Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

دبلوماسية "السحسوح" العربية

1497
news room September 20,2020

 

ناريمان اليازجي: 

                   لم أجد في القواميس العربية تعريفا علميا لكلمة" سحسوح"، ولا وجدت له شعرا او أو أدبا في التراث العربي القديم يشرح معانيه. وحده معجم اللغة العربية المعاصرة يقول ان عبارة "تسحسح الماء" تعني:" سال متتابعا من فوق".  وهنا يحضرني بيتُ الشعر الشهير لامرؤ القيس القائل: " مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ مَعًا /كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ".  لكن من متابعتي مؤخرا لبعض الاعلام اللبناني، وجدتُ أن الكلمة شائعة تماما بين الناس، وأنها تزداد حضورا في الأزمات، وهي تعني ضربُ المرء على قفا رقبته. ويبدو أن الأمر ليس صُدفة.. 

 " السحسوح" يُستخدم في مواضع مختلفة، بحيث يكون للمزاح والتحبب بين الرفاق، أو لمعاقبة طالب كسول في المدارس القديمة التي كان الضرب فيها مُباحا، أو لإهانة أمرئٍ والحط من قدره في دهاليز الأمن عند العرب والأنظمة التي يُهان فيها المتهم قبل المحاكمة، أو تعبيرا عن غضب أحد الوالدين حيال شغب أحد الأبناء...الخ

 

لكن ما هو دارجٌ في مُزاح الرفاق في لبنان، يُصبح إهانة كبيرة حتى بين الأصدقاء في مصر. فهذه الحركة من كف اليد على قفا الرقبة، تُعتبر أم الاهانات عند المصريين، ذلك انها تطالُ منطقةً غير محمية بحيث يسهُل غدرُها، وتعني تحقير المضروب أيما تحقير، وتصل معانيها الى درجة الإهانة الجنسية. ولذلك لا نرى في الأفلام المصرية مشاهد من هذا النوع، بينما تكثر هذه المشاهد في الأفلام والمسلسلات اللبنانية والسورية. 

 

مع تولّي سوريا شؤون لبنان بصورة شبه متواصلة منذ سبعينيات القرن الماضي حتى العام ٢٠٠٥، صار " السحسوح" بطل السياسة اللبنانية بامتياز، مارسها ضباط وجنود سوريون عند الحواجز لا بل وايضا ضد سياسيين في مكاتب بعض العسكريين ، ومارستها الأحزاب والتنظيمات اللبنانية (ذات الأفكار العظيمة والممارسات المهينة) والفلسطينية ضد خصومهم، لا بل أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات كان يتفنن في استخدامها ليس ضد الخصوم وانما ضد بعض مساعديه حين يأتي اليه مثلا أحد اللبنانيين شاكيا تصرفات مسؤول فلسطيني، فيستدعيه أبو عمّار، يزيح كوفيته، ويصفعه على قفا رقبته، وحين يغادر الضيوف يستعيد المصفوع بالسحسوح ويربت على كتفه وقد يقبله على جبينه. وكما اليسار اللبناني والتنظيمات الفلسطينية، كان اليمين اللبناني أيضا يمارس السحسوح، ثم مارسه المُحتل الإسرائيلي بشكل دائم. والمفارقة الصعبة والمضحكة أن من يُعتقل كان يتمنى ان يقتصر الأمر على  السحسوح ، لأنه أسهل من قطع الأصابع أو بقر البطون او إطفاء السيجارة على الجسد والعيون او السحل والقتل. 

 

الآن، درجت عبارة " دبلوماسية السحسوح"، فكلما تعقّد أمر في لبنان، وتصلبُّ مسؤولٌ سياسي أو حزب أو تيار أو تنظيم، ثم وبلا مقدمات غيّر في رأيه، يُقال: " هذا موقفه بعد السحسوح" أي انه تعرض للتخويف أو التخوين أو التهديد فانقلب على نفسه. وبما ان المواقف والتحالفات في لبنان تتغير كل يوم تقريبا، فالاعتقاد السائد هو أن السحاسيح تأتي من كل حدب وصوب، بعضها من الداخل وبعضها الثاني من الفرنسيين وبعضها الثالث من الاميركيين وغيرها من الايرانيين او السعوديين والاتراك وغيرهم. 

 

الواقع ان العقم السياسي عند اهل السياسة في لبنان، ونزوعهم الطائفي والمذهبي، وتهافتهم على المصالح والمال والصلاحيات والمناصب، جعلهم يمارسون السحسوح او يتقبلونه بطيب خاطر. فالضعيف والقوي في هذا البلد معرّضٌ للسحسوح في أي وقت. 

 

تقول دراسة فرنسية نشرتها صحيفة " لمونود" العريقة في العام الماضي، ان حركات الجسد توصل ٥٥ بالمئة من الرسالة، والصوت يوصل ٣٨ بالمئة منها، والكلام يوصل فقط ٧ بالمئة. 

 

وبما ان حركات الجسد هي صورةٌ واضحة عن المجتمعات، ففي لبنان يكثر التقبيل، وتكثر السحاسيح، فيزدهر التكاذب الاجتماعي الذي يُسمى لبنانيا وعلى نحو عجيب :" الشراكة الوطنية"، وتولد وتموت الحكومات التي تتفنن في الأسماء الفولكلورية ، وبينها مثلا :" حكومة الوحدة الوطنية" ، او "حكومة التآلف الوطني "، او " الإنقاذ الوطني"، بينما هي في الواقع، حكومات جاءت بها السحاسيح وتذهب بها. 

وما يجري في لبنان، ينسحب على معظم الدول العربية، والذي يختلف فقط هو شكل السحسوح واسمه والأطراف التي تمارسه او تتعرض له. 

وكل سحسوح وانتم بخير . 

الكاتب

ناريمان اليازجي كاتبة - زيوريخ -سويسرا

الكاتب:ناريمان اليازجي

  • للمشاركة