Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

عون والحريري: القتال الروماني

2487
news room February 14,2021

لعبة الأمم

سامي كليب:

لم يكن ثمة شخص أكثر عنادا وتحدّيا لسورية وحزب الله من العماد ميشال عون. كنتُ من بين الإعلاميين الذين عرفناه عن قرب في فرنسا، فما خلا حديثٌ له من طلبٍ لخروج الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح الحزب. ثم إنه كان في طليعة الذين عملوا مع بعض اللوبيات اللبنانية في أميركا لاستصدار قانون :" محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان". 

         حين خرج الجيش السوري من لبنان، اعتبر الجنرال أن سبب خلافه مع دمشق انتهى. تحرّك الوسطاء بين العماد المنفي في فرنسا ودمشق، وتحرّكت وساطات اخرى مع أطراف لبنانية، فحصلت المصالحات. قال عنه الرئيس السوري بشّار الأسد: " العماد عون قاتلنا بشرف وصالحنا بشرف وهو رجل وطني"، ثم انتقلت العلاقة مع الحزب من مرحلة الصدام الى التفاهم الشهير.

         الجنرال الذي أحدث "تسونامي" انتخابي، وجذب الى خطابه كثيرا من المسيحيين وقسما لا بأس به من الطوائف الأخرى، كان على يقين منذ وصوله الى القصر الرئاسي أن معركته ستكون شرسة، وقال أكثر من مرة في الغرف المغلقة، ان ثمة فريقا في لبنان أضطُر للقبول به رئيسا وسيضع كل العصي الممكنة في دواليبه. كان يشير تلميحا أو تصريحا، الى رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، اضافة الى رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع ثم لاحقا الى الرئيس سعد الحريري.

     حين ارتفعت نيران الحرب السورية وصار دخانها يصل الى لبنان، اختار الرئيس محوره، فهو وقف الى جانب الرئيس الأسد، وراح يتابع تطورات الحرب السورية يوميا تقريبا عبر الخرائط العسكرية،  ويتواصل معه مباشرة او عبر مبعوثين، ويستفسر عن كل شاردة وواردة، متمنيا طبعا للجيش السوري ان يربح الحرب لأسباب كثيرة. كان خياره الشخصي أكبر من الاغراءات التي تعرّض لها ليقلب الطاولة.

    موقفه هذا اضافة الى تأييده المقاومة بقيادة حزب الله،  احتلّ موقع العرفان في قلب الحزب من قيادته الى أصغر مقاتل فيه، تماما كما أن عرفانا مماثلا حصل عند القيادة السورية ومؤيديها حين زار دمشق.

 تصرّف ميشال عون في رئاسة الجمهورية من موقع المنتصر، فهو عاند كل ارياح، وصدّ كل النصائح من الخصم والصديق، ومن العرب وأوروبا  الى أميركا الذين جاؤوا يقولون له : " كُن صانع القرار decision maker  بدل ان تكون رئيسا نظرا لصعوبة المرحلة". وحين أجريتُ معه مقابلة في تلك الفترة قال لي حرفيا :" لن أقبل بأن اكون صانع القرار وانما قاتل القرار ان لم أكن رئيساً، وسوف أصبح رئيسا مهما فعلوا او لن يكون رئيس".

 

اليوم يقف ميشال عون العنيد حتى آخر رمق من حياته،  على مفترق 3 تحديّات، أسهلها معقّد ان لم نقل مستعصيا:

·      أولا : هو يخوض معركةً شرسة ضد خصوم شرسين. ويعرف أن هذا يحتاج الى صلابة موقف الحزب بجانبه رغم احراج الحزب. وبحاجة الى أوسع تأييد مسيحي له، فيما الساحة المسيحية مشرذمة.

·     ثانيا: هو يريد إيصال صهره رئيس التيار الوطني جبران باسيل الى رئاسة الجمهورية، لكن كل يوم تتضاءل حظوظ هذا الاحتمال  بسبب الانقسام الداخلي الحاد والضغط الدولي ضد الوزير السابق . فباسيل هو الأبن الذي لم يلده عون، وثمة اختلاط لمشاعر كثيرة حوله في قلبه، أبرزها يتعلق بالأبوة ، وبعضها بالكرامة السياسية والعناد. وبعضها الثالث بانقاذ باسيل في لحظة الغرق.

