Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

أن تكون عشرينيا في القرن ٢١

891
news room April 10,2020

أن تكون في عشرينيات العمر في بداية العشرية الثالثة من القرن 21 في الوطن العربي، فحتما أنت عشت أحداثا وتجارب كثيرة سيئة جدا وأخرى لطيفة، ومررت بأيام وشهور وسنوات عصيبة وكئيبة وأخرى جميلة ومميزة، عشت المتناقضات جلها تقريبا، في وقت متسارع، قياسي، وكأن الزمن يتسارع مع نفسه، والدقائق تتسابق مع الساعات والأيام تركض لتصبح سنوات وتقفز فوق الشهور.

إن كنت في فلسطين فلا شك أنك نجوت سابقا من رصاص الاحتلال وبقيت قيد الحياة، لتقاوم آخر نظام عنصري مصيره الزوال، وإن كنت في سورية فأنت تعيش حربا على أرضك بدأت بمطالب الحرية والديمقراطية وانتهت بالنار والرصاص والتطرف والإرهاب بكل تلويناته وقتلت البشر والحجر والشجر، حرب لم تنته بعد فمرحلة مابعد النار هي رسم الخرائط بالدماء المسالة والمصالح الدولية المريبة وأنت لا تعلم أين موقعك في خريطة تحولت إلى رقعة شطرنج عالمية لا يفوز فيه أحد، وهدفك هو الحياة سواء داخل البلد أو خارجه، وقلب العروبة النابض تُعول عليك لتنبض مجددا ، وإن كنت في لبنان فكأنك ترسم مستقبلك داخل نفق مظلم في أفقه بقعة ضوء لاتدري متى ستصل إليها، شاركت في الحراك لتغيير لبنان "الطائف" رأسا على عقب، نجوت من حرب تموز ومن أحداث كثيرة وأثبتت مكانتك وسط سوق "أمراء الاقتصاد والسياسة والدين والطائفية" ، والأمل معلق بين يديك لإنقاذ البلد وبناء أسسه والحفاظ عليه، وبوصلة المستقبل تحددها أنت، وفي العراق كذلك، مهد الحضارات الذي ينتظرك  لتبني حضارته مجددا بعقلك وثقافتك وفكرك.

 ربما في الخليج قد تكون حياتك هادئة ووردية بعض الشيء قد تحقق الأحلام والكماليات وتعيش في هناء رغم أن المنطقة أصبحت على شفا حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل لا أحد يريدها ، أما في اليمن فأنت تقاتل أعداء تعرفهم وآخرين لا تعرفهم، تقاتل الجوع والظلم والقهر والحصار، وإن كنت في مصر، فحياتك على المحك بين منظومتين تتلاعبان بمصير البلد بأكمله، عشت ثورتين متتابعتين، الأولى قضت على نظام "أسطوري" والثانية مضادة أعادته بحلة جديدة متطورة، أنهكتا اقتصاد البلد فقط، وأنت تقاوم لأجل لقمة عيش آمنة محايدة لا هي إخوانية ولا هي عسكرية، وفي ليبيا بوابة المغرب الكبير، عشت لحظة نهاية نظام القذافي وأملك أن تعيش الحرية المبتغاة، فكان الثمن مصالح أكبر مما توقعت، أفرزت حكومتين تتصارعان على الموانئ النفطية والغاز واحدة في الشرق وأخرى في الغرب ومصلحتك ربما في مهب الريح، وكأنه قدر على كل الدول والمدن أن تكون منقسمة إلى شرقية وغربية كبيروت وبرلين في زمن عابر وحلب في الأمس القريب، لكن المصير النهائي لكل انقسام هو الوحدة والسلام. أما في تونس، تحفونة العرب فقد استطعت أن ترسم صورة جميلة للتعايش والحرية والديمقراطية رغم محاولات إغراق البلد في أتون الدمار والتطرف والضغوط الاقتصادية التي تصعب بناء المستقبل المنشود، وفي الجزائر تحديت كل الحواجز وقفزت فوق الخوف والاستبداد لتقول كفى لطبقة استبدت بالبلد ببخيراته وثرواته، أما في المغرب فأنت في بلد شكل استثناء بكل المقاييس، لم تعش ما عاشه الآخرون من حرب وحظر تجوال وتهديد  والشوارع المقفرة والمحلات المغلقة وتلك الأجواء، إلى أن جاء زمن الكورونا الذي بدأ قبل أسابيع، ها أنت تعيش بعضا منها بعد أن كنت تتابعها في الفضائيات وتدعو أن تنتهي في كل البلدان، في زمن الكورونا العدو غير مرئي والهدوء يملأ الأماكن، في الأرض وفي السماء وفي كل العالم، انقلبت مسارات الحياة رأسا على عقب وعلى حين غفلة من الجميع.

رغم كل السواد المذكور يبقى الأمل حاضرا بقوة، فالغيوم المظلمة هي التي تسقط الغيث لتسقي الأرض والحرث وتغسل القلب والروح وتنبت الزهور والورود وتخضر الحقول والجبال ويستمر خرير المياه ومعه الفرح والمحبة والهناء، وإذ جعل الله الليل المظلم سباتا فإن النهار معاشا، نعيشه بالإيمان والحب والأمل، والصبح دوما يتنفس ، ونفس العشرينيات في العمر هو الأطول وكل يوم يتجدد.

الكاتب

ايمن المرابط- الرباط- المملكة المغربية

الكاتب:أيمن المرابط-الرباط

  • للمشاركة