Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

أين هي مواقف الدول والشعوب الشرقية "الصديقة" للعرب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؟

2739
news room April 7,2020

أتفهم تماما أن البعض في هذه المنطقة قد فهم، أو أراد أن يفهم، من مقالي قبل أيام عن الفيديوهات المفبركة وغيرها من المواد الإعلامية الدعائية التي يتم تداولها على الإنترنت العربي وتبشر ببدء انهيار معسكر الدول الليبرالية في العالم، أن القصد الأساسي من ورائه هو الدفاع عن الديمقراطيات الليبرالية الغربية كالولايات المتحدة وكندا وأوروبا الغربية، ومهاجمة الدول الشمولية الاستبدادية كالصين وروسيا. وأتفهم كذلك أن البعض منكم رد بسلبية على مقالي – رغم أن هذا البعض قد يكون متفقا تماما مع ما سقت من حجج وأدلة في المقال -- لأن الديمقراطيات الليبرالية الغربية اتخذت مواقف معادية لقضايا العرب، وخصوصا الصراع العربي الإسرائيلي، وبالتالي باتت الذهنية العربية مستعدة لتقبل أي شيء ضد هذه الديمقراطيات حتى ولو كان مزورا أو مفبركا ومزيفا. الكم الأكبر في هذه المنطقة العربية يتقبل، للأسف، هذا الكم الهائل من هذه الفيديوهات والرسائل الإعلامية المغرضة والترجمات الرديئة ضد الغرب حتى لو كانت غالبية شعوب هذه المنطقة تعشق كل شيء "صُنع في" الدول الديمقراطية الليبرالية الغربية – من الهاتف الجوال، إلى الإنترنت، إلى السيارة وأفلام هوليوود، وصولا إلى موسيقى ألفيس بريسلي.

أتفهم ذلك تماما، ولكن ما قصدته في مقالي السابق ليس هذا أبدا. لم أكن أدافع قط عن بعض السياسات الخارجية لهذه الدول، أو جلها، بل كنت أدافع عن المبدأ – أي مبدأ بناء الدول على أسس ديمقراطية ليبرالية، لا على أسس استبدادية، شمولية، تقوم على أساس "الزعيم الأوحد" و"القائد الملهم الذي لا يخطىء". ولم أكن أدافع عن مسلك معين لدولة أو مجموعة من هذه الدول. وكما قلت سابقا، فأنا متفق تماما مع التظلمات الأساسية التي تقدمها شعوب هذه المنطقة على مسلكيات هذه الدول في قضايا أساسية للمنطقة العربية.  فهذه الدول لها إرث استعماري بغيض في هذه المنطقة؛ كما أنها في غالبها وقفت إلى جانب إسرائيل -- ظالمة أو مظلومة -- خلال غالبية القرن المنصرم - مع أن بعضها، وللموضوعية، عدل مسلكه كثيرا خلال الفترة الماضية؛ ثم، وهو أمر مهم أيضا، أن الشعوب العربية في غالبها، تأخذ على الدول الليبرالية الغربية دعمها اللامحدود الذي تقدمه لبعض الأنظمة العربية التي تعتبرها شعوبها من الأكثر قمعية وفسادا وإساءة لحقوق الإنسان فيها. أنا أسلم أن هذه الدول الغربية أو غالبها تتعامل وتدعم هذه الأنظمة مع أنها تختلف معها في كل شيء، من حقوق الإنسان إلى حقوق الحيوان، لأن ما يهم هذه الدول أساسا، قبل الحفاظ على منظومتها القيمية، هو أن تحافظ على مصالحها، تقريبا من دون مقابل سوى قبول أن تبقى هذه الأنظمة في سدة الحكم في هذه الدول العربية.

