Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

التقرير الأميركي، والعرش السعودي. أي خطر؟

7107
news room February 26,2021

لعبة الأمم

سامي كليب : 

                    لن يكون سهلاً على ولي العهد ووزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان قراءة العنوان الكبير في الاعلام العالمي الليلة والقائل إن : الولايات المتحدة تكشف "إن بن سلمان وافق على قتل جمال خاشقجي" ( هكذا مثلا عنونت بي بي سي). لكنه حتما ليس متفاجئا بما قيل. فالاتهام مُنتظر منذ فترة، وكان محور إتصال رسمي قبل 24 ساعة بين الرئيس الأميركي جو بايدن والملك السعودي، ومحور اتصالات كثيرة جرت قبله.

                    لكن من المهم التوقف عند بعذ الملاحظات والأسئلة المنطقية:

·     الملاحظة الأولى : هل أن تقرير صادر عن مدير وكالة الاستخبارات المركزية يؤكد نهائية الوقائع، أم أنه بداية لمسار طويل، وانه ما زال يحتاج لاجراءات قانونية قد تطول لسنوات، وبالتالي فان باب الحلول ما زال مفتوحا؟ صحيح أن الإدارات الأميركية بدأت اجراءات عقابية ضد مجموعة من السعوديين، لكن لم تحصل محاكمات بعد لتثبت قانونيا ما حصل حتى مع وجود تسجيلات صوتية وبصرية واعترافات .

·     الملاحظة الثانية، انه ليس كل ما تقوله الاستخبارات يُصبح مُنزلا حتى ولو تبنّاه الرأي العام والاعلام، فالاستخبارات الاميركية والبريطانية مثلا كذبت حين قالت ان الرئيس العراقي السابق صدّام حسين كان يملك اسحلة دمار شامل ويتعامل مع القاعدة واعترفت بكذبها لاحقا.

·     الملاحظة الثالثة: ان تسليط الضوء على الأمير محمد، يطرح السؤال الجوهري التالي : هل تريد واشنطن إعاقة وصول الأمير الى العرش؟ واذا ما أرادت ذلك، هل تستطيع في حال تماسَك الوضعُ الداخلي خلف ولي العهد كمرشح وحيد للمنصب؟ هذا يفتح الأوضاع على مخاطر داخلية في السعودية لجهة احتمال ان تكون الاستخبارات الأميركية مثلا على تنسيق مع مراكز قوى سعودية أخرى للاطاحة بالأمير.( راجع مقالنا السابق ، هل يُميز بايدن بين السعودية وولي عهدها) 

·     الملاحظة الرابعة: ان حجم التبادل الأميركي السعودي يبلغ مئات مليارات الدولارات، وإن جزءا كبيرا من هذا التبادل يتعلق باستيراد السعودية للأسلحة، والأمير محمد هو وزير الدفاع، فكيف تتهمه واشنطن ثم تنسق معه. الأمر سيكون حتما بالغ الصعوبة، ليس على مستوى السلاح فحسب وانما أيضا بالنسبة للتنسيق الأمني والمناورات والتحالفات وغيرها.

·     الملاحظة الخامسة : لم تكتف واشنطن بتسليط الضوء على ولي العهد ومعاونيه، وانما طالت اتهاماتها كل السعودية كدولة. فوزير الخارجية الاميركي أنتوني بلينكين الذي أعلن ان بلاده فرضت قيودا على 76 شخصية سعودية، قال بوضوح : أن أميركا لن تتسامح مع تهديدات السعودية للنشطاء والمعارضين والصحفيين واعتداءاتها عليهم. وأن الرئيس بايدن قال بشكل واضح إن علاقتنا مع السعودية يجب أن تعكس قيمنا "

هذه اللهجة الأميركية تتبنى حرفيا ما كان يقوله الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في غير مناسبة عن الخليج،وهو ما يؤكد أن إدارة بايدن تدور في المناخ عينه، وان العلاقة مع الرياض ستكون مشوبة بالكثير من الضباب والصعوبة والضغوط حتى ولو ان الخط العام يبقى في اطار التحالف الاستراتيجي الضروري للبلدين.

السؤال الآن، ماذا ستفعل السعودية؟

          من الصعب التفكير بأنها ستُصعّد، هي سترفض حتما وستعلو أصوات عديدة مؤيدة للأمير ورافضة للكلام الأميركية، وكل كلام رسمي سعودي سيكون ضد التقرير الاستخباراتي وليس ضد أميركا.  السعودية دولة استراتيجية كبرى في المنطقة ومهمة لواشنطن، لكنها أيضا  موجودة حاليا في مدار من الأزمات المُقلقة، ذلك أن ادارة بايدن تريدها ان تنهي حرب اليمن، وإيران قد تجلس على طاولة التفاوض مع أميركا، وشؤون العرش السعودية  تحتاج في هذه المرحلة الانتقالية الى استقرار في علاقات السعودية مع الدول الحليفة، وثمة ضبابية كبيرة تخيّم على مسالة الانفتاح على اسرائيل بعد رحيل ادارة ترامب. ولا شك أن اسرائيل ستحاول اللعب على وتر هذا التناقض لتشجيع الرياض على فتح علاقات علنية معها كمخرج لأزماتها.  

      لذلك سيكون أسهل الخيارات أن تهضم السعودية تقرير الاستخبارات وترفضه رسميا، وتراهن على الوقت للتحلل منه خصوصا ان الأمير الذي قال بالكثير من الخطوات الاصلاحية المهمة في الداخل سيعمل على اطلاق مشاريع اخرى في المرحلة المقبلة، وسترفع  الرياض لواء القضاء للقول ان الاتهام لا يعني الادانة وان أي ادانة تحتاج الى قرائن وقضاء، ذلك ان جهاز استخبارات لا يستطيع ان يتهم ويدين ويصدر أحكاما، وان تقارير الاستخبارات غالبا ما تخفي أهدافا سياسية، وان هذه الاهداف قد تبدأ بواشنطن وتنتهي بتركيا. 

        هذا ممكن، الا في حالة واحدة، وهي أن تُصعّد ادارة بادين مستوى الضغط على الرياض، اما قناعة منها بان ما تعرض له جمال خاشقجي كان عملا وحشيا وان لديها دلائل دامغة وانه ممنوع بعد اليوم التعرض للحريات والناشطين، أو لانها ستكون أمام مساءلة حثيثة ودقيقة من الداخل ومن قبل الرأي العام والإعلام.

 لا شك أن بايدن ربح رأيا عاما أميركا وعالميا، بقضية الراحل جمال خاشقجي وأرسل إشارات واضحة على سعيه لأن تكون حقوق الانسان في صلب سياسته الخارجية على عكس ما كانت عليه سياسة دونالد ترامب، لكن ماذا لو اصطدمت هذه الحقوق بمصالح أميركا لاحقا أو بمصالح اسرائيل العليا.... هل يُكمل أم يتوقف؟ للنتظر ونر. 

       في جميع الأحوال، من المغالاة جدا القول بأن ما حصل سيدمّر العلاقات السعودية الاميركية، ومن الوهم التفكير بالقطيعة، فالبلدان بحاجة الى بعضهما البعض وربما أكثر من أي وقت مضى. أما علاقة واشنطن بولي العهد، فتحتاج الى مراقبة دقيقة من اليوم فصاعدا، وربما على الرجل أن يقلق على وضعه في الداخل والخارج، فالمنافسون ينتظرون عند قارعة الطريق.  

     

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة