Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

بين الخيال والتخيّلات كيف يعمل الدماغ؟ 

441
news room May 7,2021

روزيت الفار 

هناك عدّة اسئلة تلاحقنا أثناء مسيرة حياتنا تتعلّق بأصل الوجود وكيف ومتى خُلِقنا وكيف تطوّرنا والخ... ومن ضمنها تلك المتعلّقة بالمخيّلة والتّخيّل. ما هي التّخيّلات؟ أهي أوهام وواحدة من دروب الجنون؟ كيف تعمل وما تأثيرها على حياتنا وكيف نستثمرها لخدمتنا؟

يقول آينشتاين: "لكلّ من المنطق والقراءة والمعرفة قوّة لكنَّ قوّة المخيّلة أكبر". 

"المعرفة تحدّد ما نعلمه وندركه بالوقت الحاضر لكن التّخيّل يمثّل نوايانا الّتي نرغب بتحقيقها بالمستقبل" ومن هنا تأتي اهميّته وضرورته.

إنّ التّفكير المستمر بالغد والرّغبة بتحقيق الطّموحات والأمنيات وتحسين نوعيّة الحياة هو الدّافع الأكبر خلف ما يُسمّى بالتّخيّلات وخاصّة حين نرى أو نتصوّر المكافأة التي تنتظرنا خلف تحقيقنا لتلك الرغبات. فليس هناك إذاً وجود حقيقيّ للتخيّلات لكنّ جزءاً منها قابل لأن يتحوّل في المستقبل إلى ابتكارات واختراعات وابداعات محسوسة؛ فجميع ما نملكه الآن من تلك الأمور كانت بالماضي تخيّلات في عقول البعض. فهي باختصار طموحات غير ماديّة ورغبات ذهنيّة تنتظر التّنفيذ.

يصف الفيلسوف الفرنسي Jean Paul Sartre في كتابه "Psychology of Imagination" التّخيّل بأنّه قدرة الإنسان على إقصاء أو فصل نفسه عن محيطه المادّي بهدف العودة له بمزيد من الاحتمالات، فالنّاس المنفصلون Disconnected يستطيعون تطويرعالمهم والعيش بحال أفضل. مستخدماً سارتر الوسائل الثّقافيّة والاجتماعيّة والعاطفيّة (كالّلغة والفنون والصّور) لتشكيل سيناريوهات خياليّة ينتج عن بعضها منجزات واقعيّة؛ مخالفاً بذلك رؤية غيره من فلاسفة عصره فهو يرى "التّخيّل" عمليّة تتدخّل بجميع مناحي الحياة لكن بدرجات متفاوتة واعتبره أداة تنبّؤ يستخدمها الأشخاص لتحقيق نواياهم.

العوامل الّتي تفعّل المخيّلة عديدة أهمّها:

1.     القراءة وخصوصاً روايات الخيال. عُرف عن الشّعب الصّيني سابقاً ابداعه في تنفيذ أفكار وخطط الغير ولم يكن باستطاعته ابتكار أو خلق ما هو جديد إلى أن تمكّنوا من معرفة السّبب والّذي كان يكمن في عدم قراءتهم لروايات الخيال العلمي الّتي لم تكن مسموحة بوقت من الأوقات.  

