Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

استحالة تطبيق الحياد اللبناني الذي اطلقه البطريرك الراعي

1036
news room October 2,2020

عادل خليفة :

منذ ان طرح البطريرك   اللبناني مار بشاره بطرس   الراعي موضوع الحياد اللبناني وهذا المشروع القديم الجديد يتفاعل في الداخل اللبناني. ففي الماضي كان البعض في لبنان يتداول بفكرة الحياد والإتيان بشرطة دولية   على الحدود مع إسرائيل، لكن هذا الطرح لم يصل الى نتيجة بسبب انقسام اللبنانيين    حوله وسياسة المحاور التي دخل بها انقسمت بينها الأطراف اللبنانية مع العلم ان النظام الرسمي لم يكن يوما الا محايدا.

في العام ١٩٤٣ اتفق اللبنانيون على فكرة لا شرق ولا غرب وفي العام ١٩٥٨اندلعت الحرب بينهم بسبب لعبة المحاور بين محوري بغداد والقاهرة ولم يجتمعوا من جديد الا بعد اعتلاء الرئيس فؤاد شهاب سدة الرئاسة بموافقة عبد الناصر. كذلك الأمر عاد وتفرق اللبنانيون بسبب اتفاق القاهرة والقضية الفلسطينية فاندلعت الحرب الأهلية في العام ١٩٧٥. وفي وقتنا الحالي انقسم اللبنانيون من جديد حيال الحرب في سوريا وموضوع مقاومة إسرائيل مع العلم ان تحرير الأرض يجب ان يكون محل اجماع كل اللبنانيين. وهكذا في كل مرة تدخل   الأطراف اللبنانية في لعبة المحاور، ينقسم اللبنانيون فيما بينهم وتضعف الدولة وتتخلخل وتبقى على الحياد دون حسم اي موضوع. فهل يمكن تحييد لبنان عن الصراعات العربية العربية والصراعات الدولية في المنطقة؟

أولا تعريف الحياد وأنواعه: طرح موضوع الحياد لأول مرة في عصرنا الحديث سنة ١٩٠٧ في مؤتمر لاهاي الثاني الذي أعطى تعريفا للحياد وماهيته وحدد حقوق الدول والتزاماتها ، واقر بانه لا يحق للدول المحايدة التدخل في نزاعات مسلحة او حروب كما ويمنع على الدولة المحايدة مساعدة اي طرف يشارك في هذه الحرب. وعرف الحياد على انه التزام دولة ما بعدم التدخل في الشؤون الدولية وعدم المشاركة في اي حرب او نزاع مسلح وبالتالي تلتزم الدولة موقفا يبقيها على مسافة واحدة من جميع الدول المشاركة في النزاع .بالاضافة لذلك يجب اعتراف الدول بهذا الحياد . فالحياد اذا هو نظام قانوني يحدد حقوق وواجبات الدولة المحايدة ويرعاه القانون الدولي العام والاتفاقيات الدولية. والحياد نوعان دائم ومؤقت: الدائم هو موضوع بحثنا اي الحالة القانونية للدولة التي تلتزم بشكل دائم بعدم اعلان الحرب على احد وتكون منظمة باتفاقيات دولية وهي رغبة دائمة من الدولة بإعلان حيادها.

ثانيا حقوق وواجبات الدولة المحايدة: على الدولة المحايدة ان تلتزم بمجموعة من الواجبات كما ان القانون يعطيها بعض الحقوق ومنها ، حصانة أراضيها وسيادتها الدائمة عليها ، وحريتها في إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية مع الدول الأخرى والمتحاربة حتى بالتساوي، اما واجباتها فتتلخص بالتالي: لا تستطيع اي دولة محايدة تقديم اي مساعدة لأي من الدول المتحاربة، وعلى الدولة ان تتخذ موقفا محايدا يتلخص بعدم الانحياز لأي طرف ومعاملة الأطراف بالمثل وبالتساوي. كحياد سويسرا وفنلندا والسويد وغيرها معترف به دوليا. هنا لا بد من القول ان تجارب الحربين العالميتين اثبتت ان المتغيرات الدولية تضرب احيانا الحياد حيث لا تأبه الدول المتحاربة بالحياد احيانا.

ثالثا تطبيق الحياد في الحالة اللبنانية: منذ نشأة الكيان اللبناني سنة ١٩٤٣ولعبة المحاور تقض مضاجع اللبنانيين. وسياسة الاستقواء بالخارج سلاح اللبنانيين الوحيد ليغلب طرف الطرف الآخر او لحماية نفسه من أخيه اللبناني، لذلك ارتبطت الحياة السياسية في لبنان بعوامل خارجية، إقليمية ودولية مؤثرة في تحديد مسارات الوضع اللبناني الداخلي. هذا ما حصل في ثورة سنة ١٩٥٨كما ذكرنا سابقا والتي عكست صراعا بين المعسكرين الغربي والشرقي والتي لم تنته الا بتوافق اميركي مع الزعيم العربي جمال عبد الناصر والذي اوصل فؤاد شهاب الى سدة الرئاسة. لم يتعظ اللبنانيون من الأحداث التي سبقت بل على العكس زاد الانقسام مع دخول العامل الفلسطيني كمحرك للازمة الداخلية، وخاصة بعد توقيع اتفاق القاهرة سنة ١٩٦٩بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية والذي أعطى بموجبه فتح لأند في الجنوب اللبناني للفلسطينيين لمقاتلة إسرائيل .

