Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

عزّت العلايلي، رحيل المبدع النبيل

1434
news room February 5,2021

نوال الحوار: 

توفي صباح اليوم في القاهرة  فارس الدراما المصرية الفنان القدير عزّت العلالي . بغيابه تفقد السينما العربية مُبدعا من طراز رفيع لعب معظم الأدوار وأكثرها تعقيدا وحافظ على نجومية عالية رغم كل العقبات. تخرّج في السيتينيات من المعهد العالي للفنون المسرحية إلا أن شهرته الحقيقية لم تبدأ إلا بعد فيلم "امراة مجهولة" رغم صغر مساحة الدور امام فريد الأطرش ولبنى عبدالعزيز، ومن هذه التجربة انطلق نحو تجربة اوسع في السينما عبر فيلم "الاختيار" الذي اختار هو نفسه موضوعه واقترح اخراجه على المخرج الاستثنائي يوسف شاهين   لكن الأقدار كادت تغيّر المجرى. يروي العلايلي إنه أقترح على صديقه شاهين أن يتولى الكاتب والأديب الكبير نجيب محفوظ السيناريو، وهو ما حصل فعلا ، لكن المخرج ارتأى ان يسند البطولة للفنان عبد الحليم حافظ الذي كانت نجوميته كفيلة بأن تحقق للفيلم نجاحا كبيرا واعتقد شاهين انه الأنسب للعب الدور الأساس، لكن غياب الأغاني عن الفيلم، اعاده الى عزت العلايلي، ربما بعد امتناع حافظ. كما قيل ان الفنان الكبير محمود ياسين اعتذر لأنه كان يمثل آنذاك في فيلم " نحن لا نزرع الشوك"  امام النجمة  شادية. لكن هذه المعلومة غير مؤكدة خصوصا ان علاقة جيدة كانت تربط  العلايلي بياسين حيث اعتبر الثنائي من أقوى الصداقات في الوسط الفني.

أيا كانت أسباب وصول الدور للعلايلي إلا أنه كان من اهم الادوار التي بدأها مع العبقري يوسف شاهين. ونجح الفليم نجاحا كبيرا  ويعد من اهم مئة عمل في السينما المصرية.  ومن هذه الأفلام المئة  كانت 10 من بطولة العلايلي، وهذا رقم كبير. الأفلام هي التالية:

 " بين القصرين" عن رواية نجيب محفوظ ، "قنديل ام هاشم "عن رواية يحيى حقي، " الاختيار" لنجيب محفوظ ، "الارض" لعبد الرحمن الشرقاوي ، "زائر الفجر"  لممدوح شكري،  "على من نطلق الرصاص"  لرافت الميهي، "السقا مات" ليوسف السباعي،  "اسكندرية ليه" لمحسن زايد ، "أهل القمة" لنجيب محفوظ ، "الطوق والاسوارة" عن رواية يحيى طاهر.  

 تميّز عزّت العلايلي طيلة مسيرته باعتماد على أدب بلاده وتعلقه بأدباء ومثقفي مصر، وقد كان عاشقا لأدب نجيب محفوظ 

وفلسفته ويعتبر أنه صاحب فضل على جيله بأكمله حيث كانت رواياته هي احد الاعمدة الاساسية للمعهد العالي  للفنون .

تعارفنا في المقهى

في مقهى "الريش" ذي الطابع الثقافي تعرفت إلى الدكتور محمود العلايلي وقد جمعني به صديق يعمل في قناة الجزيرة اسمه حسن ابراهيم .قال لي هذا ابن عزت العلايلي لكنه تفوق على ابيه في حفظ اعمال نجيب محفوظ. وفعلا روى نجله لنا شدة حب والده للكبير محفوظ ابن الحارة المصرية المعجون بطينتها ،وأعتقد انها سمة كل الفنانين في تلك المرحلة التي قال عنها العلايلي أثناء استضافته في برنامج معكم منى الشاذلي: نحن ابناء جيل يقرأ ويحمل أكثرمن شهادة، فمعظم خريجي المعهد  يحملون إجازات في الأدب والترجمة والحقوق وغيرها من العلوم الإنسانية. واضاف  أن السينما هي اداة تطوير وتحسين للحياة الإنسانية 

عبر الخوض في خضم صراعاتها. من هنا جاء التنوع في اعماله فجسد الشخصية  الامنية في بئر الحرمان و العسكرية في أهل القمة والطريق إلى إيلات والفلاح المرتبط بأرضه في الارض وابن البلد الفتوة الجدع في التوت والنبوت.

