Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

بين " المواطن الصالح" والمُخبر، مأساة وطن

604
news room March 17,2021

 

 "البريء" فيلم مصري أظهر الفساد السياسي الذي كان سائدا في مصر، ويؤرخ لما حصل في العام 1977 من  "انتفاضة الخبز" وارتفاع الأسعار، ويستهله كاتبه المبدع وحيد حامد بالقول :" " إلى عشاق الحرية في كل زمان ومكان، نؤكد أن موضوع هذا الفيلم لا يخصّ أشخاصا بذاتهم ولا يرتبط بوطن من الأوطان" لكنه  في الواقع ربما طرح قضية تهمّ كل وطن عربي.

 تدور قصة الفيلم حول سجن يعامل فيه المساجين بطريقة سيئة، لأنهم "أعداء الوطن" على حد تعبير مسؤولي السجن، فيقتنع شاب قروي بسيط بهذه الفكرة، ويبدأ بمعاملة المساجين بطريقة سيئة، لأنه يريد أن يحمي الوطن الذي هوي "قريته" من وجهة نظره، إلى أن يُسجن أحد معارفه من القرية، فيأمره الضابط المسؤول بتعذيبه، فيرفض ذلك محاولا إقناع الضابط أن صديقه ليس "عدوا للوطن"، وأنه شخص وطني بامتياز، يرفض الضابط الاقتناع ويسجنه ويعذبه مع صديقه الذي يموت تحت وطأة التعذيب؟

الفيلم من بطولة أحمد زكي، إلهام شاهين، محمود عبد العزيز، جميل راتب، وإخراج عاطف الطيب، صدر عام 1986، وشهد عدّة اعتراضات رقابية من قبل وزراء الداخلية والدفاع والثقافة آنذاك.

لماذا نعود الى هذا الفيلم يا سادتي الكرام؟

ببساطة، لأن ما يحصل اليوم، وما حصل أمس وقبل عام ودهر في بلادنا يتكرر ولكن بصورة أكثر مأساوية. فقد شاهدت هذا الفيلم ونحن نمرّ بالذكرى السنوية للحرب السورية، حرب دمّرت وفتكت بالبنى كافة بما فيها البنية الإنسانية،  وما تزال بعض العقليات الراغبة بالقمع والمنع واسكات الأصوات المعترضة على ممارسات وسياسات خرقاء ، تعتقد أن الاعتماد على " المواطن الصالح" أي الذي يشيء بأخيه المواطن يحمي المجتمع ويُحصّن الوطن .  ويزداد الطين بلة أن الجميع مُبتل بهذه الآفة، حكومة ومعارضات وما بينهما. فإن انت تحدثت عن واقع الحال، تُصبح عميلا أو شبيحا أو الاثنين معا.

بعد هذه العاصفة الرعدية التي لم تنته، عاد "المواطن الصالح" ليظهر بوضوح في مواضع مختلفة في المجتمع السوري، ذلك النمط المستعد بشكل دائم لتنفيذ الأوامر التي تأتيه من الأعلى، كي يسجن الآخر، بوضعه في دائرة الاتهام المسبق، على أساس أنه يحمي الوطن من مؤامرة مقبلة، فينسى ذلك "المواطن الصالح" بطريقة تلقائية أن ذلك التفكير كان سائدا قبل الحرب السورية بسنوات، لكنه لم يحم سوريا من حرب لم تزل قائمة حتى الآن.

يعمل المواطن الصالح" على مراقبة الجميع، علّه يلتمس خطأ ما، فقد يظهر هذا الخطأ في تفكير الآخر باللاوعي، وبالتالي عليه أن يكون مستعدا، لنقل الصورة إلى الأعلى، إعتقادا منه بأن  هذا الأعلى لا يعرف شيئا عن الأدنى إلا من خلاله، عن طريق ما ينقله من أحاديث وثرثرة، تجعل من يقطن في الطوابق العلوية من القيادة على علم بكل ما يجري.

لا يكتفي في هذا فحسب، بل يجري "المواطن الصالح" حوارات بقصد جسّ النبض، فيستمع للآراء ويستفزّها ليخرج أسوأ مافيها، وبعدها يتوصّل في تقريره أنه "شعب لا يستحق الحرية" فكيف ستتمكن القيادة من إعطاء "الحرية" لشعب أحمق غير مثقف، وكأن تجربة الثقافة، يمكن أن تقيّم لدى شعب لم يعد يتمكّن من التفكير سوى بلقمة العيش، وهنا تظهر الفكرة الأذكى، فيقول "المواطن الصالح": "نعم إنها الحكمة، لأنهم تمكنوا من حصر تفكير الطبقات الدنيا بلقمة العيش، كي لا تفكّر في حريتها"

لم يقتصر المواطن الصالح على دوائر السلطة وأفلاكها، وانما نجده أيضا بين صفوف المعارضة. فهو قد يكون تابعا للسلطة ومتخفيا بصورة معارض، أو قد يكون معارضا لكنه يتقن فن الوشاية بمعارض آخر. ووجهة الوشاية قد تكون أطراف أخرى في معارضات أخرى، او قد تكون دولة راعية وموجهة لهذه المعارضة أو تلك. فالسباق الى كسب رضى السلطان يُصبح أهم من بناء الأوطان.

نجد نموذج هذا المواطن الصالح الضروري لاستمرار السلطة  في كتاب "الأمير" لـ "نيكولو ميكافللي" معلنا أن الحكمة تقتضي اتخاذ تدابير ماكرة مع شعوب لا تفكّر بشكل سيلم، ولذلك من الطبيعي تقييد حرية الأقلام والفكر، كي ندرأ الخطر القادم.

أولئك الأعداء الذين لم نحددهم بدقة بعد، ولم نعرف من هم، سوى أنهم كل من يختلف عنا بالفكرة قبل أي شيء آخر،

اليوم وبعد مرور عشر سنوات، على تلك الحرب لم يعد هذا " المواطن الصالح"  كما كان ، تغيرت ملامحه بشكل كلّي، وهم مُحقّ بهذا التغيير.  فهي عشر سنوات، لا عشرة أيام، عاش خلالها مختلف أنواع الحروب والأزمات، ولم يزل مترقبّا، لكنه غير صامد كما وصفه كثيرون، بل هو مستمرّ، تماما كما تشرق الشمس كل يوما وتغرب، كوجه من أوجه البقاء، هي حالة طبيعية مستمرّة، يكابر البعض فيسميها صمودا، ويرى فيها البعض الآخر غريزة البقاء .

لعل لا أمل بقيامة هذا الوطن، الا باعتماد " مواطن صالح  حقيقي" يكون ولاؤه للوطن، وقلبه يتسع للجميع، ويعمل مع أخيه المواطن على بلسمة الجراح وطي صفحة الماضي والتأسيس لمشروع نهضوي يُنقذ البلاد والعباد. علينا أن نصبح مواطنين صالحين لأجل وطن لم نر منه غير الخير، لا أن نكون مطية لسلطة او معارضة بلا رقيب ولا حساب . فالمواطن الصالح الحقيقي هو من يحاسب من يخطيء بحق الوطن، كان من كان المُخطيء، لا من يخاف من ظلّه ويُمضي عمره باحثا عن كيفية رضى من هو أعلى منه.

الكاتب

لجين سليمان باحثة جامعية واعلامية - الصين

الكاتب:لجين سليمان

  • للمشاركة