Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

أنا وسيّدي الرّئيس...

1123
news room January 21,2021

 حدثَ في يوم ربيعيّ مشمس...

إنّها المرّة الأولى الّتي أشعر فيها بالتّفاؤل منذ سنوات. نبّهني سيدي مساء البارحة، أنّ عليّ الحضور في صباح اليوم التّالي أي اليوم، وأنا على أتمّ الاستعداد، وفي منتهى اليقظة، لأنّ حالة طوارئ قصوى تستدعي وجودي في مكتبه باكراً. ثمّ أخبرني، من بعد خروجه من مكتبي والعودة إليه مجدّداً، بأنّه سيكلّفني بمهمة حسّاسة للغاية، وشدّد على كلمة "حسّاسة"، ولفظها غيرَ مرّة بطريقة مواربة، حتّى شعرت بشيءٍ من خجل لم أدرِ مبعثه.

لم أفهم سرّ حماستي الشّديدة وقلقي غير المتوقّع منذ حلّ الّليل عليّ،  فحقيقة كوني موظّفاً قديماً في المكتب، أدّت إلى ولادة حقيقة مواربة مفادها أنّ أمراً ما في الحياة، لم يعد  يستطيعُ إثارتي. ربّما يكمن سرّ ذلك، أقول ربّما في الملل الّذي بات يسكن دقائق حياتي وساعاتها، حيث أهدر جلَّ هذه السّاعات ملتصقاً بالكرسي الجلديّ الوثير، لا أنجزُ شيئاً غير حلّ الكلمات المتقاطعة، أو الرّد على الرّسائل المحتشدة عبر الواتسآب الخاصّ بي. برّرت سبب تحفّزي لنفسي على هذه الشّاكلة.

منذ توليت مهام إدارة هذا المكتب المرتبط  مباشرة بالوزارة، كثر أصدقائي أو طالبو صداقتي بشكل مرعب. فعلى الرّغم من قلّة مباهاتي بالأمر، إلاّ أنّ هذه الواقعة قد تسرّبت، عبر لسان أحد الأصدقاء القادرين، وكان ما كان. وما كان يعني أنّ كلّ من يسكن في منطقتنا، وفي قضائنا، وفي عاصمتنا، وربّما في بلدنا كلّه، صارَ يعرف أنّي المسؤول الشّخصيّ عن مكتب هذا المدير أي سيّدي الّذي أحبّه بلا حدود.
أحبُّ سيدي جدّاً، حبّاً عشقيّاً أحياناً، ثابتاً ومكيناً في أعماقي. فأنا معجب للغاية بحكمته، وبصمته الطّويل السّاهم، لاسيّما عندما يتحّدث إليه مسؤول أدنى منه رتبة ومقاماً، أو عندما يزوره بعض المُشتكين في شأنٍ من شؤون الوزارة، أوعندما يستقبل بعض المُوفدين الأجانب إليه، ترسلهم الوزارة للتّباحث معه في بعض الأمور. ألاحظ بإعجاب فائق كيف يكتفي عند الاستقبال، بهذا الصّمت الكثيف الموحي.

فهو بعد الإصغاء الدّقيق إلى زائره، يلتفت بكلّيته- لاحظوا الاحترام-  إلى سوزي السّكرتيرة المولجة بمهمّة التّرجمة الرّسميّة، والّتي لا تكاد تفارق غرفته، ليشير إليها بسبّابته. تقترب منه، مختزلةً المسافة القصيرة، وهي مسافة لا تتسع لجالسٍ بينهما، يسرّ في أذنها اليسرى بضعَ كلمات، هي تجلس دائماً إلى يساره، فتنطلق سوزي بعد ثانية فقط مغرّدة بالإنكليزيّة أو بالفرنسيّة، وأحياناً بلغاتٍ أخرى غريبة يصعب، على عقلي الصّغير، إدراكَ أسرارها.

أستغرب مُعجَباً كيف يتفوّه سيّدي بعباراتٍ قصيرة مشدودة حازمة، لتتحوّل على لسان سوزي إلى عباراتٍ ممطوطة، وابتسامات ماحقة، ونظرات عميقة موحية ترسلها إلى الموفَد المحترم.

أعرف تماماً، بحكم الخبرة الطّويلة الّتي أنفقتها في مكتبنا، أعيد في أثنائها ترتيب الملفّات الكثيرة المكدّسة، من دون أن أتلقى الأوامر يوماً بفتحها، نوعية الزّائر الكريم الّذي سنستقبله. هل هو بضاعة وطنيّة أو أنّه قادم من الخارج السّعيد؟ وهذا الخارج كلّما كان باردَ الطّقس ماطرَه، صار استقبالنا له أكثر حفاوة وشاعريّة. ملابسُ سوزي هي قرون اسشعاري في هذا المقام، فاحتشامها، أو عدمه بطاقة تعريف بهويّة الوافد العتيد.

اليوم أربعاء، ولهذا النّهار المشمس نكهتُه المميّزة في نفس رئيسنا كما أخبرني يوماً. كلُّ الأحداث السّعيدة عرفها في "أربعات" حياته.

مسألة التزامي الدّقيق بمواعيدي حيويّة للغاية، لذلك حرصت على الوصول إلى المكتب قبل وصول سعادته بنصف ساعة. أشرفت بعناية على  تنظيف كلّ ما وقع تحت ناظري. لا بدَّ أنّ مديرنا إنسان ذكي جدّاً، قلت في نفسي، وأنا أراقب  كلّ الكتب المهيبة المكدّسة على جدران مكتبه. حملها إليه عندما تمّ تعيينه مديراً. كان قد مضى على وجودي في المبنى العريق سنة واحدة ليس إلاّ.

 قرأت عناوين بعض الكتب، وهززت رأسي. كلّها علوم رفيعة؛ علوم يستحيل على جماعة الموظفين في دائرتنا، أن يحلُموا  بالاقتراب منها، فهي بالفرنسيّة، أو بالإنجليزية، وبعضُ أغلفتها تحمل رسماً لحروف صينيّة أو يابانيّة، لست متأكّداً طبعاً، لكنّها تشبه تلك المرسومة على الأكياس البلاستيكيّة الّتي تغلّف ملابسي القطنيّة الدّاخليّة المبتاعة حديثاً، ترفعها زوجتي أمام ناظريْ متباهية بأنّها اشترتها لي، لكونها ملابس ماركة بمعنى أنّها نتاج "صناعة خارجيّة"، متحدية بشرائها ارتفاعَ الأسعار، وتوحّش كورونا، وإقفال المحالّ، وغضبة أصحابها.

أثرثر كالعادة،  فلأعد إلى موضوعنا، نعم، أؤكّد بشرفي وبشرف كلّ أجدادي أنّ النّظر إلى وجه مديرنا، يجعلك تعتقد أنّه قرأ هذه الكتب المعروضة كلّها. هناك تدفّق من عظَمةٍ ما تلمحه، بمجرد النّظر إلى عتمات عينيه، سيثبت لك هذا الاعتقاد .

إذا صودف أن جلستم معنا في مكتبنا في يوم ما، أعني لو جلستم نهاراً طويلاً عريضاً فستلاحظون معي أنّني لا أسمع منه كلمة واحدة نافلة في حديثه أبداً. فبعد انتهائي من الإشراف على أعمال تنظيف المكتب، أقدّم إليه أوراقاً حملها ساعي البريد عند السّاعة العاشرة تماماً، فيسألني برقة: كيف الجوّ في الخارج يا فلان؟ أجيبه بالرّقة عينها : حارّ، يا صاحب السّعادة. وعندما يُقبل الشتاء علينا برياحه وبرعوده، أسارعُ إلى الإجابة عن السّؤال عينه: هو باردٌ للغاية، يا صاحب السعادة.

لا يعلّق ولا يبتسم، يكتفي بهزّ رأسه هزّة واحدة فقط. إنّه رجل دولة بكلّ معنى الكلمة.

قضيت نهاري متوتّراً، تدركون طبعاً سبب ذلك، فعشرة أعوام أنفقتها، من دون أن يكلفني رئيسي بمهمة واحدة، كفيلة بجعلي غاية في الانشغال والتّحفّز حيال التّكليف المتوقّع.

 وأخيراً، أخيراً جدّاً حلّت السّاعة الخامسة، بعد أن أجبت على مئات رسائل الواتسآب، أنفقت معظمها في مغازلة صبيّتين لطيفتين، تعرّفت بهما خلال المظاهرات الّتي تلاحقت في العام الماضي. أيّ متعة جنيتها في أيّام الحراك حينذاك؟ كدت أنسى الفرح والنّشوة الّلذين سكناني مدّة، جرّاء مشاركاتي الحيويّة في مسارات تلك الجموع الغاضبة.

الآن ستستغربون وتتساءلون في أنفسكم، كيف يصدف أنّي مسؤول مكتب مدير كبير في الدّولة، وأتظاهر ضدّ الدّولة في الوقت عينه؟ معكم حقّ طبعاً، لكنّ الإجابة بسيطة للغاية، ويمكنني اختصارها وفق الشّكل التّالي: مديري الّلطيف المتفهّم هو من كان يحثّني على المشاركة. نعم، نعم، عليكم أن تصدّقوا هذا الأمر، وأن تؤمنوا بديمقراطيّة هذا الرّجل، وبسموّه الجمّ. كذلك تجب إضافة معلومة صغيرة في هذا السّياق، مفادها أن سيدي ورئيسي يتقن لغته الوطنيّة بالإضافة إلى اتقانه لغات العالم، وهو أمر اكتشفته في بدايات الحراك، عندما طلب منّي بحرارةٍ، فعلَ المشاركة مُضيفاً، باهتياج، قلّ أن عاينته في شخصه الكريم:

-       يجب أن تكون مشاركتك فعّالة وبنّاءة.

-       وكيف تكون فعّالة يا سيدي الرّئيس؟

-       ارفع شعاراً، اكتب يافطة، حاذرِ النّزولَ إلى الشّارع خالي الوفاض، لن يكون ذلك لائقاً أبداً.

عندما لاحظ الوجومَ الماحقَ على وجهي، حدث الأمر الّذي أربكني حقّاً، فقد استلّ قلمه المذهّب الّلماع، وكتب بسرعة مذهلة أبياتاً لشاعر أخبرني أنّه تونسيّ في اسمه كلمة أطفال، أولاد. ما اسمه يا صبيّ، ما اسمه؟ نعم، نعم، تذكّرت الآن اسمه "أولاد أحمد". اجتهدت بإخلاص طوال الّليل، حتّى تمكّنت من حفظ تلك الأبيات الجميلة الّتي أبدعها؛ اجتهدت لدرجة أنّها تنهال على دماغي الآن بسهولة، وسأسمعكم إيّاها كي تؤمنوا إيماني الثّابت بوطنيّة هذا الرّجل النّبيل الّذي يدير شؤون حياتي، وحياة الكثير من العباد، في هذه البلاد.

 "نحبّ البلاد"
نحبُّ البلاد /كما لا يحبّ/ البلادَ أحدْ
نحجّ إليها/ مع المفردين/ عندَ الصباحِ
وبعد المساء/ ويوم الأحدْ

ولو قتلونا/ كما قتلونا
ولو شرّدونا/ كما شرّدونا
ولو أبعدونا/ لبرك الغماد
لعُدنا غزاةً/ لهذا البلد     

أنا أنتقل بكم من مسألة إلى أخرى مثرثراً، لا بأس فالانتظار عبء ثقيل صدّقوني، وأنا امتلأت سأماً، ولكن مهلاً ، الحمدلله، أخيراً، أخيراً انفتح باب غرفة سيدي المدير، وأطلّ من خلفه بقامته المديدة المهيبة.

 اقترب منّي بهدوء وباحترام، فلم أتحرّك، ولم أبدِ انزعاجي من ساعات الانتظار الطّويل الّتي أنفقتها. بدا لي أنّه سيتحدّث، فأحنيت رأسي احتراماً. لا أنظر إليه في العادة إطلاقاً، التّحديق في عيون الآخرين غير مشكور صدّقوني. طالت انحناءة رأسي، ولم أسمع صوت سيدي. رفعت وجهي قليلاً، فخيّل إليّ أنّه مرتبك إلى حدٍّ ما. قلت أستحثّه بأدب :

-       أوامرك سيدنا.

