Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

عشقٌ في زمن الحرب الدمشقية

1064
news room March 6,2021

رحاب زيدان

أوجعتنا حروبنا اليومية والقهر اليومي فهربنا الى الحروب الحقيقة نحاول معرفة واقعها ومآلاتها.

كنا في لحظة مفصلية من الحرب في الغوطة الشرقية. كان في عيون العسكريين على الحاجز ألف سؤال، وفي عيني المسؤول عن ختم التصريح لدخولنا الى دمشق   مليون سؤال وشك. كانت الشكوك طبيعية وسط جحافل الناس الهاربين من مكان الى أماكن أكثر أمنا. او هكذا اعتقدوا.  

 كانت نظرات الاستغرب تنتشر من حولي، تماما كما تفوح رائحة الموت من كل مكان. كيف لا يشكّون بي وأنا هاربة من مكان آمن الى مستنقع الحرب.  لم يستوعبوا على الأرجح أنه جنون الشباب يقودني الى حيث الموت عند كل مفترق وشارع وتحت كل مبنى وبيت. لكن ما همّي، فهي فرصتي في أن اكون شاهدة على مأساة بلادي وأن اصبح اعلامية أو ...شهيدة .  

 لم افكر بشيء سوى باخبار المعركة، حاولت استدراج السائق الى الحديث وسرقة بعض المعلومات منه فهو ابن المدينة ويعيش الحرب منذ بدايتها .ارتاب  السائق مني ومن أسئلتي وإكتفى بقول كلمة واحدة :"الله يفرجها "، وكأني به يتمنى نزولي عند أول محطة.

وصلنا الى مدينة الحرب آنذاك: " الشام". كانت  الطرقات خالية من سكانها. وكل شيء يُشبه سكون الموت. صدمني الهدوء ،فأنا الباحثة عن سبق صحفي، اريد اصوات رصاص واشتباكات وأشياء تُشبه الحرب. لم أقطع كل هذه المسافة لكي أجد الهدوء، فهذا كان حيث كنت. وهربت من حيث كنت، لأني لا أطيق السكون حتى لو وفّر لي الأمن. الحياة لا تستقيم مع السكون، انها حركة دائما وسعي دائم حتى لو كان السعي صوب الموت.   

يبدو أن ثمة من سمع رغبتي ، او ان رغباتي توافقت مع توقيته. فما هي الا ساعات قليلة حتّى تحوّل الهدوء الى قنابل تضيء السماء وسيارات اسعاف تنهب الشوارع نهبا وتوقظ  بذُعر من غرق في نومه . كيف لا يدب الذعر وعدد الشهداء فاق عدد ساعات النهار ودقائقه؟

لا أدري لماذا اجتاحتني قصيدة نزار قبّاني في تلك اللحظة القتالية الخطيرة. لا أعرف تماما هل فرحتُ بالحرب كي أحصل على السبق الصحفي أم قلقت على دمشقنا الغالية على قلوبنا.

"هذه دمشقُ وهذي الكأسُ والرّاحُ/ إني أحب وبعض الحب ذباحُ

 أنا الدمشقي لو شرحتم جسدي/ لسال منهُ عناقيدٌ وتفاحُ.."  

لم أكن أعرف دمشق تماما، قرّرت أن أتعرف عليها باسوأ لحظاتها، فمن يحبّ، عليه أن يرى المحبوب في كل أحواله، وأن يبدأ بأسوأ الأحوال كي يفاجئه الجمال لاحقا وليس العكس. دمشق في خاطري هي مدينة الحب والعشق، وموئل الحضارات العريقة. لكني اليوم أريدها ساحة للحرب، أريد أن افرغ كل حقدي على من يقتلها بكتابة افضل المقالات عنها. هكذا فكّرت. أما في قرارة نفسي فكنت راغبة باكتشاف سحر مدينة التاريخ، حتى تحت القصف وفي ظل أشباح الموت والظلام. 

سبعة ابواب تختصر حضارت انسانية كثيرة. هي الأبواب العائدة الى القرن الأول ميلادي، سُميّت هكذا تيمنا بالكواكب السبعة: الشمس تشرق من باب شرقي ويسكن القمر في باب الجنبق وتولد الزهرة على باب توما ويسافر العاشق الى المريخ من الباب الصغير ويتوحد عطارد والمشتري بين باب الفراديس وباب الجابية.ويبقى سوق الحمدية مقصد كل فقير قبل الغني .

