Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

"دمشق حلب".. حافلة آمالنا، ومرآة أوطاننا

736
news room August 11,2020

 

ياسمين حنّاوي :

من لحظة معرفتي بعنوان العمل المدغدغ للمشاعر، وحتى قدوم ساعة مشاهدتي له وأنا في حالة مفعمة من الشغف الكبير، والشوق لتحفةٍ تشبه الوطن بأصغر تفاصيله، وأكبر أحداثه.. ف"دمشق حلب" للمبدع باسل الخطيب يتجاوز كونه فيلماً سينمائياً مبهراً يتم ضمّه لسلسلة الأفلام الموجودة في سيرته سابقاً برفقة المؤسسة العامة للسينما، ليكون عملاً إنسانياً يصنّف في عداد الأفلام الواقعية بالدرجة الرئيسية.

العارف بمنهجية العمل التي يعتمدها الخطيب في كافة أفلامه، يدرك أنه في "دمشق حلب" يستكمل معرضه الفني بلوحة جديدة ناضجة وصادقة وغنية بألوان البلد، فمن يمتلك قدرة جذب حواس المشاهدين إلى صورة بصرية مبهرة بالاعتماد على نص عادي، يستطيع بتفوق أكبر أن يحيل نصاً رائعاً كنص (تليد الخطيب) إلى رائعةٍ توثيقية ستظل خالدةً في ذاكرة المشاهدين جيلاً تلو آخر لتعكس صورة مدننا السورية ما بعد الحرب الصاعقة بكافة مكوناتها التدميرية.

مستويات الذكاء العالية لدى كافة أفراد طاقم العمل من ممثلين ومصورين ومساعدين فنيين مع توجيهات قبطان السفينة أثبتت بأننا لسنا بحاجة دائمة إلى مشاهد الرصاص والعنف والذبح والتدمير كي نصوّر بامتياز ما حصل ويحصل في أوطاننا؛ بل نستطيع ترسيخ انعكاسات الحرب على فئات المجتمع وعكسها بأسلوب تراجيدي تارةً وكوميدي تارةً أخرى، ويظهر ذلك جلياً مع كل لقطة مأخوذة للأيقونة (دريد لحام)؛ الذي لم نشعر معه – ولو لوهلة- أنه كان قد غاب عن السينما لحوالي تسعة أعوام، فما أن اطلّع على الطريقة المنسوجة لشخصية المذيع العريق في إذاعة صوت الشعب "عيسى عبد الله" حتى تلّقف الدور بروحه قبل جسده، فهو مؤمن قبل أن يكون ممثلاً، وصاحب رأي عروبي مقاوم في كافة مراحل مسيرته الحياتية.

من خلف ميكروفون منبر تاريخ البلد يصدح عيسى: "من دمشق هنا القاهرة. هنا القدس. هنا صنعاء. هنا الجزائر. هنا بيروت. من دمشق هنا دمشق" سادّاً بذلك الشقوق التي أحدثتها الآلة العسكرية في نفوس أبناء سوريا فأحالتهم مهمومين حزينين مفارقين لأحبائهم والغاليين على قلوبهم في تفجيرٍ هنا، وفي معركة هناك؛ فما صنعه الإرهاب جعل عقولنا موجهةً نحو كارثة الفقد والصراع مع الزمن كي نعيش ببعض أمل وبعض فرح، وهنا نتنبّه أن باسل لم يُغرقنا في حالة سوداوية بحتة بل وضعنا في حيرة البسمة والدمعة. ضحكة يليها بكاء يليهما تشبث بالوطن وأبنائه المتنوعين الهابطين أحياناً نحو سطحية ملحوظة ك"جلال"  المذيع الشاب اللاهث خلف قصص كسب الفتيات من حوله؛ والذي أدّى دوره النجم (عبد المنعم عمايري)،  أو "اعتزاز"، مجنونة التصوير ومواقع التواصل الاجتماعي والتي أدّت دورها الرائعة (نظلي الرواس)، وكلاهما نجدهما في حالات متمايزة صاعدين نحو النخوة والشهامة والتعلم ومساعدة الآخرين وغيرها من المواقف النبيلة.

