Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

اشتهاء انثى لقلقٍ زائد

733
news room December 24,2020

رنا سليمان 

أن يشتهي انسان القلق، قد تبدو حالة غير منطقية في عالم يضج بالتوتر ، ويشكل  القلق وجبته الصباحية والمسائية، لكنها ستبدو طبيعية حين تشتهيه أنثى، وترغب في عيشه استجابة لغريزة خلقت معها أو سلوك اكتستبته وارتبط بوجودها كامرأة عبر التاريخ.

لابد أن القلق هو مذهب الأمهات جميعاً، أو على الأقل غالبيتهن العظمى.  يرافقهن   منذ اللحظات الأولى لغزو هذا المخلوق "خفيّ المعالم" أجسادهن، لاسيما إن كانت هذه تجربتهن الأولى، فيبدأن بالاحساس بالمسؤولية عن حمايته والخوف عليه، وهو لايزال نطفة في أحشائهن، ويتزايد هذا القلق ويتعاظم عند حدوث الانفصال الأول: الولادة.

رغم متاعب الحمل، ومصاعب التربية والعناية بالأبناء فيما بعد، لا تتوقف الأمهات عن اعتبار هذا الكائن _ الانسان، مهما كَبُر، شأنَها الخاص ومسؤوليتَها الأولى ومصدر قَلقِها المحببّ الأول، وإن بدرجات متفاوتة بين الأمهات.

تعبرّ إحدى الفتيات عن رغبتها بالأمومة :"أشتهي أن يشغل كائن نبت كالزرع في رحمي، كل تفكيري، فأراقب حركاته وسكناته، ثم أفكر كيف سأعرفه إلى هذا العالم، وأعلمه الأبجدية، ثم أقلق إن غاب مع رفاقه أو ارتفعت حرارته أو اشتكى، وفيما بعد، عندما يكبر سأفكر  كيف ابتعد عني وصار له عالمه الخاص؟ وإلى أين؟ وسأحوطه، رغماً عني، بأسئلتي التي لاتنتهي، وسأخفي الكثير من قلقي، إن قدرت على ذلك".

قدمت الحضارة الحديثة للأم جميع وسائل "تخفيف" القلق، منذ اللحظات الأولى لولادة الطفل، وحتى سفره بعيداً عنها إذ أصبح شاباً، فهي تستطيع اليوم رؤيته والاطمئنان على أحواله حتى ولو باعدت بينهم آلاف الأميال، ورغم ذلك فالقلق "حقٌّ" لاتتنازل عنه الأمهات بسهولة، بل ويعتبرنه واجباً تفرضه الأمومة ويشكل جزءاً من كينونة المرأة، التي تحب بطبعها معرفة التفاصيل.

بالنسبة للأبناء، يشكلّ هذا القلق عبئاً في مرحلة ما، فيتذمرون من هذه الأم التي تلاحقهم ولو من بعيد، لكنهم ورغم ذلك يقرّون بأن غياب هذا القلق يفقدهم الشعور بالأمان، "أن تقلق أمي فهذا طبيعي، أما أن تغير عادتها فهذا سيثير قلقي أنا"، هذا ما يقوله شاب ثلاثيني يقطن بعيداً عن أهله، معترفاً بأنه لايكف عن نَهرِ  والدته حينما تقلق أكثر من اللازم، وتلّح في معرفة كل شيء".

في هذه العلاقة الجميلة المعقدة، علاقة الأم بأولادها، يبدو القلق امتيازاً تحلم به بعض الفتيات العازبات، من اللواتي لم يجربن بَعدُ هذا الإحساس، وتحرمهن مجتمعاتهن من تجربته إلا في إطار الزواج، وهنا تكمن المعضلة.

ما بين أسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية، تزداد معدلات النساء العازبات في بلدان الوطن العربي عموماً، ما يعني حرمان عدد كبير منهن من تجربة الأمومة وقلقها المُشتهى، وهو ما قد يدفع بالكثيرات إلى التنازل عن مطالبَ وشروط وربما أحلام بنينها، في سبيل إضافة رصيد من القلق إلى حياتهن.

