Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

أميركا لن تنهار لكنها ستنظر إلى نفسها في المرآة

3567
news room June 2,2020

 

مفيد الديك

----------

الاحتجاجات التي تتخللها أعمال العنف التي تجتاح عشرات المدن في أكثر من 30 ولاية أميركية خلال الأيام القليلة الماضية على خلفية مقتل المواطن الأسود جورج فلويد في ولاية مينيسوتا هي جزء من مأساة تاريخ السود في أميركا الذي بدأ منذ بدء استجلاب الرقيق السود إلى أميركا قبل 400 عام. تجربة السود نفسها في أميركا هي فصول مأساوية متواصلة التكشف منذ البداية، وستظل جزءا من تجربة معاناة إنسانية يندى لها الجبين العالمي، والأميركي على وجه التحديد. فمن الطريقة التي عاملت بها الغالبية البيضاء هذه الأقلية التي استُحضر أسلافها كرقيق من أفريقيا بطريقة مهينة جدا مع بداية تأسيس الجمهورية الأميركية الوليدة حينئذ إلى تحرير العبيد على يد الرئيس أبراهام لنكولن في العام 1862، إلى حركة الحقوق المدنية في أواسط القرن الماضي، هي كلها فصول مأساوية، مؤلمة، وهي مذكّر قوي بما يمكن أن يقوم به الإنسان لأخيه الإنسان، فقط لأنه يختلف عنه في اللون أو الدين أو الجنسية وما إلى ذلك. لكن الاضطرابات الحالية في أميركا لن تؤدي إلى تدمير أميركا، كما يحلم البعض في هذه المنطقة لعدم فهمهم حقيقة أميركا، بل هي ستدفع بأميركا إلى النظر إلى نفسها في المرآة، كما فعلت مرار وتكرار في الماضي، وإن بصورة أشد تركيزا هذه المرة. الديمقراطية عمل متواصل لا ينتهي.

ورغم أن هذه الاحتجاجات بدأت على خلفية موت فلويد تحت قدمي شرطي أبيض، إلا أنها بدأت تتخذ شكلا آخر في الأيام الثلاثة الماضية لتصبح حركة احتجاج سياسي متعدد الأعراق ضد دونالد ترمب وسياساته وتصريحاته ومواقفه المناهضة ليس للسود فقط، بل ولكل من هم غير بيض، بمن في ذلك المتحدرون من أصول لاتينية (الهسبانيك) والآسيويين والمسلمين وأقليات وعرقيات كثيرة غيرهم.

وما يحدث اليوم في أميركا وتصرفات بعض رجال الشرطة البيض فيها يذكرني بالتوصيف الدقيق للراحل إدوارد سعيد لمسلك جنود الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 حين أمر رئيس وزراء إسرائيل حينئذ أسحاق رابين جنوده بتكسير أيدي الفلسطينيين الذين يلقون الحجارة عليهم. وقال إدوارد حينها "إن ما يفعله الإسرائيليون ضد أبناء شعبي  هو ما يحاول كل مضطهد فعله ضد من يضهدهم، تجريدهم أولا من إنسانيتهم (dehumanizing)، ثم قتلهم بدم بارد لأنهم لا يكونوا بشرا في عينيه."  

ولكن المؤلم في هذه الاحتجاجات، التي تشارك فيها جماهير غفيرة من البيض في العديد من المدن الأميركية، والتي أدت حتى إعداد هذا المقال إلى مقتل ما لا يقل عن خمسة من المتظاهرين وإصابة عدد من رجال الشرطة بجراح، فضلا عن تدمير وتخريب مئات المحال التجارية ومخافر الشرطة الأميركية، ستؤدي إلى أكثر من مجرد قتل بضعة أشخاص وتدمير مئات المحال التجارية. للأسف، فهذه الأعمال ستؤدي إلى تدمير عشرات السنين من العمل الجاد والجهود الدؤوبة المخلصة التي قام بها بيض وسود في أميركا على مدى أجيال لتصحيح خطأ تاريخي ارتكبه البيض ضد هذه الأقلية، وإعادة عجلة علاقات السود بالبيض في أميركا إلى الوراء ربما بعشرات السنين.

لنكن واضحين منذ البداية، فأميركا كانت مهيأة للانفجار حتى قبل مقتل جورج فلويد على يد شرطة مينيابوليس قبل أكثر من أسبوع. فالمعاناة المركبة التي تعيشها الولايات المتحدة منذ بداية العام بسبب جائحة كورونا -- 40 مليون شخص فقدوا وظائفهم في البلاد، ما يمثل ربع القوى العاملة في الولايات المتحدة - و 100,000 شخص فقدوا حياتهم خلال جائحة كورونا وما يقرب من مليونين أصيبوا بالفيروس منذ بداية العام، كل ذلك كان خلفية مناسبة تهيء المشهد لأي شرارة تنطلق فتشعل الحريق الهائل. فقد أدت جائحة كورونا التي عصفت بالعالم منذ بداية العام، وبأميركا بشكل خاص، إلى تضخيم الانقسام الاقتصادي والعرقي في الولايات المتحدة، حيث أصيب الأمريكيون السود بشكل غير متناسب من قبل كل من الفيروس نفسه والتداعيات الاقتصادية التي ضربت أميركا منذ بداية هذه الجائحة.

