Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

الوحدة والعزلة، ماذا يقول العلم؟

857
news room April 2,2021

 

روزيت الفار 

يعتبر مفهوم "الوحدة" Loneliness جديداً نسبيّاً إذ لم يدخل استعماله قبل عام 1800 بعد دخول العالم الجديد وما تبعه من تغيّر على جميع الأصعدة ومنها الاجتماعيّة ودخول العلمانيّة ومفهوم المنافسة والاقصاء وغيرها. فقد اهتم الفلاسفة والعلماء قبل ذلك بما عُرف ب"العزلةSolitude " والّتي كانت تشكّل عندهم التباساً ومعضلة في تفسيرها.

وكخلاصة لقراءات من كتب وتقارير مختصة ومنها :

 Biography of Loneliness, Human Nature & Social Connection, Believe Life 

خرجت بتعريفين منفصلين لكل من المفهومين، واعتُبرت "الوحدة" خليط من المشاعر الدّاخلية السّلبية الّلاإراديّة لدى الشّخص تتضمّن عدم الرّضى عن الذّات ورفض التّواصل مع الغير واعتبار المرء نفسه شخصاً غير ملائمٍ اجتماعيّاً واليأس وعدم الثّقة بالنّفس والخوف من رفض الآخر له والحزن والألم والخجل واعتبار الغير أفضل وأكفأ منه. الأمر الذي يشعره بالوحدة والغربة والإقصاء حتى لو كان محاطاً بكثير من النّاس ويعيش وسطهم؛ ما ينتهي به إلى المعاناة والتّوتّر والاكتئاب. يرجع علماء النّفس أسباب الشّعور بالوحدة لأمور متعدّدة أهمّها:

1.     بيئيّة تتعلّق بالفرد في مراحل نشأته الأولى كغياب الأهل عن المنزل ومرضهم وانفصال الأبوين وما ينتج عنها من إهمال عاطفي تجاه الطّفل وفقدان عمق الاتّصال النّفسيّ معه حيث تقل فرصة تلبية حاجاته الجسديّة والذّهنيّة والشّعور بأحاسيسه ومعرفة كيف وبماذا يفكّر ما يؤدي بمرور الوقت لحالة مرضيّة تنمو معه عبر سنوات عمره تتطلّب بعدها تدخّلاً ومساعدة مهنيّة لشفائها.

2.     بيولوجيّة وجينيّة فعلم الجينات السّلوكي يشير إلى أنّ الDNA عند الانسان يلعب دوراً فاعلاً في ميوله ومشاعره ومنها "الوحدة" ولا غرابة في ذلك فكثير من ميولنا العاطفيّة لها مكوّنات جينيّة؛ واختلافه عند البشر يفسّر اختلافهم في مستويات تأثّرهم تجاه تلك المشاعر.

3.     الاستخدام الطّويل لأدوات التّكنولوجيا الحديثة ووسائل التّواصل الاجتماعي وافتقار التّواصل الوجاهي. بالرّغم من ميزاتها وحاجتنا المُلحّة لها وحتميّة وجودها لتحسين نوعيّة حياتنا؛ غير أنّ للتكنولوجيا الحديثة آثاراً مُدمِّرة على صحّتنا الجسديّة والنّفسيّة حين نسيء استخدامها ونبالغ بالوقت الذي نخصّصه لها. فمن آثارها السّلبيّة أنّها توهم المستخدم بأنّه مرتبط بصداقات حقيقيّة يراها كاملة متكاملة ومثاليّة وأفضل منه مما يفاقم المشكلة لديه. عدا عن أنّ استخدامها المكثّف يحرمه التّواصل الجسدي والحقيقي مع أهله وأصدقائه ومجتمعه.

أمّا الحديث عن "العزلة" فجاء مختلفاً تماماً، حيث يختار الشّخص هنا وبملء إرادته الابتعاد عن النّاس لفترة من الوقت -تكون في معظمها قصيرة-  ليؤمّن لذاته وقتاً خاصّاً بغية الرّاحة الجسديّة أو النّفسيّة أو للقيام بأعمال إبداعيّة أو مهمّة تتطلّب تركيزاً لإنجازها، فهو يعيش حالة إيجابيّة وبسعادة لوحده دون أن يشعر بأنّه وحيد؛ ينهيها -كما بدأها- حين يشاء فهي إذاً خيار وقرار شخصي.

لم يترك الطّبّ النّفسي الارشادي الحديث ومدرّبو الحياة والتّنمية البشريّة مرضى "الوحدة" دون علاج. فمكان الألم هو نفس مكان الشّفاء.

1.     ابدأ بتقبّل الحالة بداخلك وغذِّ وحدتك بالتّعاطف والحبّ. ولتعلم أنّها حالة عامّة تصيب جميع البشر لكن بمستويات وأوقات متفاوتة سواء كان ذلك بوعي منهم أو دونه. فتفقّد هاتفك وخروجك للمشي واتّصالك بصديق وتشغيلك للراديو لسماع موسيقى أو رجوعك لكتاب تقرأه؛ كلّها سلوكيّات تشير إلى إحساسك بالوحدة في تلك الّلحظة، واعلم بأنّ عظمة الإنسان تكمن في أنّه خُلق ليكون مركزاً لذاته منفصلاً عن العالم لكنّه ينظر إليه ليعرفه ويحبَّه أكثر ويعيد خَلقَه وتشكيله بطريقة أفضل.

2.     تعهّد لنفسك أن تبقى لجانبها وحاضراً معها مهما كنت متألّماً فذاتك هي أكبر بوّابة للتمكين والحب.

3.     ابحث كيف يمكنك مساعدة الآخرين بدل أن يساعدوك، فهذا يعزّز لديك الثّقة بالنّفس.

وأخيراً، "أن تكون حيّاً يعني أن تعيش داخل جسدك أيّ أن تكون منفصلاً وهذا ما تعنيه الوحدة، فلا بأس بها إذا وخصوصاً حين نعرف كيف نحوّل وحدتنا إلى عزلة ونستمتع بها.

الكاتب

روزيت الفار كاتبة-الأردن

الكاتب:روزيت الفار

  • للمشاركة