Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

"عم سيد" الحلواني في بلاد الطيبين والثوار

422
news room February 2,2021

نوال الحوار 

اقترن اسم سيد حجاب بالدراما المصرية، دخل باب الأدب من أجمل ابوابه وهو الشعر، وأدخلته الدراما الاجتماعية فوصل إلى كل قلب وبيت في مصر ومعظم الوطن العربي . عرفناه رديفا أساسيا مع سليم وعلي البدري عندما كتب "التتر" الشهير في الملحمة الدرامية التي دخلت كل بيت، وأقصد "ليالي الحلمية". ومع الأسطى حسن أرابيسك عندما غنى له حسن فؤاد التتر الشهير. والأمثلة كثيرة من المال والبنون إلى كناريا إلى الليل وآخره. كل هذه الابداعات  جذبت حناجر معظم المبدعين في أغاني التتر من محمد الحلو لعلي الحجار فمحمد فؤاد وحنان ماضي ومدحت صالح، بينما تنوعت الألحان ومعظمها جاء صناعة مصرية خالصة على يد أساطين اللحن ، وفي مقدمهم العبقري بليغ حمدي والمبدع عمار الشريعي وغيرهما. 

لو عدنا قليلا الى تاريخ التتر لا بد من التوقف عند المسلسل الذي كان نقطة انطلاق أغانيه نحو النجومية الشعبية على وجه الخصوص،  وهو تتر مسلسل "بوابة الحلواني"، قبل هذه المقدمة الغنائية ذاع صيت أغنية "أولاد مصر" للشاعر ابراهيم موسى وكان اللحن الرائع لبليغ حمدي، فأبدعت شادية بالحنجرة المصرية الأصيلة: 

ادخلوها سالمين ... ادخلوها آمنين 

مصر بلد المؤمنين ... مصر بلد الطيبين 

أولاد مصر ... أولاد مصر

أصبحت هذه الأغنية أقرب الى نشيد الوطني، غناها العباد في طول البلاد وعرضها، لكن لا شك أن سيد حجاب أحدث في حينه التحوّل الحقيقي في الأغنية الوطنية عبر ما سمي ب "أغنية التتر"، والتي تعني المقدمة والخاتمة لأيّ عمل فني:

 اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني 

وعلشان كدة مصر يا ولاد حلوة الحلوات 

من منا لا يعرف هذه الأغنية التي أصبحت بمثابة النشيد الوطني المصري، يشدو به الكبير والصغير. ومَن غير "العم سيد" كما يسميه الشعب المصري ومَن غير سيد حجاب حوّل تترات المسلسلات إلى أغاني يتغنى بها الجمهور وتحقق شعبية ويصبح كاتبها الشاعر الأقرب الى قلوب الناس.

 قبل بوابة الحلواني كتب سيد حجاب تتر مسلسل "الأيام"، وهي  قصة حياة العميد طه حسين فحقق المسلسل شهرة واسعة، ولعل هذا العمل بالذات هو الذي كان نقطة التحول في الحياة الفنية لأحمد زكي. استطاع عم سيّد أن يرسم بدقة صانع الذهب روح وفكر وابداع طه حسين بقوله:

" أيام ورا أيام. لا الجرح يهدى، ولا الرجا بينام، 

ماشي في طريق الشوك، ماشي 

وقلبي مطرح ما أخطي يبدر الأحلام".

 وصف انفعالات وتقلبات مشاعر طه حسين والتوقع الى  الخروج صوب عالم أرحب وأكثر فرحا وطمأنينة فقال:

"دوامة سودة ودايرة تحت وفوق. 

والدنيا بحر غويط وعالي الموج.. 

لكن ما دام في القلب حب وشوق.. 

مهما ميزان الدنيا كان معووج.. 

