Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

بين تهريب المخدرات وتدمير الوطن....

2171
news room April 24,2021

  لعبة الأمم                       

سامي كليب:

مُهرّب المخدّرات قاتلٌ ومجرم بلا قلب ولا ضمير. ولو كان في لبنان دولةٌ فعلية لنجحت في الحد من آفة الترويج والتهريب والتعاطي، حتى ولو كان القضاء على مثل هذه الجرائم الإنسانية مستحيل في الدول العظمى ، فتقارير الأمم المتحدة وتقارير GAFI   ( فريق العمل المالي الدولي لمكافحة تبييض الأموال ) كانت حتى سنوات قريبة تتحدث عن 124 مليار دولار من تجارة المخدرات في أميركا وأوروبا بينها 70 بالمئة يتم تبييضها قبل تشديد الإجراءات الدولية وربط التبييض بالإرهاب.

في هذا السياق أكدت المملكة العربية السعودية أن منع إستيراد الإنتاج الزراعي اللبناني حتى أشعار آخر بسبب القبض على شحنة مخدّرات إنما يهدف الى حماية مواطنيها. وهي حماية مطلوبة في كل دول العالم، لكن ثمة رسالة سياسية أعمق خلف الخطوة السعودية   تزيلُ أولا  ورقةَ توتٍ أخرى عن جسد الدولة اللبنانية المنهارة، وتريد في الواقع تسليط الضوء مجددا على  حزب الله او على  الدولة " التي يسيطر عليها الحزب" كما تقول الرياض .

لنتذكّر أنه بعد إنهيار الإقتصاد اللبناني، والكشف عن كارثة الديون، ونهب ودائع الناس، وضرب القطاع المصرفي، واختفاء السياحة، وانتفاء الصناعة أصلا، وتلاشي المساعدات الغربية، وانحسار الدعم العربي، وحصار ومعاقبة إيران وسوريا  وقيادات قريبة من حزب الله والرئيس ميشال عون، تصدّر الحزب معركة اقتصادية مثلثة الإتجاهات، أولها ضد حاكم المصرف المركزي، وثانيها لأجل الإتجاه شرقا خصوصا صوب الصين، وثالثها إحياء الزراعة حتى لو أضطر الناس لممارستها على السطوح والشرفات.

معروف أن أبرز المناطق الزراعية في لبنان لجهة المروج والمراعي والأراضي الخصبة ومحاصيل الحبوب والفواكه، هي في البقاع حيث قاربت المساحات المزروعة فيها نصف مساحة الأراضي، والجنوب خصوصا في المناطق الساحلية الممتدة من صيدا حتى الناقورة، وشمالا في الكورة وعكار وبعض مناطق الجبل.

كان يُمكن لحزب الله وحلفائه التحرّك على هذه المساحة الزراعية  التي يقع معظمها في مناطق نفوذهم، بأمل تحقيق الإكتفاء الذاتي يوما ما، ورفع كميّات التصدير الى الخارج عبر سورية والعراق، والإفادة لاحقا من خبرات الدول الشرقية التي يرغب الحزب بتعزيز العلاقة معها. لذلك فإن الحزب رفعها شعارا كجزء من استراتيجيته المقبلة.  

الزراعة ليست أمرا عابرا في الشرق الأوسط الملتهب، فلو نظرنا من الجنوب اللبناني صوب المستوطنات الإسرائيلية، تبدو الصورة خضراء على مد النظر، واستطاعت إسرائيل ( بعد نهب الأراضي والمياه) الوصول الى ما يشبه الإكتفاء الذاتي من الزراعة وصارت تُصدّر انتاج المستوطنات والكيبوتزات، وأدخلت تحديثات تقنية كبيرة على هذا المجال ليشكل القطاع الزراعي ما يقارب 2،5% من الناتج المحلي ونحو 4 % من اليد العاملة ( وبعض هذه اليد فلسطيني). لم تعد أسرائيل بحاجة لاستيراد شيء تقريبا من الإنتاج الزراعي سوى بعض البن والكاكاو والسكر. ولم تصبح فقط دولة مصدّرة وانما صار خبراؤها الزراعيون يغرون دولا عديدة من إفريقيا حتى آسيا بالخبرات الزراعية والمهندسين المحترفين.

