخله أحد، حاله كحال كل المتاحف والمدارس التاريخية بالمدينة، بسبب فيروس "كورونا" الدخيل، يحكي لي أحد البائعين أن كل التجار والصناع وأصحاب الفنادق تأثروا بسبب "الكورونا" والإغلاق، انخفض عدد السياح والزوار إلى مستويات قياسية، فبقيت المدينة وأهلها لوحدهم يقاومون الجائحات، جائحة "كورونا" وجائحة الفقر وقلة المادة التي تتربص بهم، استطاعوا نسبيا تجاوزها بعد تخفيف الإجراءات والسماح لهم بالعمل وفق شروط تستجيب لمعايير الوقاية من الوباء فتحسنت الأوضاع الاقتصادية نسبيا، لكنها مقارنة بما كانت عليه في الأيام الخوالي، سيئة جدا.

اقتربت الساعة من التاسعة ليلا، موعد إغلاق كل المحلات ونهاية الصخب المصاحب لها، وأنا في طريق الخروج من "فاس البالي" مررت بمحلات بيع "الخليع" وحلوى "الشباكية" و "المخرقة" وحلويات أخرى، يأكلها أغلب المغاربة في شهر رمضان، أما الخليع فهو أكلة فاسية محضة عريقة، أساسها اللحم المقدد والمجفف مع الشحم غنية بالدهون، ارتبط تاريخها مع تاريخ رحلات الحجاج إلى مكة المكرمة في موسم الحج، كانوا يحملونه معهم في قوافلهم، فهو يصبر لأطول مدة ممكنة تصل لسنوات. لم أقدر على الأكل حينها، رغم إغراءات أصحاب المحلات وروائح الطبخ الزكية التي تفوح من المكان، فالوقت كان يداهمني بسبب اقتراب ساعة الإغلاق.

عدت للباب الذي دخلت منه، "باب الصفارين"، شعرت بالحزن والحسرة لعدم اكتمال جولتي بفاس، واضطراري لاستكمالها في وقت لاحق، لا أعلم متى يأتي، على الأقل لن يكون بعد عشرين عاما، لم أستطع الوصول لباب فتوح و"عدوة الأندلس" أو باب بوجلود وجنان السبيل و"فاس الجديد" وأماكن أخرى، مررت بالسيارة أمام مكان مرتفع يشرف على المدينة، بدت لي متلألئة، متزينة بعبق تراثها ومجدها، لوحة جمالية تنطق بالحب والأصالة والحضارة، يحرسها جبل اسمه "جبل زلاغ" كما يحرس "جبل بوهلال" وزان أو "جبل بوعنان" تطوان أو "جبل قاسيون" دمشق، هي علاقة غرام أبدي بين المدن وجبالها، لا تُفهم أسرارها، وفي فاس أسرار وألغاز لم يكشف عنها الزمن بعد، أما عن جمال أهلها ونسائها وطيبتهم ومحبتهم، فذلك سحر آخر.

  فاس، التي عاش فيها ابن خلدون وموسى بن ميمون ولسان الدين بن الخطيب وعظماء آخرون سكنوا فيها فسكنت فيهم، ولا تزال منازلهم حية حبذا لو صارت متاحف للزوار، تحملنا إلى زمنهم الجميل وننهل منها بعضا من تاريخهم وعلمهم، كما هو الحال في أوروبا مع منازل عظمائهم. سكنتني بعبقها وحضارتها، ببعدها الجمالي الآسر، وجمالها الكوني الضارب في الجذور، هي متحف حي مفتوح على السماء، أو ربما هي السماء نفسها، لأني شعرت بروحي ترتفع وأنا أسير فيها، شيء لم يحدث معي إطلاقا في أي مدينة، كل المدن التي أزورها وأغادرها أترك فيها قطعة من روحي وآخد قطعة منها، أما فاس، فقد سلبت كل قطع الروح، نثرتها بين المنازل والمساجد والسقايات والدروب، في المقابل، ملأتُ كياني بحب فاس وعشقها، وها أنا أنقله إليكم في هذه الكلمات المتواضعة أمام كبرياء فاس.

الكاتب

ايمن المرابط اعلامي وباحث جامعي المملكة المغربية

الكاتب:ايمن المرابط

  • للمشاركة