Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

بيلاّ تشاو.. الأغنية التي صارت نشيد الحب والحرية

1431
news room May 5,2021

 

د.نجاح زيدان 

ذات صباح، استيقظت من النوم

وداعاً أيتها الجميلة، وداعاً أيتها الجميلة، وداعاً أيتها الجميلة

ذات صباح، استيقظت من النوم

ووجدت الغزاة

يارفيقي خذني معك بعيداً من هنا

لأني سأموت

وإن مت كمقاوم

بهذه الكلمات تبدأ الاغنية الايطالية الشهيرة " بيلاّ تشاو"  التي ترجمت الى أكثر من أربعين لغة وغناها مايقارب مئة وعشرين مغنياً ومغنية.

تروي الأغنية حكاية مناضل يذهب الى المعركة مودعًا حبيبته الجميلة وطالباً منها أن تزرع وردة على قبره، حتى اذا رآها الناس قالوا هذه وردة المقاتل الذي مات من أجل الحرية.

أنشدها  بعض المقاومين ضد الفاشية إبّان الحرب العالمية الثانية في إيطاليا  ولكن اللحن يعود الى أغنية شعبية ولدت في حقول الأرز ببداية القرن العشرين حيث غنتها جيوڤاني دافيني عام  1926، والتي بدأت بالعمل في الحقول وعمرها ثلاثة عشر عامًا وتعلمت هناك أغاني الموندينا  (mondine) . كلمات الأغنية تشجب ظروف العمل المجهد للعاملات الزراعيات، فأقدامهن المنهكة بالحرارة الشديدة غائصة في المياه الراكدة والوحول والحشرات القارصة. يمضين وقت العمل وهن حانيات الظهر ، ناهيك عن التهديد الدائم لمالك الارض بالطرد من العمل.  وهكذا شكّل العمل الشاق للعاملات محوراً للنضال الاجتماعي.

في العام   1944 تم الاحتفاظ باللحن نفسه ولكن بُدّلت بعض الكلمات وأصبحت تحمل معنى كفاحياٌ يتناسب مع مرحلة التحرير الوطني من نير الفاشية. يُوضّح المؤرخ والمناضل كلوديو باڤون في كتابه "حرب أهلية" بأن ايطاليا في الفترة الممتدة من 8  أيلول/سبتمبر  1943  ( تاريخ توقيع الهدنة بين ايطاليا والقوات البريطانية-الامركية)  وحتى استسلام القوات الالمانية المحتلة لايطاليا في أيار/مايو من العام  1945 شهدت  ثلاثة حروب في الوقت نفسه:

- الحرب بين  المسلحين ضد الفاشية في الشمال وبين الجمهورية الايطالية الاشتراكية في سالو.

-     الحرب بين أفراد الشعب ضد المحتل الالماني والذي كان موجودا بقوة في شمال البلاد.

-     حرب ثالثة تمثلت  بنضال الطبقات، بين طبقة الفلاحين والعمال من جهة وملاكين الاراضي في الجنوب والصناعيين في الشمال من جهة أخرى.

يختلف مضمون أغنية "بيلا تشاو" عن الاغاني الثورية التي سادت في اوروبا في تلك الفترة فهي لاتحتوي على كلمات قتالية مثل أغنية "المناضلين" ذات الاصول الروسية والتي تمت اعادة كتابة كلماتها من قبل جوزيف كاسيل في لندن  أو فكرة القتل والموت للمعادي والطاغي مثل اغنية الثوار الاسبان ضد فرانكو.

كلمات أغنية "بيلا تشاو" تحكي قصة  المقاتل الرومانسي والذي يتحدث عن نفسه وأحلامه وحبه وقلقه وحلمه في التحرير والحب  وليس عن الجماعة كما في غيرها من الاغاني الثورية.

تتضمن الاغنية فكرة وضع الزهور على القبر وهي فكرة كلاسيكية من الفولكلور الايطالي. وتعود احدى هذه النسخ  الى اغنية في القرن السادس عشر 1536 في فرنسا "شكوى سيدة البرج" في الفترة التي كانت قوات الملك الفرنسي تغزو شمال ايطاليا.

الاغنية تروي قصة سيدة تحلم بالزواج من سجين محكوم بالموت وتنفيذ الحكم فيه في اليوم التالي.

تتكرر في الاغاني الشعبية الفكرة نفسها وهي مأساة الحب التي تنتهي بالموت.

بعد التحرير، اختارت الدولة الايطالية أغنية " بيلا تشاو" كرمز للمقاومة حيث تتوافق مع التسوية الموقعة بعد الحرب بين جميع الحركات التي شكلت جزءاً من النضال ضد الفاشية. فقد اعتبرت من قبل بعض الايطاليين كرمز لقيم العيش الديمقراطي المشترك ولمباديء الدستور والجمهورية التي ولدت من رحم المقاومة. بينما ثمة من لا يزال يعتبر هذه الأغنية شيوعية .

أول عرض لاغنية-نشيد " بيلا تشاو"  كان خلال الحفل العالمي للشباب والطلاب في براغ في صيف العام 1947، تلتها عروض اخرى تم تنظيمها في احتفالات بودابست 1949 في العام وبرلين الشرقية في العام 1951. ومع بداية الحرب الباردة أصبحت  أغنية بيلا تشاو نشيدا موحِّداً للمعسكر التقدمي.

ولدت الاغنية في حضن المعاناة والنضال من اجل العيش بحرية  والكفاح  ضد الطغيان والامل بعالم أفضل،  سافرت عبر جغرافيا الحدود وأصبحت نشيداً للحرية في العالم كله، من أثينا الى هونغ كونغ،ومن اسطنبول الى باريس ومن بيروت الى هافانا ، وغناها الكثير من كبار المبدعين مثل: كلوديو ڤيلا،  ليني ايسكيدرو، جيوڤانا دافيني و اندريه ريو.

الكاتب

د.نجاح زيدان إستاذة جامعية في مدينة ليون الفرنسية

الكاتب:نجاح زيدان

  • للمشاركة