لنعد الآن الى قضية السعودية ولبنان .

للسعودية الحق في حماية مواطنيها خصوصا بعدما أنتشرت آفة المخدرات في العقود الماضية على نحو خطير في دول عربية كثيرة وبينها الخليج. ولبنان هو المخطيء في هذه القضية لأنه مصدر هذه المخدرات. هذا لا جدال فيه، لكن لو كانت الأحوال عادية بين البلدين، ولو لم يكن الصراع على أوجه بين السعودية وحزب الله وإيران، لما أخذت القضية هذا البعد، ولكان يُمكن حلّها على غرار ما حصل سابقا، من خلال القنوات الأمنية والدبلوماسية. فثمة حدود أخرى مرّت المخدرات عبرها الى السعودية ولم توقف الأخيرة استيراد الانتاج منها.  

الرياض تعتبر أن لبنان خاضع لحزب الله وأن خصوم الحزب لا يفعلون شيئا، وهي حمّلت مرارا الرئيس سعد الحريري مسؤولية التراخي والعجز، وهي لن تتوان بالتالي عن القيام بأي خطوة تُساهم في تسليط الضوء على الحزب خصوصا أن الساحة اللبنانية وعلى معهود عادتها التاريخية سُرعان ما تنقسم بين جوقتين واحدة تؤيد السعودية وأخرى تؤيد الحزب و خصومها. وقد رأينا أنه حتى قبل معرفة مصدر التهريب، ارتفعت أصوات تحمّل الحزب وسورية المسؤولية، واخرى تقول ان السعودية تدمّر لبنان.

بعيدا عن الرأيين، لا يُمكن النظر الى هذه الخطوة السعودية الاّ من زاويتين، الأولى هي هشاشة الدولة اللبنانية التي انهار فيها تقريبا كل شيء سوى مؤسسة الجيش التي تُسلّط عليها الأضواء حاليا من كل المحاور، والثانية عزم السعودية على القيام مباشرة بما عجز عنه حلفاؤها، اي استكمال تطويق الحزب وحلفائه بكل الوسائل بعد أن وضعته منذ سنوات على لوائح الإرهاب، وساهمت بفرض عقوبات عليه، وهي ترغب في تأليب الداخل اللبناني ضده بتهمة تخريب العلاقات اللبنانية العربية وتدمير الإقتصاد. 

لا شك ان الخطوة السعودية التي تندرج  تحت شعار حماية المواطنين السعوديين، تفتح العيون واسعة من قبل دول أخرى على الإنتاج الزراعي اللبناني، ما قد يؤثر عليه سلبا في المرحلة المقبلة ويؤدي الى كساد زراعي ونقص في موارد الدولة من العملة الأجنبية. لذلك على لبنان أن يبادر فورا الى الكشف عن المجرم الذي دس المخدرات في الشاحنات ( اكان لبنانيا أم غير لبناني)  وإنزال أقصى عقوبة عليه وجعله عبرة للآخرين، بدل التلهي بتبادل الإتهامات.فالمُهرب مجرم وقاتل ولا ينبغي الدفاع عنه.   

لا يُلام أحدٌ على ما وصل اليه لبنان من تدمير ممنهج، سوى ساسته، فهم يستمرون في الخصام الإنتحاري، ويقتلون ما بقي من وطن، ويعجزون بسبب المحاصصة والطائفية وصراع الديّكة عن انتاج حلول تحفظ كرامة الوطن بدل إبقائه يتسول على أبواب دول العالم، عربية كانت أم إقليمية أم دولية. 

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة