Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

عن أي انفصاليين اسلاميين تحدث ماكرون ولماذا؟

456
news room October 5,2020

أثار خطاب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي ألقاه في الجمعة ٢ تشرينالاول/ اكتوبر الكثير من الجدل. حيث تحدث فيه عن النزعة الانفصاليةالاسلامية في فرنسا معلنا أنها لاتتوافق مع قوانين الجمهورية الفرنسية قائلا: " لدينا مشكلة مع من باسم الدين يريدون الانفصال عن الجمهورية ولا يريدوناحترام القوانين"

هذه ليست المرة الاولى التي يتطرق فيها الرئيس الفرنسي إلى هذا الموضوعففي عام ٢٠١٨ أعلن أن: " هناك قراءة متطرفة وعدائية للإسلام والتي تهدفالى التشكيك في نظامنا وقوانيننا كدولة حرة ومجتمع حر كونهما لا يلتزمانبالقوانين الدينية". 

 

قبل أن ندخل في حيثيات الخطاب أود أن أعود قليلا الى ما يعنيه بعبارة قوانينالجمهورية في هذه النقطة.

أعلنت الجمهورية الفرنسية في قانون عام ١٩٠٥ أنها دولة علمانية، وتضمن هذا القانون فصل الكنيسة عن الدولة على ان تضمن الدولة حرية العبادة بما لايخل بالنظام العام. 

هذه النقطة مهمة كي نفهم ما يليها. ولنعد الآن الى الخطاب: 

 

·    اختار ماكرون مدينة ليه مورو لالقاء خطابه على نحو مقصود، فهذه المدينة التي تبعد أربعين كيلومتراً عن العاصمة  تعتبر نموذجاً ناجحاً في العيشالمشترك ومكافحة التطرف الإسلامي.    

·    جاء الخطاب في سياق خاص؛ بعد أسبوع على حادث الاعتداء بالقرب منالمكان القديم لمجلة شارلي ايبدو التي تعرضت لهجوم في  ٢٠١٥  من قبل متطرفين إسلاميين بريعة نشرها صورا مسيئة للرسول. مع العلم أنمحاكمة من قاموا باعتداءات ٢٠١٥ بدأت في مطلع شهر أيلول/ سبتمبر.

·    جاء الخطاب أيضا قبل ٨ا شهرا من الانتخابات الرئاسية.  جاء كذلك بعد  اعتداءات متفرقة على بعض الفتيات اعتراضا على لباسهن "المنافيللحشمة".

استهل الرئيس الفرنسي خطابه بالتأكيد أن المقصود فقط هو الاسلام المتطرفوأنه من الخطأ إدانة كل المسلمين. معتبرا أن الدين الاسلامي يعيش حاليا أزمةكبيرة لها آثارها على المجتمع الفرنسي. وهو حدد بالضبط من يعتبرهمبالحركات المتطرفة مسميا الوهابيين والسلفيين وأخيرا الاخوان المسلمين.

تضمن خطاب ماكرون استراتيجية للحد من التطرف الاسلامي متمثلةبالخطوات التالية:

أولاً: إلزام موظفي مؤسسات الدولة بالحياد الديني.

ثانياً: الحد من انتشار ظاهرة التعليم في المنازل واقتصارها على اسباب تتعلقبالحالة الصحية. 

ثالثاً: وضع حد لاستقدام أئمة المساجد من خارج فرنسا وتشكيل الائمة على الأراضي الفرنسية.

رابعاً: على كل جمعية تتلقى المساعدات من الدولة أن توقع على عقد ينص علىاحترام قيم الجمهورية الفرنسية ممثلةً بميثاق العلمانية. وتشديد المراقبة علىتمويل الجمعيات وعملها مع توسيع الصلاحيات لإغلاق بعضها. 

خامساً: العمل على بناء اسلام فرنسي يكون شريكاً للجمهورية، يتمثل قيمهاوينصهر ضمن علمانيتها بعيدا عن كل التدخلات الاجنبية سواء من ناحيةالتمويل أو تشكيل الأئمة والجمعيات .

