Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

التوتر التركي الفرنسي، هذه هي الأسباب.

1404
news room September 16,2020

نجاح زيدان 

ارتفعت في الايام الاخيرة لهجة التصعيد الكلامي والعسكري بين الطرفين الفرنسيوالتركي. يوم السبت الماضي وجّه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فيخطبة متلفزة تحذيرا للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون قائلا : " لن تنته بعد من مواجهةالمشاكل معي" وأتى ذلك في سياق رده على ما قاله ماكرون قبل يومين معلقا علىتحركات أردوغان في البحر المتوسط واصفا تصرفاته ب :" بالسلوك غير المقبول ".

لفهم ما يحصل بين البلدين لنرجع الى الوراء قليلا.

 

ان الخلاف بين فرنسا وتركيا يعود   الى فترة رئاسة نيكولا ساركوزي الذي وقف بشدةضد انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي، ثم هدأت الامور في عهد الرئيس فرانسوا هولاند لتسوء في الفترة الحالية. الواقع ان فرنسا التي لعبت دورا رئيسيا في اسقاطنظام معمر القذافي لم ترض عن التدخل التركي في ليبيا الذي سارع لملء الفراغ فيهاودعم فايز السراج ضد اللواء خليفة حفتر. 

كان ماكرون قد وجّه في كانون الثاني من العام الحالي خلال مؤتمر برلين   اتهاماتلتركيا بانها أرسلت الى ليبيا أسلحة ثقيلة ومرتزقة من الجهاديين.

بالمقابل فان تركيا هاجمت بعد تفجير مرفأ بيروت سياسة الرئيس الفرنسي واعتبرت أنزيارته  للبنان تخفي أهدافا استعمارية، وما لبث   نائب الرئيس التركي ان قام  بزيارةلبنان واعدا بمساعدات صحية وطبية.

 

في تشرين الثاني من العام ٢٠١٩ عقدت تركيا اتفاقا مع حكومة الوحدة الوطنية الليبيةلترسيم الحدود البحرية، مما أثار اعتراض مصر وقبرص وفرنسا واليونان. واعتبرت هذهالدول أن نص الاتفاق لا يتوافق مع الحقوق البحرية. لكن تركيا لم تأبه بكل الاعتراضاتوأرسلت مؤخرا سفينة للبحث عن آبار الغاز في عمق المياه بمنطقة تعتبرها اليونان  خاضعة لسيادتها.

مما دفع بفرنسا الى نشر سفنها الحربية وطائراتها المقاتلة قبل أن يتم الاعلان عن نيةاليونان شراء ثماني عشرة طائرة رافال. 

يوم الاحد الماضي صرح سكرتير الدولة الفرنسي المكلف بالشؤون الاوروبية أنه:” على اردوغان التخلي عن استراتيجية التهديد والتفكير بمنطق المفاوضات حول المناطقالاقتصادية في المتوسط والتوقف عن سياسة المواجهة" مع التلميح بالعقوبات الاوروبيةحيث ستجتمع القمة الاوروبية في الرابع والعشرين من هذا الشهر.

أتى هذا التصريح بعد يومين من اعلان ماكرون:” أن تركيا ورغم انها عضو في الحلفالاطلسي إلا أنها لم تعد تعتبر شريكا في المنطقة.

 

ما مدى التأثير التركي في فرنسا وأوروبا؟

لا يتجاوز عدد الاتراك في فرنسا خمسمئة ألف شخص وهو عدد أقل من الجاليةالجزائرية التي تبلغ مليوني شخص والجالية المغربية ١٫٣ مليون شخص. ومع ذلك فإنالتأثير التركي على الاسلام في فرنسا أخذ بالتصاعد على حساب الدور العربي. ففيمطلع عام ٢٠١٨ أكد أردوغان على دور الأتراك في فرنسا كممثلين للإسلام، وكان قدأظهر رغبته خلال اجتماعه بالمجلس الفرنسي للإسلام بتوسيع النفوذ التركي ضمنالمجتمع الإسلامي على الأراضي الفرنسية. 

هذا ما حصل خلال الانتخابات الاخيرة للمجلس الفرنسي للإسلام التي جرت في مطلعالعام الحالي حيث حصل الاتراك على الاغلبية في المجلس الاداري بتسعة عشر مقعدا. فأردوغان يلعب على الوتر الديني ويقدم نفسه كممثل ومدافع عن الاسلام ليس فقط فيفرنسا وإنما في كل أوروبا. 

 

العلاقات الاقتصادية بين فرنسا وتركيا:

بلغ حجم التبادلات التجارية بين البلدين في خلال  العام الماضي ١٤٫٦٧٦ مليار يورو،ما يمثل زيادة بنسبة ٤٫٦٪ عن عام ٢٠١٨. فقد ازداد حجم الصادرات التركية الىفرنسا بنسبة ٩٫٠٪، وتأتي فرنسا في المرتبة السابعة للتعاملات التجارية التركية.

 

أما التأثير التركي في ألمانيا التي تترأس حاليا الاتحاد الاوروبي والتي تحاول أن تلعبدور الوسيط في الازمة بين فرنسا وتركيا فهو أكبر من نفوذه في فرنسا، ولهذا فإن المستشارة انجيلا ميركل تفضل تهدئة الوضع للأسباب التالية:

أولا: إن الجالية التركية في ألمانيا تبلغ أربعة ملايين شخص وهذا العدد الكبير يعود الىالاتفاق المتعلق بتجنيد اليد العاملة في ١٩٦١. وظهر نفوذ أردوغان على الجالية التركيةفي ألمانيا خلال الانتخابات التشريعية عام ٢٠١٧ عندما طلب من الناخبين الاتراك عدمالتصويت.

ثانيا: في عام ٢٠١٨ بلغت صادرات تركيا الى ألمانيا ١٣٫٥ مليار يورو وصادرات ألمانياالى تركيا تجاوزت ١٧ مليار يورو.

ثالثا: مشكلة اللاجئين، فحسب اتفاق العام ٢٠١٦، من واجب تركيا أن تستقبل اللاجئينالذين وصلوا الى اليونان مقابل مساعدات مالية تقدر ب ٦ مليارات دولار تتلقاها   مناوروبا. لكن أردوغان يستخدم ورقة المهاجرين للضغط والتهديد كما حدث في شباطالماضي حينما دفع ٣٠٠٫٠٠٠ مهاجر الى الحدود اليونانية التركية.

 

لا يخفى على أحد بأن لأردوغان طموحات توسعية وأما ماكرون فإنه يريد اعادة دورقيادي لفرنسا والحد من النفوذ الاردوغاني الذي بدأ يثير قلق بعض الاوساط السياسية. فهل تنجح باقي دول الاتحاد الاوروبي وعلى رأسهم ألمانيا بتلطيف الاجواء ومنع الانزلاقنحو مواجهة فعلية؟ أم تنتقل أوروبا الى خطوة أولى باتجاه الردع عبر فرض عقوبات على انقرة؟ في جميع الأحوال يبدو ان العلاقات الفرنسية التركية تمر حاليا في وضع حساس جدا، واحتمال الانزلاق الى ما هو أخطر وارد في أي وقت رغم تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولجم الاندفاع التركية بالاتفاق مع باريس. 

 

 

الكاتب

د. نجاح زيدان باحثة واستاذة جامعية ليون-فرنسا

الكاتب:د. نجاح زيدان

  • للمشاركة