في سوريا، ساهمت الحرب وتراجع الأوضاع الاقتصادية لمعظم أبناء البلد، وسط غلاء أسعار العقارات وارتفاع تكاليف الحياة، في عزوف فئة كبيرة من الشباب عن الزواج، أو تأجيله، ما يعني حرمان فئة عمرية معينة من الإناث من فرص الإنجاب أو تراجع هذه الفرصة بيولوجياً نتيجة التقدم بالسن، وإلى جانب هذا، يشهد المجتمع السوري تبدلاً اجتماعياً ثقافياً يتمثل في تغيرّ النظرة إلى مؤسسة الزواج، لاسيما في المدن، حيث لم يعد أولوية في حياة المرأة التي أصبحت تسير مع الرجل على نفس السكة وبنفس الوتيرة، ما يجعل التنازل بالنسبة إليهن صعباً، فإذا لم يكن الرجل _ الشريك، من مستوى معرفيّ مقارب، ولم يكن على استعداد لتقاسم الواجبات المنزلية، مع احترامه حق الأنثى في بناء حياتها وشخصيتها خارج إطار هذه المؤسسة، فالاستغناء عن هذه التجربة برُّمتها صار خيار الكثيرات، فتراجعت الرغبة بالإنجاب إلى ماخلف الرغبة في تحقيق الذات، مادام لاسبيل إلى تحقيقها إلا بالزواج.

في نهاية عام 2019 أشارت إحصائيات إلى حلول لبنان في المرتبة الأولى كأعلى نسبة عُنوسة في الوطن العربي، وبلغت النسبة في سوريا والعراق ما يقارب ال70%، فيما تفاوتت النسب في بقية الدول العربية، وجاء أدناها في البحرين بنسة 25%، تجمعهم أسباب متقاربة.

"كلّما عبرت عن عدم رغبتي بالزواج أو تأجيله على الأقل، يبادرني من حولي بالسؤال: ألا ترغبين في أن تكوني أمّاً؟.. نعم أرغب"، بهذا تجيب "سونيا"، محامية ثلاثينية من سوريا، وتضيف "أرغب في الزواج والإنجاب كواحدة من التجارب التي أريد أن أعيشها كالدراسة والعمل والسفر وأشياء أخرى، وليس لأنها فرض لاتكتمل أنوثتي دونه".

إن اشتهاء الأنثى لهذا القلق، لاينطبق على جميع النساء بطبيعة الحال، وتعالت خلال السنوات الأخيرة الأصوات التي تقول بأن الأمومة ليست غريزة كباقي الغرائز كالطعام والشراب وغيرها، وليكون السلوك غريزيًّا يجب أنْ يكون قبل كلّ شيء تلقائيًا، لا يمكن مقاومته أو مقاومة حدوثه، وأنْ ينشأ استجابةً لشيءٍ ما في البيئة ويحدث في مرحلةٍ معينة من مراحل التطوّر دون أنْ يحتاج إلى تدريبٍ أو أن يكون قابلًا للتعديل والتدخلّات الخارجية.

لكنها "سلوك" مكتسب تتعلمه الأنثى بمرور الزمن، كما تؤكد الكاتبة الأمريكية "سارة هردي" في كتابها ( الطبيعة الأم: غريزة الأمومة وكيف تشكل الأنواع البشرية)، كما أنها صورة نمطية للأنثى، دفعت الحركات النسوية إلى السعي للفصل بين مفهومي المرأة والأم بوصفهما مفهومين متناقضين، وترى النسوية الأمريكية "شولاميث فاريستون" بأنّ :المرأة لن تتحرر من النظام الأبوي حتى يتمّ تحريرها من عبودية الإنجاب.

كثير من النساء قد تتزوجن دون أن تنجبن، والمسألة تتجاوز تنميط المرأة بصورة الأم، لكنها تتعلق بقدرة المرأة على اختيار ما ترغب أن تكون في المجتمع الذي تعيش فيه، فلا ينتقصها أحد إن لم تصبح أماً، مهما كان سبب ذلك، ولاتحرمها ظروف لاعلاقة لها بها من خوض تجربة ترغب فيها، بأن تضيف قلقاً من نوع خاص إلى رأس قائمة حياتها اليومية.

الكاتب

رنا سليمان- دمشق

الكاتب:رنا سليمان

  • للمشاركة