ولمّا لم أسمع إجابة، عاودت النّظر إلى وجهه بثقة هذه المرّة. الرّجل منزعج فعلاً، عليّ أن أشجعه إذاً:

-       سيدنا أنت تعرف أنّ دمي فداء حذائك الّلمّاع هذا، اطلب منّي ولا تتردّد، أيّ أمر ستطلبه سيتحقّق بإذنه تعالى، كن واثقاً بي، وامنحني فرصة إثبات إخلاصي، وإيماني الّلامحدودين بك.

سررت من نفسي، من بعد هذه الخطبة التّشجيعيّة القصيرة، فكلّنا بشرٌ نحتاج تشجيعاً في نهاية الأمر.  ظهر لي الرّجل مرتاحاً، إذ باشر الكلام بتعثّر غير معتاد منه سابقاً، لكنّه ما لبث أن تجاوزه، من بعد ما أحنيت رأسي مجدّداً، لترتفع أذناي كبديل مؤشّرعلى دهشتي، بحيث شعرت ببلوغهما سقف الغرفة القائم فوقنا.

سيّدي الرّئيس يطلب منّي، بعد تردّد استغرق منه ساعات نهاره كلّها، أن أراقب بإخلاص امرأة، فتاةً، بنت هوى، لا فرق فكلّهنّ نساء (بنات---)؛ أن أراقبها عن كثب، وبلا هوادة، لأنّها كما قال بارتباك، وبتحفّظ: " معشوقته، لا بل معبودته".

 الرّجل يشكّ، مجرّد شكّ يؤرقه مفقداً إيّاه صفاءه، ومقدرته على التّركيز، وعلى حسن الإنجاز أنّ في حياة الصّبية رجلاً آخر سواه، لا ليس رجلاً، شابّاً، صبيّاً ... غير محترم مثله طبعاً.

 لذا يتوجّب عليّ، أنا العبد المسكين قطع هذا الشّك  المستجدّ باليقين. اختصرَ بسرعة المطلوب منّي، والمتمثّل في معرفة حيثيات تحرّكاتها، في النّهار، وإذا اقتضى الأمر فبالّليل. وعليَّ ألاّ أعبأ بمهام الوظيفة الرّسميّة إن وُجدتْ، فهو سيخفي مسألة تغيبيّ لضرورات المهمّة الحسّاسة والوطنيّة في آن، وسيكون لي عنده بدل أتعابٍ يغدقه عليّ مخصّصاتٍ، وربّما إذا تمكّنت من تقديم ملفّ مدروس ودقيق، ومنظّم، كما أكّد، سيطالب المسؤولين بترقية لي، أكون قد نلتها بجدارتي هذه المرّة. لذلك لا يحسنُ بي الشّكّ لحظةً في أنّي أقدّم بمهمّتي هذه، خدمة جلّى إلى الوطن، فعندما يرتاح سيدي الرّئيس، ويصفو ذهنه بعد زوال "تشوّشه"، وانقضاء شكوكه، سترتفع نسبة إنتاجيّته، ما ينعكس حُكماً على إنتاجية الوطن بأسره.

سأقولها بصراحة ناصعة لكم: لقد انصرفت من مكتب سيّدي سعيداً سعادة لن أتمكّن من وصفها لحضراتكم أبداً. فقد كانت المرّة الأولى الّتي شعرتُ فيها بحاجة سيّدي ووطنه إليّ. أحسست فجأة أنّي صرت إنساناً مفيداً، كائناً حيّاً له طول وعرض وامتداد، كائناً يحتلّ حيّزاً، ولو موارباً في هذا الوجود!

------------------------------

اللوحة المرفقة: السّوريالي البلجيكي الغامض رينيه ماجريت

 

                                                          

الكاتب

هدى عيد كاتبة وأديبة واستاذة جامعية

الكاتب:هدى عيد

  • للمشاركة