دعوني أؤكد من البداية أنني رغم تفهمي الكامل للاحتجاجات التي تواجهها أميركا حاليا للتعبير عن الظلم وانعدام العدالة، فإني ضد استعمال العنف بكل صوره وأشكاله لتحقيق أهداف سياسية. أود أن أذكر قرائي الأعزاء أن الذي حرر السود في جنوب أفريقيا من حكم الأقلية البيضاء القمعي، القاهر والبغيض لم يكن العنف المسلح الذي استخدمه أفراد المؤتمر الوطني الأفريقي بقدر ما كانت السلمية والحصافة والرجولة والحكمة التي تحلى بها الزعيم الجنوب أفريقي الراحل العظيم نيلسون مانديلا، الذي ربما كان أعظم قائد عرفناه في القرن العشرين. غير أن المشجع في كل هذا المشهد المأساوي، والعنيف بصورة تثير الإحباط في أميركا اليوم هو أمران: الأول، أن القادة التاريخيين للسود في أميركا، وفي مقدمهم الرئيس أوباما، يتصرفون كرجال دولة وكقادة تاريخيين ويصدرون البيانات الحصيفة التي تدعو إلى الثورة السلمية وتفادي العنف ما أمكن. وثانيا، أن هناك الكثير من البيض الذي يقفون كتفا إلى كتف مع إخوتهم السود للاحتجاج على الظلم الرهيب الذي لحق بجورج فلويد، الذي بات الرمز الذي يجسد معاناة تجربة السود في أميركا منذ 400 سنة. فصورة هذا الرجل الأبيض ببسطاره الأسود داعسا على رقبة فلويد الأسود إلى أن فارق الحياة هي صورة تعشعش في عقول وقلوب الأميركيين السود منذ مئات السنين وهم ينقلونها من جيل إلى جيل، ولربما لن يتخلص منها الأسود لمئات السنين القادمة.

فقد قال الرئيس أوباما إن "موجات الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد الآن تمثل تعبيرا عن إحباط حقيقي ومشروع" يشعر به السود على مدى عقود من الفشل في إصلاح ممارسات الشرطة ونظام العدالة الجنائية الأوسع في الولايات المتحدة." وأثنى الرئيس السابق على "الغالبية العظمى من المشاركين في المظاهرات الذي اتسموا بالسلمية والشجاعة والمسؤولية والإلهام"، مضيفا أن هؤلاء "يستحقون احترامنا ودعمنا، وليس الإدانة - وهو أمر فهمته الشرطة في مدن عبر أميركا."

ولكنه من ناحية أخرى، شجب العنف من الأقلية الصغيرة التي تندس في هذه الاحتجاجات، قائلا: "إن الأقلية الصغيرة من الناس الذين لجأوا إلى العنف بأشكال مختلفة، سواء كان ذلك بسبب الغضب الحقيقي أو لمجرد الانتهازية، يعرضون الأبرياء للخطر، مما يضاعف من تدمير الأحياء التي غالبًا ما تفتقر بالفعل إلى الخدمات والاستثمار ويضعف من القضية الأكبر. لذا، دعونا لا نبرر العنف أو نجد له عذرا أو نشارك فيه. إذا أردنا أن يعمل نظام العدالة الجنائية لدينا، والمجتمع الأميركي بشكل عام، وفقًا لقانون أخلاقي أعلى، فعلينا أن نمثل نحن ذاك النموذج الذي نريده ونحلم أن نراه في أميركا."

وهكذا كان الحال مع رؤساء أميركيين سابقين، وكلهم بيض من كارتر إلى بوش وصولا إلى كلينتون. وهكذا كان موقف زعماء الحقوق المدنية السود التاريخيين، وهو حال غالبية الزعماء الديمقراطيين المنتخبين من بيض وسود في الولايات المتحدة. هذه هي القيادة الحقيقية وهؤلاء هم رجال الدولة الذين يبنون أميركا ويحاولون دمل الجراح ودفع أميركا إلى أن تصبح دولة أفضل، ودولة ديمقراطية أفضل، ودولة متعددة الأعراق والأديان أفضل، دولة يعامل فيها الجميع تحت القانون بمساواة وعدل. هذه هي أميركا التي أعرفها وعشت فيها وترعرعت فيها.