·     ثالثا: هو يريد انهاء عهده بانجازٍ كبير، وما عاد أمامه سوى انجاز محفوف بالمواجهة والمخاطر لأنه يتعلق بالتدقيق المالي، وبأخطبوط خطير في البلد. لا يستطيع التنازل عن هذه المعركة الأخيرة، لاعتقاده بأنها الوحيدة التي يُمكن ان تُحفر في تاريخ ولايته التي شهدت انهيارات كثيرة من الاقتصاد الى تفجير المرفأ وصولا الى جائحة كورونا.   

الرئيس سعد الحريري، من جانبه،  يجد نفسه في ساحة الملعب الروماني، يحتاج الى قوة جسدية وصلابة ارادة وتأييدٍ للقتال ( لعله حصل على تأييد وتجشيع من جولته الأخيرة الى الخارج) ، بينما المتفرّجون على المدارج كثيرون ومختلفوا المشارب والأهدف والمآرب: بعضهم يُحمّسه كي ينجح في معركته ضد الرئيس وخصوصا ضد حزب الله ، والبعض الآخر كي يسقط هو والرئيس، والبعض الثالث ينتظر من يربح كي يقف الى جانبه.

الرجلان قادران على القتال حتى آخر يوم في عهد الرئيس عون، فسيد بعبدا ليس أمامه ما يخسره، بل أمامه احتمال تصعيد الهجوم في معركة التدقيق المالي، وسعد الحريري  قادرٌ على الانتظار، بفعل العمر والتأييد، خصوصا منذ ذهب الى الخارج العربي والاقليمي والدولي يوسّع دائرة التحرك وهامش المناورة.

   نحن أمام معركة شرسة، سيزداد وطيسها حماوة وخطورة، الرجلان قادران على القتال والتحمّل، لكن خلف مدرّجات الملعب الروماني، ثمة شعب غاضب وجائع وفقير، قد يقتحم المدرّجات ويقلب الطاولة على الجميع.

هذا بالضبط ما يشحذ همم بعض الدول الخارجية، ذلك ان جزءا منها يخشى فوضى يعقبها انتعاش للأصولية والارهاب وحروب صغيرة ونغمات التقسيم، وجزءا آخر له حساباته ومصالحه الاقليمية والدولية، وجزءا قليلا يحب لبنان ويخشى عليه من الضياع النهائي.

علينا انتظار ما ستحمله الأيام المقبلة، لان الاحتمالين الوحيدين القائمين هما: اما دخول وسطاء الداخل بقوة على الخط لازالة العقبات أمام تشكيل الحكومة ( وفي مقدمهم حزب الله) خصوصا ان الرئيس الحريري لم يغلق الباب تماما مع عون وهادن الحزب، واما الاقتراب من مرحلة تُشبه تلك التي عرفها لبنان في عز صدام الرئيس السابق اميل لحود بالرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تلاها من تدخل أميركي-فرنسي سعى لقلب المعادلة فانتهت بكارثة.

الاحتمالات قائما، ذلك ان رفع الضغوط من الطرفين الى هذا المستوى، قد يكون لتحسين شروط التفاوض وليس لاقفال الباب نهائيا، الا اذا كان المطلوب انتحار الجميع.

يستطيع كل طرف تحميل الآخر مسؤلية التعطيل، وما فنّده الرئيس الحريري اليوم، سيرد عليه القصر الرئاسي والتيار بتفنيد آخر حتما في الأيام المقبلة، وستتحرك أطراف داخلية وخارجية لدعم أحد المحورين ولتحميسهم على القتال ، لكن الأكيد أن لبنان في مرحلة خطر شديد، وربما شديد جدا، ومن السذاجة الاعتقاد بأن المرحلة تحتمل ادارة أزمة حتى نهاية العام 2022.

مشكلة القتال الروماني: أنه لا ينتهي ابدا بالتعادل. مرّ من القتال حتى الآن 16 جولة. 

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة