Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

أميركا وإيران عائدتان الى التفاوض..ولكن.

1920
news room April 8,2021

 مفيد الديك

يوم الثلاثاء الماضي كان يوما مهما للعلاقات الأميركية الإيرانية. فقد اتفقت الولايات المتحدة وإيران عبر وسطاء مجموعة 5 + 1 في فيينا على تشكيل مجموعتي عمل لمحاولة إعادة البلدين إلى الامتثال للاتفاق النووي المبرم بين إيران والولايات المتحدة في العام 2015. جدير بالذكر أن دونالد ترمب كان ألغى الاتفاق النووي الأميركي الإيراني الذي وُقع في العام 2015 في عهد إدارة أوباما، في مايو العام 2018، لتدخل العلاقات الأميركية الإيرانية بعدها مرحلة من التجميد العميق، إلى أن جاء الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض في يناير الماضي.

دعوني أعترف منذ البداية أن قرار ترامب الخروج من الاتفاق النووي الأميركي الإيراني في بداية عهده لم يكن مبنيا على المصلحة القومية الأميركية، بل على مصلحته الشخصية ليس إلا. كان ذلك الرجل الغريب الأطوار الذي وصل إلى سدة حكم أقوى دولة في  العالم في غفلة من الزمن يريد من قراره ذاك أن يرضي طرفين في الشرق الأوسط – إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وبعض دول الخليج، وفي الداخل الأميركي كان يريد أن يعود ذلك عليه برضى الإنجيليين المسيحيين المؤيدين لإسرائيل في الولايات المتحدة، وذلك لأغراض انتخابية ومالية بحتة. لكن كل ذلك، ولحسن الحظ، لم يساعده كثيرا في انتخابات نهاية العام الماضي، إذ هُزم ترامب بوضوح وجاء إلى الحكم منافسه الديمقراطي جو بايدن، الذي أعلن منذ بدء حملته الانتخابية في العام الماضي أن الخروج من الاتفاق النووي مع إيران كان خطأ فادحا وأن ذلك القرار قرّب إيران من الوصول إلى إنتاج قنبلة نووية ولم يجبرها على العودة إلى الاتفاق النووي صاغرة، كما كان يتوقع ويرنو ويروج ترمب.

إضافة إلى الأسباب السابقة، كان الخروج من الاتفاق النووي مع إيران في عهد ترامب جزءا من حملة الأخير ضد خصمه اللدود، باراك أوباما، حيث خرج ترمب أو ألغى غالبية الاتفاقات التي كانت إدارة أوباما قد وقعت عليها، ومنها اتفاقية باريس للمناخ واتفاقية نافتا الاقتصادية لأميركا الشمالية، واتفاقية كوريا الجنوبية الاقتصادية، فضلا عن انسحابه من مجلس حقوق الإنسان وفي الأشهر الأخيرة من إدارته من منظمة الصحة العالمية. هذه كلها ترهات ترمب خلال أربع سنواته العجاف في البيت الأبيض.

الآن، ومنذ وصول الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض، ألغى الرئيس الديمقراطي الكم الأعظم من إجراءات ترمب التي اتخذها في سنواته الأربع، وأعلن مرارا عن نيته العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، مؤكدا أن ذلك الاتفاق يخدم الأمن القومي الأميركي. وعين بايدن مبعوثا خاصا للبيت الأبيض لدى إيران، وهو روب مالي، المسؤول الأميركي السابق والمخضرم في شؤون الشرق الأوسط، الذي عمل مع إدارة أوباما على الملف الإيراني وكان رئيسا للجنة الأزمات الدولية على مدى السنوات الأربع الماضية.

يتساءل كثيرون  الآن ، إذا كان هذا هو الحال، فلماذا لم تعد إدارة بايدن إلى الاتفاق مع إيران فورا وبدون شروط؟

هو سؤال مهم وجدير بالبحث والنقاش. بداية، الرئيس بايدن،  ينوي فعلا العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني لقناعته بأن قرار ترامب الانسحاب من ذلك الاتفاق قد قرب إيران من الوصول إلى مرحلة إنتاج الأسلحة النووية ولم يمنع إيران من مواصلة سياساتها التي تعتبرها واشنطن – وربما بعض دول المنطقة – عدائية. ولكن بايدن يريد أيضا أن يوسع هذا الاتفاق مع إيران. علينا أن نتذكر أن العالم قد تغير خلال الأربع سنوات الماضية من عهد ترمب. وإضافة إلى ذلك، دعونا نعترف أن مسلك إيران قد زاد عدائية في السنوات الأربع الماضية، على الأقل من وجهة نظر أعداء إيران في المنطقة والعالم. صحيح أن طهران دفعت ثمنا باهظا في السنوات الأربع الماضية بسبب إعادة فرض ترمب عقوبات جارفة عليها في السنوات الأربع الماضي، وهي عقوبات مدمرة للاقتصاد والمجتمع الإيراني، ولكنها صمدت وواصلت سياساتها السابقة التوصيف. تذكروا، مثلا، دورها المتنامي في دعم جماعة الحوثي في اليمن.