الآن لنقارن ذلك مع مواقف دونالد ترمب، الذي يحتل مقعد الرئاسة في الولايات المتحدة منذ ثلاث سنوات ونصف، لم يحاول فيها يوما واحدا أن يكون رئيسا لكل الأميركيين. هذا الرجل أخفق في ذلك منذ البداية، وهو ظل رجلا صغيرا، شخصانيا، انتهازيا، نرجسيا، وجاهلا يعتقد أن العالم كله يدور حوله. كل شيء بالنسبة إلى هذا الرجل محسوب بدقة بمقاييس الربح والخسارة، لا المال فقط، بل وربح أو خسارة الانتخابات. كل ما يسعى إليه هذا الجالس في البيت الأبيض الذي يعبث بهذه المؤسسة القوية وأدواتها وكأنه طفل لم يتجاوز الرابعة من عمره وقد اشترى له أهله لعبة في العيد لم يكن يحلم أبدا بأنه سيمتلكها يوما، هو أن يعاد انتخابه، وبأي ثمن. هذا الرجل لم ولن يتعلم ألف باء ما يعنيه أن يكون رئيسا لأقوى دولة على وجه الأرض وأغناها. هذا الرجل، ومنذ البداية، ظل يعتبر نفسه لا رئيسا لأميركا كما فعل كل سابقيه، بل هو يعتبر نفسه رئيسا لمجموعة من الأميركيين فقط الذين يتشاركون معه ذات منظومته القيمية العنصرية، الانعزالية، الكارهة لكل من يختلف عنهم لونا وثقافة ودينا وتوجها سياسيا. ولكن أميركا التي أعرفها ليست كذلك وهي سائرة في طريق أن تصبح دولة متعددة الأعراق رغم أنف من يقفون أمام هذا التيار... هذا هو منطق التاريخ.

فمع تصاعد الاحتجاجات في جميع أنحاء الولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، أثار ترمب الانقسام، بدل الوحدة، وركز على فتح الجروح بدل دملها، وصب الوقود على النيران بدلاً من السعي لإخمادها. حين حاصره المتظاهرون من البيض والسود في البيت الأبيض بواشنطن في وقت سابق من يوم السبت، كل ما خطر على بال هذا الرجل هو أن يكتب تغريدة على وسيلته الإعلامية المفضلة، تويتر، مفادها "أن رجال الخدمة السرية مجهزون بـ "الكلاب الشريرة" و "الأسلحة المشؤومة" التي يمكنهم استخدامها ضد المتظاهرين. وقال في تغريدة أخرى على تويتر اضطر تويتر إلى الإشارة إليها للجمهور بأنها قد تكون تنطوي على تحريض على العنف قال فيها "عندما يبدأ النهب، يبدأ إطلاق النار." وهو هدد أكثر من مرة بأنه سيستدعي القوات النظامية الأميركية لإعادة فرض النظام، في سابقة لم تحدث في أميركا منذ تمرير ما يسمى بقانون "الانتفاضة" في العام 1807 الذي يسمح للرئيس بطلب استخدام القوات الأميركية داخل أميركا لإخماد انتفاضة ضد الحكومة في ولاية معينة، ولكن بعد طلب الحاكم منه ذلك. عدا ذلك، فأنا المهاجر لأميركا أعرف أن الدستور الأميركي لا يسمح باستخدام القوات العسكرية الأميركية داخل أميركا. أما هذا الجالس في البيت الأبيض فقد لا يعرف ذلك، أو أنه قد يعرف ولكنه يريد أن يظهر لمجموعة مؤيديه أنه "الرجل القوي الجبار!"

دعوني أختم بكلمات بليغة معبرة للمرشح الديمقراطي بايدن في خطابه للأمة الأميركية صباح الثلاثاء: إن بلادنا تصرخ من أجل القيادة. القيادة التي توحدنا، القيادة التي تجمعنا. القيادة التي يمكنها تقدير الألم والحزن مع المجتمعات التي ركبت على رقبتها لفترة طويلة ".

وقال بايدن: "نحتاج إلى التمييز بين إضفاء الشرعية على الاحتجاج السلمي والدمار العنيف الانتهازي".

كما انتقد بايدن ترمب لأمره بتفريق المتظاهرين السلميين خارج البيت الأبيض مساء الاثنين قبل حظر التجول في المدينة لإفساح المجال أمام فرصة لالتقاط الصور له أمام كنيسة عبر الشارع وهو يحمل الكتاب المقدس، في رسالة موجهة فقط لمؤيديه من المتدينين، مع أن الكثير من المتدينين الأميركيين انتقدوه انتقادا لاذعا على تلك الصورة الفجة.

وقال بايدن: "عندما يتم تفريق المتظاهرين السلميين بأمر من الرئيس، من عتبة منزل الشعب، أي البيت الأبيض - باستخدام الغاز المسيل للدموع والقنابل اليدوية - من أجل التقاط صورة له في أكثر الكنائس التاريخية في البلاد ... فإنه يحق لنا الاعتقاد بأن هذا الرئيس مهتم أكثر بالسلطة أكثر من اهتمامه بنا وبالمبدأ."

القيادة هي أن تتمكن من تجاوز آلام نفسك لتصل إلى ملامسة آلام الآخرين ومداوة جراحهم.

 

 

الكاتب

مفيد الديك إعلامي أميركي عربي ودبلوماسي أميركي سابق.

الكاتب:مفيد الديك

  • للمشاركة