لا بد يوم يصفى الزمان ويروق ودي حكمة الأيام" 

خمسة أجزاء من ليالي الحلمية ، جسّدت حياة الناس والحواديت والمقاهي ونبض الشارع  بما فيه من بسطاء وفقراء يغطون على تواضع حالهم بابتسامتهم الدائمة ونكتتهم الحاضرة وسمرتهم الدائمة، وهو اختصرها بأسئلة الزمان والوجود :  

 ليه يا زمان ما سبتناش أبرياء 

واخدنا ليه في طريق ما منه رجوع 

أقسى همومنا تفجر السخرية 

وأصفى ضحكة تتوه في بحر الدموع

في هذه الأبيات وغيرها من الملحمة الشعرية يفلسف العم سيد حياة الإنسان المصري بأحلامه وطموحه ونصره وانكساراته، سيما أن الحلمية أرّخت دراميا لتاريخ الشارع المصري من فترة الاحتلال الإنكليزي إلى وصول محمد حسني مبارك الى الحكم .

 قيل عنه : انه الشاعر الكبير وأحد أهرامات مصر وغيرها من الألقاب، إلا أن لقب "عم سيد"  كان الأقرب الى قلبه، وعندما سئل لمن تضع وردة على قبور شعرائك الأقرب؟ أجاب : وردة لناظم حكمت ووردة لبريخت وورده لبابلو نيرودا ،أما الشعراء العرب فقال وردة لصلاح عبد الصبور ووردة لصلاح جاهين. من خلال باقة ورود الشاعر سنتعرف إلى ذائقته الشعرية التي حددت ملامح وصور شعره الذي يتنقل بين الثوري والوطني والاجتماعي والانساني على وجه الخصوص.  

من يتابع سيرة سيد حجاب سيعرف أثر البيئة على شعره. فهو ولد في الدقهلية على ضفاف بحيرة المنزلة بين الصيادين، فترعرع على إيقاع موسيقاهم وأغانيهم. كان والد سيد حجاب محبا للشعر ولعل هذه الأسباب دفعت الشاعر لتسمية ديوانه الأول (صياد وجنية). يؤكد الملحن حلمي بكر أن سيد حجاب أحد الشعراء المتفردين في تناول المفردات واختيار الموضوعات، وكان يستطيع اللعب بالمعاني من خلال الجناس في الشعر،وأنه لم ينل حظه من التقدير قياساً بحجم إبداعه، فهو كان: "غاوي إبداع ولم تكن تعنيه الدعاية ".

بقي سيد حجاب يكتب لمصر وعن مصر إلى أن كان رحيله المحزن في 25 يناير متوافقا مع يوم سعيد، هو يوم ذكرى الثورة التي اندلعت وكان قد شارك في صياغة دستور ما بعد الثورة.

رحل " عم سيد" تاركا لنا تراثا هائلا وينبوعا لا ينضب ونورا من الشعر والانسانية، وكأنه يغني لنفسه بعد موته : 

"خايف يا صاحبي بموتك يبتدي موتي.. 

مهي ناس توصل في ناس وكلنا مروحين.. 

بس إحنا حتى إن رحلنا برضو مش رايحين.. 

هنعيش في ريم وفي مراد وفي دندنات الولاد.. 

بغنوة فارشة على ممشى الشقى رايحين"

في ذكرى رحيله، يدندن الفلاحون في الاغواط، ويتغنى البسطاء بمصرهم الجميلة وهم يعبرون أزقة خان الخليلي حاملين على رؤوسهم وأكتافهم ما يبيعونه لأهل البلاد العظيمة أو لسياحها، ويردد المثقفون والمبدعون شعره الذي أحبه كثيرهم وغار منه كثيرهم، لكنهم جميعا كما كل أبناء مصر أجمعوا على أن " عم سيد" نثر رحيق انسانيته وعميق ابداعه على أرض الكنانة وأن زرعه سينبت دائما مع كل اشراقة شمس ورذاذ مطر.

الكاتب

د. نوال الحوار شاعرة وكاتبة واعلامية

الكاتب:نوال الحوار

  • للمشاركة