تذكروا أن تعهد الرئيس بايدن بعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق مع إيران يعني إزالة 1600 أو نحو ذلك من العقوبات المفروضة على إيران بعد انسحاب ترامب من الاتفاق، بعضها يعود للاتفاق النووي وبعضها لا علاقة له بذلك. ودعونا نتذكر أيضا أن إيران بدأت في العام 2019 في انتهاك حدود التخصيب المنصوص عليها في ذلك الاتفاق. ويقدر المسؤولون الأميركيون الآن أن "وقت الاختراق" الإيراني – أي الوقت اللازم لتجميع ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لصنع سلاح نووي - قد انخفض إلى بضعة أشهر.

يقول المسؤولون الإيرانيون إنهم يستطيعون العودة إلى الامتثال للاتفاق بسرعة إلى حد ما، لكنهم يصرون على أنهم يريدون أن ترفع الولايات المتحدة العقوبات عن بلادهم أولاً. وفي المقابل، تريد واشنطن أن تعود إيران إلى الامتثال أولاً.

تهدف مجموعات العمل الجديدة التي تم الاتفاق على تشكيلها الثلاثاء الماضي في فيينا إلى إنشاء خارطة طريق لعودة متزامنة لكلا البلدين إلى الامتثال. ولكن حتى لو كان هناك اتفاق، فإن التحقق سيستغرق بعض الوقت بالنظر إلى التعقيدات الفنية وغياب الثقة من كلا الجانبين.

على سبيل المثال، سترغب الشركات التي تريد التعامل مع إيران، والتي تضررت بشدة عندما أعاد ترامب فرض العقوبات الأميركية على إيران، أن تتأكد من أن الإدارة الأميركية الجديدة لن تعيد فرض العقوبات كما فعل ترامب بسهولة استثنائية. وترغب إيران في رؤية فوائد اقتصادية، وليس مجرد وعد بها، وستريد الولايات المتحدة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تضمن عودة إيران إلى الامتثال وعدم الغش، كما فعلت في الماضي.

وفضلا عن رغبة واشنطن الأكيدة في عودة إيران إلى الالتزام بحدود التخصيب لليورانيوم وغيره من موادها النووية وأمور أخرى خاصة ببرنامج إيران النووي وكلها منصوص عليها بالتفصيل الممل في الاتفاق، تريد الولايات المتحدة تحقيق التالي من مفاوضاتها الحالية مع إيران:

·       إقناع إيران بالتفاوض بشأن مهلة أطول للاتفاق؛

·       إطلاق المزيد من المحادثات حول ضبط برنامج إيران الصاروخي؛

·       مناقشة دعم إيران لحلفائها والميليشيات الشيعية عبر المنطقة، بما في ذلك في سوريا والعراق ولبنان واليمن.

إيران من جهتها، تريد أمرين من الولايات المتحدة:

أولا، رفع العقوبات الأميركية والدولية عنها التي كانت رُفعت في العام 2015 بعد توقيع الاتفاق وأعاد فرضها ترمب في العام 2018. وهذه العقوبات مدمرة، كما قلت، للاقتصاد والمجتمع والدولة الإيرانية. السبب في ذلك هو أنه حين تفرض الولايات المتحدة عقوبات على بلد ما، فإن العقوبات تصبح دولية تلقائيا، وهو ما حصل مع إيران. فبعد أن أعادت إدارة ترمب عقوباتها على إيران، انسحبت غالبية الشركات الأوروبية والروسية وغيرها من مشاريع كانت قد تعاقدت عليها مع إيران مع دخول تنفيذ الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران.

وثانيا، تريد أن تتأكد أنها إذا وقعت اتفاقا ثانيا مع الولايات المتحدة، فإن الإدارة الجديدة ستقوم بما عليها لكي تحول دون أن تقوم إدارة أميركية جديدة بعد بايدن بالانسحاب من هذا الاتفاق دون عقاب.

الأكيد بالنسبة إلي هو أن كلا الطرفين، الولايات المتحدة وإيران، يريدان العودة إلى الالتزام باتفاق العام 2015 لأن هنالك مصالح مهمة لهما في هذه العودة. ما يجري بينهما منذ وصول الرئيس بايدن إلى الحكم قبل أكثر قليلا من شهرين هو ليس أكثر مما يمكن تسميته بـ "مفاوضات ما قبل المفاوضات" حاليا. الهدف من هذه المفاوضات هو أن كل طرف يحاول أن يحسن من أوراقه التفاوضية قبل أن يجلسا وجها لوجه لوضع الصيغة النهائية لاتفاق يعيد الطرفين إلى الامتثال لاتفاق 2015. والأكيد أيضا أنهما سيتوصلان إلى اتفاق بهذا الخصوص، وقريبا جدا، وربما قبل انتخابات إيران في يونيو المقبل.

الكاتب

مفيد الديك إعلامي، ودبلوماسي أميركي سابق .

الكاتب:مفيد الديك

  • للمشاركة