تجدر الاشارة الى ان العلايلي كان مثقفا ويتدخل في النصوص لافلامه وغالبا ما يضيف اليها ما يجعلها أكثر عمقا وجذبا وارتباطا بالانسان المصري وهموم العرب.

 عمل العلايلي كثيرا للتلفزيون ومن أشهر اعماله :  " بوابة الحلواني"، "ربيع الغضب " ، "العنكبوت" ، "الطبري"، " ابوعبيدة بن الجراح "وغيرها من الدراما التاريخية والإجتماعية التي كان اخرها مسلسل "قيد عائلي" الذي  انتج عام 2019. 

كما شارك في عروض مسرحية كثيرة داخل مصر وخارجها وهي من النصوص العالمية أو من البيئة المصرية ولعل اشهرها كانت "أهلا يا بكوات" التي تقاسم بطولتها مع حسين فهمي وتمر حنة، وشاركته البطولة المطربة الكبيرة وردة . كان يقول اعن علاقته بالمسرح انه بيته الأول منذ أن كان يمثل مع أصدقائه ببيتهم بباب الشعرية وهو  في سن الطفولة . ومعروف عن الراحل وفائه لأحبائه وأصدقائه، فعندما رحلت زوجته السيدة سناء الحديدي قال: "انا لولاها ماكنتش أبدا".  لعله من الفنانين القلائل الذين لم تطاردهم شائعات الطلاق والارتباط ، وبعد رحيلها لم يتزوج ثانية وكان قد أنجب منها محمود ورحاب .  

قاسمته النجمة سعاد حسني الكثير من الأفلام ولم يكن يعتبرها صديقة فحسب إنما صديقة غالية على زوجته. ويقول: برحيل زوجتي رحلت كل اسرار سعاد حسني.

كذلك ربطته علاقة مودة كبيرة بالفنان محمود ياسين  الذي قال له في أحد لقاءاتهما  :" تستاهل يامحمود تاريخك مشرف وكبير".

الصداقة والحب

الصداقة في عرف الراحل الكبير كانت ثروة حقيقية وكان يرى فيها ثروة الدنيا . أما أكثر ما ندم عليه فهو فيلم جريء قارب الاباحية في بعد مشاهده وكان بعنوان  :" ذئاب لا تأكل اللحم" وذلك بسبب ظهور بطلته  ناهد شريف عارية تماما. آنذاك انكفأ العلايلي لمدة عام وكانت السيدة ام كلثوم هي التي أخذت بيده لاستعادة أنفاسه. وهو روى تلك الحادثة في الندوة التي أقيمت لمهرجان الفيلم الأفرواسيوي بشرم الشيخ ، فقال إن أم كلثوم التقته وكان حزينا للغاية، وسألته عن السبب فأخبرها أنه تعرض لهجوم شديد وصل الى حد الشتيمة  بعد عرض الفيلم، فقالت له بكثير من الثقة بالنفس والمحبة :"  : "تفتكر ربنا اللى حط فيك الموهبة دى هايتخلى عنك".

شاء القدر أن يرحل العلايلي بعد ذكرى رحيل كوكب الشرق بيوم واحد وكأن طريق السماء في هذه المرحلة مفتوح لارتقاء النجوم.

رحل الرجل الأنيق الجميل المحترم، تاركا وراءه ثروة ابداعية  ورصيدا من الحب والاحترام والاعمال الهامة التي تعتبر علامة مضيئة في دنيا الفن . وقد نال  جوائز عديدة  وتكريمات، كان آخرها افتتاح مهرجان الإسكندرية الدورة 36 في العام الماضي  حيث سُميت ب "دورة عزت العلايلي".

رحمه الله وأدام لنا ابداعه، فمثله يبقى رحيق ابداعهم ذكيا وعابقا عبر العصور

الكاتب

د.نوال الحوار شاعرة واعلامية وكاتبة

الكاتب:د.نوال الحوار

  • للمشاركة