تمعنوا معي في ترجمة لمقال المفكر والناشط الفرنسي المعروف برونو غيغ "سقوط النسر بات وشيكا" الذي يتوقع فيه انهيار الحضارة الغربية، وخصوصا انهيار الولايات المتحدة، والكثافة التي انتشر فيها هذا المقال في وسائل التواصل الاجتماعي العربية منذ بدء أزمة كورونا، حتى مع أن هذا المقال نشره صاحبه قبل سنة بالضبط من أزمة كورونا الحالية. إن نشر أو ترويج أو توزيع مقالات كهذه، أو مقاطع الفيديو أو المقاطع الصوتية المزورة، المفبركة والمترجمة بصورة خاطئة مقصودة – كذاك الفيديو المترجم خطأ أصلا لفيديو للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل الذي تتحدث فيه، حسب الترجمة العربية المغلوطة تماما، عن كيف أن "عالما بيولوجيا ألمانيا من أصل تونسي قد اكتشف عقارا لمرض الكورونا وأنه فضل أن يمنح اختراعه لبلاده الأم تونس!!" ...، لن يساعد شعوب هذه المنطقة على هزيمة هذه الدول التي أصبح مكرسا في أذهان شعوبها كراهيتها لها وحقدها عليها. فقد أصبح العرب، ينطبق عليهم القول الأميركي المعروف، "لقد استقر رأيي، فلا تحاول أن تربكني بحقائقك." (I have made up my mind, don’t confuse me with the facts!). لقد استقر رأي هذه الشعوب في الدول الغربية الديمقراطية الليبرالية، ولن ينجح في تغيير ذهنيتها وسرديتها حتى الحقائق!! وبالتالي فإن شعوب هذه المنطقة مستعدة تماما لتقبل أي شيء سلبي عن هذه الدول وحتى ولو أدركت هذه الشعوب أن ما تتلقاه من رسائل إعلامية عبر الإنترنت العربي هي رسائل إعلامية مزورة، مفبركة ومغلوطة بالكامل. هذه هي القضية الأساسية التي حاولت طرحها في مقالي الأول.

القضية الثانية هي أنه حتى لو سلمنا بسوءات هذه الدول الديمقراطية الليبرالية الغربية تجاه العرب، فإن مواقف دول استبدادية شمولية كالصين وروسيا لم تكن بأفضل حالا بكثير من مواقف مثيلاتها الغربية في القرن الماضي، رغم ما بدا حينئذ أن هذه الدول كانت داعمة للقضايا العربية. ينبغي أن نمحص في حقيقتين في هذا السياق: أولا، أن المنطقة العربية كانت في فترة الحرب الباردة عبارة عن كرة صغيرة لا وزن لها يتلاعب بها الكبار في ملاعب الكبار، فاختار بعضها أن يكون كرة صغيرة يلعب بها المعسكر الشرقي والبعض الآخر أن يلعب بها المعسكر الغربي. وثانيا، أن هذه الدول الشرقية التي وقفت إلى جانب القضايا العربية اتخذت تلك المواقف كحكومات وليس كشعوب، ووفقا لأجندتها ومصالحها حينئذ في صراعها مع الغرب.

الآن وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي في أواخر القرن العشرين، ينبغي على المنطقة أن تطرح السؤال التالي على نفسها: أين يقف خليفة المعسكر الشرقي ممثلا بالاتحاد السوفياتي سابقا، أي روسيا، والأسوأ منها، أين تقف غالبية الدول التي كانت حليفة لموسكو في حلف وارسو – رومانيا، بولندا، تشيكوسلوفاكيا وبلغاريا أو الدول التي ولدت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، الآن من القضايا العربية وأهمها القضية الفلسطينية؟ إسألوا سفراء السلطة الفلسطينية عن خبراتهم المؤلمة في هذه الدول بعد انهيار الاتحاد السوفياتي! بل أين أصبحت مواقف دول حليفة حتى من دول عدم الانحياز التي ساعد رمز القومية العربية في القرن العشرين، الراحل جمال عبدالناصر، في بنائها، من القضايا العربية المعاصرة؟ أين موقف الهند مثلا من هذه القضايا؟؟ رئيس الوزراء الهندي الحالي ماريندرا مودي لا تقل عنصريته وقمعيته وحقده على القضايا العربية ومؤيديها من صديقه الحميم بنيامين نتنياهو!!

أستطيع أن أحاجج أنه قد يكون من الأسهل بكثير على الشعوب العربية أن تتعامل مع مواقف شعوب الدول الديمقراطية الليبرالية الغربية، رغم اتخاذ حكوماتها مواقف ضد القضايا العربي إجمالا، وكسبها للوقوف إلى جانب الحقوق المشروعة للشعوب العربية من إقناع شعوب أو حكومات الدول الاستبدادية. فالأولى هي شعوب حرة لديها إعلام حر وتتمتع بحرية التعبير والتنظيم السياسي وما إلى ذلك، وهي ليست مرغمة أبدا على تبني مواقف حكوماتها من هذه القضايا. أما الدول الأخرى بشعوبها المقهورة، غير الحرة، والمهمشة والفقرة، فهي لا موقف لها أصلا. الموقف هو لحكوماتها، ولهذا تغيرت مواقف هذه الدول كلها بمجرد تغير حكوماتها: "عاش الرئيس، مات الرئيس"! وحتى التعامل الشعبي المحدود بين شعوب المنطقة العربية وشعوب الدول الاستبدادية الشمولية في فترة الحرب الباردة كان تعاملا باتجاه واحد: الحزب الشيوعي في موسكو يوجه الأوامر لأعضائه ومحازبيه في المنطقة العربي وهؤلاء يقولون سمعا طاعة، أو وحسب ما كان يوصف حينها، فإذا "أمطرت في موسكو، يرفع الشيوعيون العرب مظلاتهم في المنطقة العربية."! ولم يكن الحال بأفضل من ذلك في وضع الدول العربية التي اختارت الوقوف إلى جانب المعسكر الغربي الليبرالي، مع فارق بسيط هو أن هذه الدول لم تستعمل آلة حزبية كالاتحاد السوفياتي السابق، بل كانت تتعامل مباشرة مع الرئاسات العربي – مكالمة من مسؤول صغير في إحدى وزارات الخارجية الغربية كانت تكفي لتغيير سياسة دولة عربية عن أي قضية تشاء.

بالمقابل، أزعم أنه لا يزال هناك متسع كبير للتحاور مع الشعوب الحرة وكسبها إلى جانب القضايا العربية. الأمثلة على ذلك عديدة وفي كل مكان. أنظروا إلى الدول التي انتعشت فيها "الحملة الدولية للمقاطعة وسحب الاستثمار وفرض العقوبات على إسرائيل" (BDS). إنها بالضبط الدول الغربية الليبرالية التي ذكرت والتي يريد البعض أن يشمت بها بنشره الفيديوهات والمقاطع والأكاذيب التي ذكرت أعلاه. ولكنني لا أجد لها أي وجود يذكر في روسيا أو الصين أو بولندا أو رومانيا، الخ، الخ.!! بعض الأفراد من الدول الليبرالية الغربية يقف مدافعا عن القضايا العربية في عقر دار هذه الدول أو يأتي إلى المنطقة ليدافع عن حقوق أبنائها ضد آلة القتل والفتك الإسرائيلية. أتذكرون ريشيل كوري، الأميركية، التي قتلت بأسنان جرافة إسرائيلية في غزة حين كان سائقها الإسرائيلي ينسف بيتا فلسطينيا؟ حركة التضامن الدولية كلها ولدت وترعرعت في فرنسا، وليس في موسكو، بوخارست أو بكين.

دعوني أضيف أن معظم الأسباب، لا كلها، التي حدت بالدول الليبرالية الديمقراطية الغربية إلى اتخاذ مواقف مجحفة ضد القضايا العربية في القرن الماضي، متجذر في الدول العربية نفسها والطريقة المعيبة التي أدارت بها أنظمتها علاقاتها مع هذه الدول، وليس العكس. كل ما كان يهم هذه الأنظمة هو أن تحظى بتقبل ودعم هذه الدول الغربية، ما دامت هذه الدول تقبل بقمعها وقتلها وكم أفواه مواطنيها دون أن ترفع هذه الدول صوتها ضدها.

أخيرا، أرجو أن تصغوا لي جيدا: هذه الدول التي تهللون لبداية انهيارها وسقوطها المدوي، لن تنهار بفعل تداول فيديوهات ومقاطع صوتية مزورة ومفبركة ومترجمة بصورة مغلوطة، أو ترجمة رديئة، ولا بفعل مقال هنا أو هناك. تذكروا أنكم تتداولون هذه المواد الإعلامية بينكم، وتدورونها وتجترونها وتشعرون بها أنفسكم حين تضعون رؤوسكم على وسائدكم قبل أن تناموا أنكم قمتهم بواجبكم في "دحر الإمبريالية العالمية." ما تقومون به هو بلا تأثير أبدا في الثقافة البشرية من حولكم، وأنتم بهذا تسمحون لأنفسكم أن تظلوا أدوات صغيرة في أيدي الكبار.

أصدقائي، سأشعر معكم أن هذه الديمقراطيات الليبرالية الغربية قد انهزمت، أو أوشكت على الانهيار، على الأقل في دياركم، حين أبدأ برؤية طوابير المصطفين أمام السفارات الروسية والصينية في بلدانكم سعيا للحصول على تأشيرات السفر أو الهجرة إلى بكين أو موسكو، باتت أطول من طوابير المصطفين على أبواب السفارات الأميركية والبريطانية والفرنسية والألمانية للغرض نفسه. كل ما عدا ذلك تفاصيل تافهة.

الكاتب

مفيد الديك كاتب ودبلماسي اميركي سابق

الكاتب:مفيد الديك دبلوماسي اميركي سابق وكاتب

  • للمشاركة