اكتشف علماء الأعصاب بجامعة Emory البحثيّة الأمريكيّة أنّ قراءة روايات الخيال تحسّن من وظيفة الدّماغ على عدّة مستويات وأنّ الإنهماك بذلك النّوع من القراءات فيه تقوية للّذاكرة العضليّة Muscle Memory تماماً كما التّمارين الرّياضيّة للجسم. (علماً بأنّ الذّاكرة العضليّة هي الأفعال الّتي حفظها الدّماغ نتيجة الحركة المتكرّرة لمدّة من الزّمن وأصبحنا نمارسها بشكل تلقائيّ دون حاجة للتفكير، مثل قيادة السّيارة ووصولك إلى وجهتك دون وعي أو انتباه، أو الطّباعة دون النّظر للوحة المفاتيح أو أي عمل متكرّر آخر يصبح بمرور الوقت روتينيّاً لا يحتاج تركيزاً). كما وأنّ باستطاعة قراءة رواية جيّدة نقلك لعالم خيال قد يصبح كواقع حقيقي في عقلك ويبقى داخله لفترة من الزّمن ما يجعلك تنسى مشاكلك اليوميّة ويخفّف من الضّغوطات الّتي تواجهك. ناهيك عن دور القراءة في تحسين مهارات الإدراك وتطوير المقدرة على التّخيّل والّتي يتم تعزيزها بالقراءة المستمرّة. فعلاقة القراءة بالخيال كعلاقة الأمّ بطفلها؛ هي تغذّيه وهو يستفيد من غذائها. كم يفيد ترسيخ هذا السّلوك عند الأبناء وتوجيههم للقراءة وقصص الخيال لتوسيع وتنشيط مخيّلتهم ولما له من آثار إيجابيّة تنعكس على مستوى أدائهم العلمي والفكري مستقبلاً.

2.     المغامرات والسّفر ورحلات الاستكشاف.

3.     ممارسة التّمارين الرّياضيّة وجلسات التّأمّل أو اليوغا. وجميعها تعمل على تحفيز الجسم وتنشيطه الّذي بدوره يوقظ العقل ويثير المخيّلة.

نرى أحياناً كثيرة تداخلاً ولغطاً بين مفهوم "التّخيّل" و"الخيال". فكثيرون يستخدمون "الخيال" حين يريدون التّكلّم عن التّخيّل وبالعكس. التّخيّل يتعلّق بأمر إما واقعي أو غير واقعيّ، بعضه لديه امكانيّة التّحول إلى انتاج أو ابتكار ماديّ، بينما "الخيال" هو أمر غير واقعي ويبقى كذلك. فكلُّ خيال تخيّل لكن ليس كلّ تخيّل خيال. ويعتبر الخيال مدخلاً للتخيّل. فمثلاً نرى الأطفال يجسّدون شخصيّة ميكي ماوس أو دونالد داك أو باباي الخياليّة برسومات على الورق مستخدمين مخيّلتهم وأنّ عالم والت ديزني الشّهير جاء نتيجة رؤية فأر.

كيف نستفيد من التّخيّلات للعلاج؟

أوضحت نتائج بحوث حديثة قامت بها جامعة كولورادو الأمريكيّة أنّه أثناء تخيّلك لخطر أو تهديد معيّن؛ تُضاء مناطق محدّدة بالدّماغ ما يجعله يتصرّف وكأنّها حادثة حقيقيّة ويقوم بمهاجمتها باستخدامه هذه التّخيّلات كأداة قوّة يستطيع من خلالها التّغلّب على حالة الفزع أو "الرّهاب" الّذي يسبّبها ذلك التّهديد أو الخطر. وهذا ما يُفسّر  "العلاج  بالتّعرّض" Exposure Therapy أي بتعريض المريض (الّذي يعاني من حالات نفسيّة كالرّهاب) فعليّاً للأسباب الّتي تشكّل لديه ذلك الفزع ضمن ظروف آمنة ومُراقبة ومسيطر عليها. والاستفادة من ردود الفعل الصّادرة عن الدّماغ ودراستها وتحليلها ومن ثمَّ تقديم المساعدة للمريض. وتجرى الآن دراسات وأبحاث حول إمكانيّة استخدام التّخيّلات في ايجاد علاج لمرضى الفصام وأمراض نفسيّة أخرى والنّتائج مبشّرة لحدّ الآن. باستطاعة الأفكار والتّخيّلات داخل الدّماغ تغيير إدراكنا الفعلي للأمور؛ فاحرص على أن تكون تلك الأفكار والتّخيّلات إيجابيّة كي تعيش بفرح وسلام.

الكاتب

روزيت الفار- عمّان

الكاتب:روزيت الفار

  • للمشاركة