سادساً: العمل على توفير فرص المساواة ومحاربة العنصرية التي يتعرض لهاالمسلمون.

 

سابعا:  الدولة ستعمل على إنشاء المعهد العلمي للإسلام . وسيتم وضع مشروعقانون يعرض على مجلس الوزراء في التاسع من شهر كانون الأول/ ديسمبرليرفع فيما بعد الى الجمعية الوطنية للتصويت.

 

أثار الخطاب الكثير من ردود الأفعال المتباينة عند الاحزاب الفرنسية والمراجعالاسلامية. 

فمن ناحية المسلمين،سارع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالرد على ما جاءفيه بقوله: " إن المستقبل لدين الإسلام ونحن في خوف عل مستقبل المجتمعاتالتي تجعل من أديان الآخرين ومقدساتهم أهدافا مشروعة". 

أما رئيس المجلس الفرنسي للإسلام فقد أبدى تأييده لخطاب ماكرون وما تضمنهمع التشديد على عدم استهداف المسلمين وتحميلهم مسؤولية عمل أقلية منهم.

أما من جهة الاحزاب السياسية الفرنسية فإن أبرزها كانت ردود فعل الأحزاباليمينية واليسارية حيث اعتبرت الاولى بأن استراتيجية ماكرون ليست كافيةوخصوصا بأنه حسب وجهة نظرها هناك أحياء قد خرجت عن السيطرة.

اما الثانية فقد انتقدت خطاب الرئيس الفرنسي لكونه ركز فقط على الاسلامالمتطرف دون التطرق الى غيره. 

 

وقد أثير في اطار هذا الجدل، بين مؤيد ومعارض لماكرون، أسئلة عديدة ومنها:  ألم تكن سياسة فرنسا وغيرها من الدول الاوروبية في مرحلة ما مسؤولة عن التطرفعلى نحو مباشر او غير مباشر  بسبب الدعم الذي قدمته لبعضالمجموعات المتطرفة في مناطق النزاع مثل سورية وليبيا؟ ثم الم تُخرّج السجون الفرنسية أيضا متطرفين، ما كانوا كذلك قبل دخولهم السجن؟ أوليست الاحياء والضواحي التي تحوّلت الى غيتوهات تضم مسلمين عرب وافارقة سببا في النزعات الانغلاقية. ولماذا فشلت كل الخطط الرسمية حتى الآن في التخفيف من التطرف، رغم ان ما يقوله ماكرون عن أئمة إسلاميين يُنتجون في فرنسا ولا يأتون من الخارج ليس أمرا جديدا، وكذلك ما قاله عن منع التمويل الخارجي.  

ولعل السؤال الأبرز:  هل جاء خطاب ماكرون في هذا الوقت فعلا لخطورةالموقف والصحوة الجمهورية في وجه النزعات الاسلامية الانفصالية أملاستحقاقات انتخابية، وبسبب الصراع مع تركيا وما قد يخلفه بين المسلمين الأوروبيين المؤيدن لاردوغان، كما جاء  في محاولة من ماكرون  لاستقطابأصوات لطالما نجح اليمين المتطرف بجذبها قبل اليوم؟  

 

في كل الأحوال، يجب الاعتراف بان ارتفاع عدد المسلمين في أوروبا، وظهور طبقة متعلمة وقادرة على المنافسة والوصول الى اعلى مناصب الدولة، بدا يطرح مشكلة ديمغرافية فعلية في الاتحاد الأوروبي، كما ان المتطرفين والإرهابيين الإسلاميين، شوهوا فعلا صورة الإسلام وجعلوا كل فرنسي لا بل كل غير فرنسي مقيم على الأراضي الفرنسية يشعر بالقلق، فكيف بالفرنسي العادي؟ 

 

 

 

الكاتب

د. نجاح زيدان باحثة بالشؤون السياسية واستاذة محاضرة في جامعات ليون- فرنسا

الكاتب:نجاح زيدان- فرنسا

  • للمشاركة