ربط لبنان بذلك مصيره بمصير القضية الفلسطينية ودخلنا في الصراع العربي الاسرائيلي. وصلنا الى الحرب الأهلية ١٩٧٥حيث استقوى فريق من اللبنانين بالسلاح الفلسطيني وجزء اخر بإسرائيل. لم تنته الحرب الا بالتوقيع على اتفاق الطائف وبتوافق اميركي سوري سعودي. استغلت إسرائيل ضعف الدولة اللبنانية فاجتاحت لبنان مرتين وبقيت في الحزام الأمني حتى عام ألفين عندما أخرجتها المقاومة الإسلامية مهزومة والتي كانت ولدت كردة فعل على الاجتياح الاسرائيلي للبنان مدعومة من ايران وسوريا 

بعد انتصار المقاومة في حرب تموز ٢٠٠٦وانتصار محور الممانعة في سوريا عاد اللبنانيون ودخلوا في لعبة المحاور وأصبحت المقاومة نفسها  محط انقسام اللبنانيين ودخل لبنان مجددا في لعبة المحاور بين محور الروسي الإيراني السوريي والمحور الاميركي وبعض دول الاعتدال العربي حسب التسمية الدارجة.

هكذا يتبين ان التسويات في لبنان ما هي الا نوع من الهدنة المؤقتة والتي ستولد انفجارا جديدا بانتظار تسوية جديدة وهكذا في كل مرة يواجه لبنان أزمة نظام كالتي نمر بها حاليا يطرح موضوع الحياد. ماذا يقول البطريرك الراعي المؤيد للحياد؟ يقول ان لبنان لا يمكنه الا ان يكون حياديا وان لا يدخل في تحالفات لا غربية ولا شرقية ويشدد على انه " عندما اتفقوا في الميثاق غير المكتوب كان القرار ان يكون لبنان حياديا، ولا يمكننا ان نحيا الا هكذا وإلا فسيتجه الماروني الى فرنسا والسني الى السعودية والشيعي الى ايران او النجف"  لذلك يستطرد ويقول ان لبنان كان محايدا وسيبقى وذلك في ظل وجود دولة قوية كما في الستينات من القرن الماضي.

فهل يمكن تطبيق الحياد في ظل الظروف التي ذكرناها، بالإضافة الى ما قاله البطريرك الراعي ؟

من اجل تطبيق الحياد لا بد من توافر الشروط التالية:

١-توافق اللبنانين على الحياد بما يشكل اجماعا ووحدة وطنيةوالتي هي الأساس وهذا ما لم يحصل حتى الأن في ظل الانقسام الحاد وخاصة على القضايا المصيرية.

٢-موافقة دول الجوار اذ ان موقع لبنان الجغرافي يحتم التزام سوريا وإسرائيل بحياده وهذا ما لن يحصل في ظل وجود ٥٠٠ الف فلسطيني على الأراضي اللبنانية ومليونين سوري مع حرب سورية مفتوحة انتصر فيها محور المقاومة المعادي للمحور الاميركي.

٣-انسحاب لبنان من الجامعة العربية ومن كل الاتفاقيات التي تناقض حياده.

٤-هل ستسمح الدول الكبرى المتصارعة في المنطقة بحياد لبنان وهو الإسفنجة التي تمتص التوترات والحروب وأصبح مسرحا لحروب الآخرين .

٥-تعديل دستوري وهل يتم في ظل انقسام اللبنانيين الحاد.

٦-موافقة الامم المتحدة وهذا ايضا لن يحصل في ظل التجاذبات الدولية وسياسة المحاور

٧-انسحاب إسرائيل من كل الاراضي اللبنانية المحتلة والحفاظ على سيادة لبنان في بناء جيش قوي يحمي الحياد ويدافع عن الوطن.

خلاصة ان مؤيدي الحياد لهم تبريراتهم ورافضوه  ايضا مع العلم انه لا حياد في مواجهة إسرائيل في المرحلة الحالية فبالاضافة الى إمكانيات لبنان العسكرية الضعيفة والحظر المفروض على تسليح الجيش كذلك نظامه الطائفي الهش وصعوبة الحصول على الضمانات الدولية والإقليمية المطلوبة، يصبح نظام الحياد صعب المنال ولا يمكن تطبيقه في المرحلة الحالية.

الكاتب

البروفسور عادل خليفة كاتب واستاذ جامعي

الكاتب:عادل خليفة

  • للمشاركة