Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

عون ومسيحيو لبنان بين الحزب واسرائيل؟ صراع الخيارات

2820
news room July 28,2020

رانيا حتّي 

بعد مضي عقود على اندلاع الحرب اللبنانية، أي منذ منتصف السبعينات حتى تاريخ اليوم 2020 ،  ما زالت بعض الفئات الطائفية في المجتمع اللبناني،  يسودها الحذر والقلق الدائمان من المسيحيين تجاه نظرتهم إلى إسرائيل.  لكن  ثمة وجهات نظر مسيحية متنوّعة ومختلفة تتعلق بالمقاومة ضدّ العدو الاسرائيلي. يقول بعضها ان  الأطماع الإسرائيلية  اللامحدودة لا يردعها سوى تكريس مقاومة ضدّها فيما يرى بعضها الاخر بأن سلاح حزب الله يبقى عائقاً في بناء الدولة بحجة كونه خارج إطار الشرعية. ولو وسّعنا الاطار أكثر سنلمس  ثلاث وجهات نظر مسيحية حول الصراع مع إسرائيل .

 

أولا : الرئيس ميشال

 

اتخذ الرئيس ميشال عون استراتيجية داخلية تقتضي حماية السلم الأهلي منذ إبرام "وثيقة التفاهم" مع حزب الله. وفي ظل الحرب على لبنان في شهر تموز 2006، وبعد محاولة السفير الأميريكي  في لبنان "جيفري فيلتمان" حث "عون " آنذاك على الوقوف  ضدّ الحزب وإغرائه بالمناصب. وقف عماد الرابية مدافعا عن شعبه ومقاومته ضد إسرائيل قائلاً بأن  دعمه لحزب الله "لم يكن رهاناً بل خياراً"  مؤكداً أن "المقاومة تمثل قسماً كبيراً من الشعب اللبناني" .  موقف الرئيس عون أتى إنطلاقاً من قناعاته الراسخة المستندة الى  التعاليم المسيحية من جهة،  بحيث  كان يُذكّر دائماً بأن السيّد المسيح هو "مقاوم"  ضد الظلم  والشرّ ، وهو من طرد التجار من الهيكل رافضاً البيع والشراء فيه. كما جاءت مواقفه الوطنية من جهة أخرى، انطلاقا من المبادئ التي ترعرع عليها في المؤسسة العسكرية في حقّ الدفاع عن النفس و الوجود الحر ضد أيّ معتدي على سيادة لبنان.  إن عداء الزعيم المسيحي لإسرائيل راسخ وثابت، منذ معاصرته الحرب اللبنانية واضطلاعه الرؤيوي للحوافز الإسرائيلية القديمة الجديدة،  وفي استغلالها الوضع الداخلي المتشرذم لتحقيق أهدافها بتقسيم لبنان الى كيانات طائفية ومذهبية متناحرة .  وبرأي عون،  يعود فشل  إسرائيل بمحطات تاريخية تحقيق طموحاتها بسبب نشأة المقاومة أي حزب الله .

 

رئيس جمهورية لبنان لا يتردد  في إعلان العداء لإسرائيل، ولدى سؤال عن رأيه في حال شنت إسرائيل حرباً على لبنان أجاب بثقة  " بعد حرب تموز 2006 لن تكتب الغلبة لإسرائيل  " . تجرأ الرئيس المسيحي في المحافل الدولية والعربية في  الدفاع عن حق لبنان في مقاومته  ضد الأطماع الإسرائلية،  مذكراً بجميع القرارات الدولية التي لم تنفذها إسرائيل، وآخرها القرار 1701 والإنتهاكات برا بحرا وجوا دون أي مسوغ أو رادع. إن دفاع الرئيس عون عن سيادة لبنان لم يكن يوماً لتغطية حزب الله بقدر ما هو نابع من إرادة صلبة وحرة و من منطلق سيادي لا حيادي . كما ويدافع عن حزب الله كمقاومة بغض النظر عن هوية الحزب الطائفية إن كانت شيعية، سنيّة، درزية أو مسيحية . هو يعتبر بأن المقاومة "شعباً يؤمن بالحياة وليس مجموعات مسلحة " .  تلك هي نظرة ممثل الأكثرية المسيحية تجاه الصراع مع إسرائيل.

 

ثانيا: حزب الكتائب اللبنانية وحزب القوات

 

لطالما إنتقد الطرفان المسيحيان حزب القوات اللبنانية والكتائب، السلاح  غير الشرعي لحزب الله باعتباره عائقاً لبناء الدولة . بالمقابل، لم نر في تصريح لهما تهجماً شرساً على العدو الإسرائيلي كما يتهجمان على المقاومة.  لا شكّ، بأن هكذا تصاريح تأخذ  بعض المسيحيين صوب ترسيخ خصومة داخلية،  أكثر من بناء التفاهمات الوطنية التي تؤسس لمستقبل لبنان القوي. ولكن السؤال الذي يُطرح في هذا الإطار، إذا كان عداء حزب الله ضد إسرائيل واقعا حتميا، فهل من ممكن إعتبار أي خصومة مع الحزب هو لصالح إسرائيل ولو بشكل غير مباشر؟

إن  رئيس حزب القوات سمير جعجع، ومنذ خروجه من السجن بعفو عام، أي منذ 2005 حتى تاريخ اليوم 2020  وهو يجدد خصومته تجاه حزب الله. وعقب تأليف حكومة الرئيس حسان دياب دعا جعجع الى تشكيل جبهة معارضة بوجه الحزب  ، معتبرا أن "سلوك الحزب تجاه  الأصدقاء العرب تسبّب في قطع الشريان الحيوي، الذي كان يساعد لبنان وقت الأزمات".  تلك المواقف، دون شكّ، تنحو بمناصري القوات إلى مواجهة شرسة وحقد تجاه المقاومة كما تأخذ بُعداً مذهبيا، ً إضافة الى مساعي واحلام رئيس حزب القوات بانتزاع التمثيل النيابي  الأكبر من "التيار الوطني الحر" من خلال اللعب على وتر الذاكرة الجماعية المسيحية اليمينية، و رفع الصوت عالياً ضد ما يسميه سطوة "حزب الله"  على الدولة،  رافضاً بقاء السلاح بيد الحزب  (حزيران 2020 ) . في وقت يقود   جعجع حزبه في  تحالفات وعلاقات ممتدة دولياً وعربياً وخاصة مع المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية التي تعتبر ان ايران هي العدو الاول لا إسرائيل.  

موقف جعجع لا يختلف عن موقف رئيس حزب الكتائب سامي الجميل في موضوع السيادة  والعداء مع  السلاح الذي يحمي لبنان من إسرائيل والذي  أصبح سلاح ردع ويشكّل توازن رعب .في هذا الإطار،  يقول الجميل بأن حزب الله وضع يده على البلد ووضع لبنان الرسمي في مواجهة مع المجتمع الدولي". ويرى بأنه يخوض معارك مع كل العالم، مورطاً اللبنانيين بصراعاته لأنه وضع الدولة والشعب اللبناني درعا في معركته مع الغرب دفاعا عن ايران لا عن لبنان". مشيراً  الى أن لبنان بات رهينة بيد حزب الله .

إن المقاربات التي يطرحها كل من جعجع والجميل تختلف تماماً مع طرح رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ورئيس الجمهورية ميشال عون. فيما لم يسمع المسيحيون خصوصاً أي معارضة شرسة من جعجع - الجميل كتلك التي يطلقها باسيل في مقاومة إسرائيل،  بدءاً من صفقة القرن إلى ترسيم الحدود البرية والبحرية إلى محاولات إسرائيل إنتزاع 856 كلم2 من الحدود البحرية وقضم البلوك رقم (9) إلى الإنتهاكات الإسرائيلية الجوية ليلاً نهاراً . وكأن بنزع سلاح الحزب تنردع إسرائيل عن أطماعها التاريخية بمياه لبنان وأرضه وثرواته الطبيعية الباطنية  ؟

هذه المواقف من قبل القوات والكتائب تثير قلق قسم لا بأس به من اللبنانيين، خصوصا ان الحزبين كانا قد اعترفا علانية بعلاقاتهما السابقة مع إسرائيل بذريعة ردع المنظمات الفلسطينية والحركة الوطنية ( راجع كتاب مذكّرات جوزيف أبو خليل، وكتابي الكاتب الفرنسي الآن مينارغ) ، وهما حينما يتحدثان عن " المقاومة" فإنما للإشارة الى " مقاومة الاحتلال السوري"، بالرغم من ان حزب الكتائب الذي انبثقت عنه القوات كان في طليعة من طلب التدخل السوري في لبنان لا بل وصل الامر برئيس ومؤسس الحزب الراحل  بيار الجميل ورئيس حزب الوطنيين الاحرار الرئيس الراحل كميل شمعون الى حد طلب الوحدة بين لبنان وسورية من الرئيس حافظ الأسد ( راجع كتاب كريم بقرادوني) .  

بالمقال نجد ان كثيرا من المسيحيين قادوا تاريخيا أحزابا يسارية وقومية مناهضة تماما لإسرائيل، نذكر منهم جورج حاوي امين عام الحزب الشيوعي او أنطون سعادة رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي، وصولا الى القيادات المسيحية التي انضوت تحت لواء الحركة الوطنية وغيرها.

 

ثالثا : الخلاصة

 من خلال قراءة سريعة عن مسيحيي لبنان في مقاومة إسرائيل، يتضّح اذا  بأن الرئيس ميشال عون إنتشل  الأكثرية المسيحية من ضفة الحياد والمهادنة مع اسرائيل الى ضفة العداء المطلق معها. ورسّخ في "جيل عون" الناشىء فعل إيمان في الدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله بوجه أي طامع وطامح. وأصبحت المقاومة  عندهم ضد  العدو الإسرائيلي مبنية على دعائم ومرتكزات صلبة،  ولن يستطيع مسيحيو الدرجة الثانية من تغيير المسار الذي رسمه الزعيم المسيحي القوي ميشال عون بعد الآن .

الكاتب

رانيا حتّي كاتبة وباحثة في الشؤون الجيوسياسية

الكاتب:رانيا حتّي

  • للمشاركة