لا تبتعد كافة شخصيات القصة عن الواقعية ولا تقتصر على كونها من وحي خيال الكاتب، بل على العكس تماماً فسرّ جماليتها في تقاطعها معنا ومع جيراننا وأقربائنا وأصدقائنا، فما أن انتهى الفيلم حتى تساءلت في داخلي: "كم أبو الروض (المفكّر في الانتحار) حولنا؟ وكم سعيد ومراد وهدى ودينا ولورا وهبة ولوعة ويحيى ورفاه في حاراتنا وبيوتنا ومحلاتنا؟ وكم إنسان يستطيع توظيف أدوات الفن السابع وعلى رأسها (الرمزية) كي يصنع باصاً كالمرآة؛ نُشاهد في طريقه من دمشق لحلب يومياتنا، ونقرأ على مقاعده قصصنا، فنتأثر بها لشدة تماهيها معنا.

ولا بدّ أن نُشير إلى الجميلة صوتاً وشكلاً وحضوراً القديرة (صباح الجزائري)، التي تترك انطباعاً ينمّ عن إنسانة تعمل بروحها قبل أي شيء آخر، وضيفة الشرف الرائعة (شكران مرتجى)، التي ذكّرتنا من خلال مشهد قصير بمدته وعميق بمفعوله أن الكثيرات من سيدات الوطن هم في مثل موقعها يبحثون عن فلذة كبد ضائعة هنا أو هناك، والراقية (سلمى المصري) التي نسينا معها أننا أمام مشاهد تمثيلية، والصاعدة (نادين قدور) التي سيحالفني الحظ بمشاهدة الكثير من أعمالها بعد أن تعرفت على مستويات الإبداع المتوفرة لديها. كم فكرة وفكرة تضمنتها دقائق العمل التي لم نتمنى نهايتها لشدة ما شعرنا به من اتحاد وحماس وانسجام في آنٍ معاً؟!

سردية باسل الخطيب المُحنّكة تعكس معالم المدينتين دمشق وحلب كأنموذجٍ لِما يتركه اللغم في الأرض من أثر؛ قد يقتل ويفتك ويزرع ألماً في نفوس الباقين خارج أروقة المقابر، وقد تتجاوزه الأقدام بحالةٍ قدرية تُذكّرنا بضرورة عيش اللحظة، وانتظار الغد باستبشار لا بتشاؤم، فالروابط لا تزال موجودة. بدت لنا في انتفاضة (فاروق الجمعات) و(علاء قاسم) لنصرة الحق والدفاع عن السيدة الهاربة من ظلم عائلة زوجها، وفي إنسانية جندي في الجيش العربي السوري لتأمين الطعام والمازوت ل(كندة حنا) وطفليها اللذين أجبروا على عدم مفارقة المنزل، وفي العديد من المشاهد الأخرى.

أخيراً وليس آخراً يمكنني القول كغيري أن العمل الناجح هو ذاك الذي يترك أثراً إيجابياً واضحاً في نفوس من يشاهدونه، فكيف تتوقعون أن نقيّم عملاً بمستوى "دمشق حلب" بآثاره الكثيرة الثابتة والمتوطدة في دواخلنا؛ تماماً كالآثار التي تركها عيسى عبد الله لدى ركاب حافلة الأمل المتناقضين بمواصفاتهم والمتفقين بأحلامهم وطموحاتهم؟!

خلف العواطف الصماء قلوباً لن تتوقف عن الدعاء لعودة الغائب، والقراءة لمقاومة الوحدة، والسفر للقاء الحبيب، والعزف لصناعة موسيقى تشبه موسيقى المبدع بكافة المقاييس (سمير كويفاتي) الذي طوّع أوتاره لخدمة هذا الفيلم؛ المستحق عن جدارة جائزة مسابقة الأفلام العربية الطويلة ”مسابقة نور الشريف“ في الدورة الرابعة والثلاثين لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، تماماً كما استحق فخر بلانا (دريد) لحام جائزة "التمثيل الكبرى" عن دوره كتقديرٍ فني عادل لكلّ ما صنعه بدءاً من تقديسه لتفاصيل اللغة العربية وليس نهايةً بدندنته ل" يا صوت علي واركب لي جناح الهوى .. هتلي خبر وسلملنا عأهلنا .. يا غربتي اللي ما ينفع فيها دوا ..الا الحبايب والسهر بديارنا "

في زمن الكورونا المتعب بكافة تفاصيله كان عملك يا باسل دواءً مخففاً من وطأة الحجر والانتظار، وما قبله ليس كما بعده، لذا أرجوك ألّا تتوقف عن الحلم.

 

 

الكاتب

ياسمين حنّاوي كاتبة واعلامية

الكاتب:ياسمين حناوي

  • للمشاركة