في دمشق يسرح الحجاج من باب الاموي ، ويصادفون الرهبان والمصلّين أو السياح عند كنيسة القديس جرجس، هكذا كانت وهكذا ستبقى مهد الأديان وملتقى الحضارات وأرض التلاقح الانساني والديني.

وفي دمشق يمرح  العشاق  في عبورهم الأبواب السبعة، هذا يلتقط صورة وذاك يحفر اسمه واسم حبيبته على الحجر العتيق. أما أنا فقد كنت وحدي ألاحق الحرب، وأخشى أن احبها، فالسجين قد يحبّ سجّانه وفق متلازمة ستوكهولم. لكني لن أكون سجينة، سأطير بعقلي ومقالاتي فوق المدافع والرصاص وأكتب المدينة كما أحب، وأكون شاهدة على ما تتعرض له ، أو شهيدة على أرضها.

 لكن أنّى لي أن أجد سقفا يقيني برد الشتاء وحرّ الصيف وقذيفة طائشة. فأنا غامرت الى هنا لأن العشق قادني الى حيث يرقد العاشق الصوفي أبن عربي، والى حيث جاء الثائر الجزائري الكبير الشيخ عبد القادر. لكن المدينة ما عادت قادرة على استيعاب الهاربين اليها، وماذا يهم الهاربون من صحفية مبتدئة؟ ومن أين سأجد أيجار غرفة متواضعة، والأسعار التهبت؟  سرعان ما تحولت الى مشرّدة أو نازحة أنام حين تُفتح القلوب  لي في منازل الأصدقاء ثم أهيم في الشوارع خشية مزيد من ازعاجهم. بقيت هكذا حتى وجدت شيئا يليق بالسكن المتواضع في جرمانا المجاورة لدمشق. كان المسكن المتواضع حلمي حتى ولو أن لا شيء فيه يُشبه الأحلام. سعيت لخلق عالمي الخاص بي وأجعله أجمل العوالم.

اصوات المعارك تتصاعد واخبار النصر تُبث من الإعلام الرسمي. أعداد الشهداء تتزاد. القلوب تحترق قهرا وحزنا. لكن الحب أيضا ينثر بعض رحيقه في أوقات الحروب، فتجد نفسك فجأة بين رفاق لم تكن تعرف عنهم شيئا قبل أسابيع، فصرت تتقاسم وأياهم هموم الايام الطويلة والمثيرة والمخيفة والجميلة واسئلة المصير والقلق. وصرت دون أن تدري شاهدا على قصص حب تولد لتُخجِل الحرب.

فاطمة وعلاء كانا اجمل صور العشق  .كنت اهرب من هموم حياتي الى قصتهما فأجد الامل الذي يدفعني للحياة والبحث عن حبيب يشبه علاء برجولته وطموحه ويسرق بعض الفرح عن وجه فاطمة ليزرعه في قلبي ويشرق في وجهي .( ساعود الى هذه القصة في مقال قريب)

لعل اكثر ما تعلمته من تلك الايام ان الناس يبحثون عن الحب ويخافون وجعه ويرومون الاحلام ويخشون خيبتها ويأملون بالغد ويرتعدون من غموضه، ولذلك فهم يموتون متفرّجين على أعمارهم التي تمر دون أن يملكوا القدرة على التغيير.   

شاءت ظروف الحياة أن اهجر دمشق وكل سورية في لحظة الحرب وضبابية المشهد واختفاء الأمل. لم أرد مغادرتها، لكن ظروفي الخاصة كانت أقوى من رغبتي بالبقاء، فصرتُ أشاهدها من بعيد، اسمع كل ليلة صوت الرصاص وأبواق سيارت الاسعاف، وسقوط القذائف، واسمع خلفها ضحكات فاطمة وعلاء، لا أدرى هل كنا نضحك على الحرب أم على الحياة أم على أنفسنا، لكننا حتما كنّا وما زلنا ندرك أن ضحكاتنا تلك كانت نوعا آخر من الدموع وشكل آخر من الحزن.

الكاتب

رحاب زيدان إعلامية متدرّبة في موقع خمس نجوم

الكاتب:رحاب زيدان

  • للمشاركة