Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

التاريخ في المناهج اللبنانية: تلاعُبٌ بالذاكرة الجماعية

329
news room September 22,2020

تنصّ قاعدة "التاريخ يكتبه المنتصرون" أن تقوم الجهة المنتصرة بصياغة التاريخ على هواها لتغذّي الأجيال القادمة بمعلوماتٍ تلمّع صورتها وتبرّئ ذمتها. أما في لبنان،  فقد تعدد المنتصرون وتعددت الروايات. لعلّ أكثر الأجوبة شيوعاً عند سؤال الطالب اللّبناني عمّا يتذكّره من حصص التاريخ في سنوات الدراسة الإبتدائية والثانوية هي: أسباب الحرب العالمية الأولى، الجراد، الإستقلال وقلعة راشيا. يقف الزمن في كتب التاريخ اللبنانية عند هذا الحد فلا يأتي على ذكر أحداث ما بعد عام 1943. وعلى الرغم من تبنّي الدستور اللبناني و البيانات الوزارية المتعاقبة بند " تحديث وتوحيد المناهج الدراسيّة لمواكبة العصر" (البيان الوزاري لحكومة حسان دياب، 2020) إلّا أن تعنّت الطاقم السياسي وإصراره على طمس حقيقة ما جرى حال دون ذلك ولا يزال. 

بغض النظر عن الحجج التي تلجأ إليها السلطة لتبرير فشلها في إنجاز هذه الخطوة مراراً وتكراراً، والتي تتراوح من حرص السلطة الحاكمة المزيّف على صون السلم الأهلي إلى تمسّك كل طرف بسيناريو الأحداث والنتائج الملائمة له، تبرز اليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، ضرورة ملحّة للمضي قدماً وجدياً في هذا المسعى. فيقف لبنان حالياً أمام مفترق طرق مصيري إذ تسنح له فرصة ذهبية، ولو كانت وعرة، للعبور إلى نموذج الدولة الحضارية الحديثة. 

                                         

توحيد التاريخ أساس العقد السياسي الجديد

يستوجب العبور إلى العقد السياسي الجديد الكثير من الجهد أهمّه على الصعيد التثقيفي التوعووي. يجب أن يبدأ العمل على تنقيح نوعية المعلومات التاريخية المنقولة إلى الطلاب والتي غالباً ما تحدد طبيعة فهمهم للمجتمع والسياسة وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان. وبما أن النظام المنشود هو الدولة المدنية التي تعامل الجميع سواسية تحت القانون بمعزل عن الإنتماء الطائفي والعقائدي، لا بد من عرض الحقائق التاريخية وخاصة الحديث منها كما هي وبدون أي تحوير أو غربلة بغية التعلّم من أحداث الماضي الطائفية لتفاديها في المستقبل. كما لا يمكن بأي شكل من الأشكال القبول بالبقاء على مناهج تُقارب التاريخ اللبناني من زاوية طائفة معينة، ناسفة بذلك مبدأ الإنتماء إلى الوطن وإحترام المواطن. 

 

 

 

جيل ثورة 17 تشرين يقرر مصيره وهويته

كانت الأحزاب اللبنانية، الطائفية بمعظمها ( حتى لو ان برامج وشعارات بعضها يقول عكس ذلك) ، قد إستمدّت تاريخياً قدرتها على ضمان الولاء الأعمى لها إمّا من خلال حجب الحقائق الموضوعية عن أنصارها (وهنا تندرج عدم الرغبة بتحديث كتب التاريخ والمناهج التربوية) أو عبر حشو أدمغتهم بما يرثونه عن أهلهم وبيئتهم والتي ما هي إلا معلومات منحازة مفصّلة على قياس الطائفة والزعيم. ينعكس هذا الواقع في نتيجة المسح الذي أُجريَ على 3,000 ولد في عمر الـ14 في 2007 حيث أظهرت النتائج أن الأكثرية تذكر الشخصية التاريخية المتحدّرة من طائفتهم. 

تعلّق الدكتورة مهى يحيى، باحثة مستقلة والمشرفة على الإحصاء، أن الأولاد يتشربون القيم السياسية مباشرة من الأهل، وليس المدرسة. وهنا تأتي أهمية ثورة 2019 التي تُعتبر محطة محورية من عمر لبنان الحديث حيث تمكّن خلالها جزء كبير من الشعب اللبناني ولأول مرة أن يتمرّد على الطائفية ويخلع عبائة الزعامة. فقد أصبحت الأجيال الجديدة متعطشة لمعرفة حقيقة ما جرى كي تكوّن بنفسها شخصية مستقلة وهوية سياسية إجتماعية تعكس طموحاتها ومتحررة من جميع القيود. لذلك يجب أن يتصدّر هذا المطلب سلّم أولويات أي حكومة أو نظام دولة قادم. 

ضرورة عدم اغفال أحداث التاريخ الحديث

للأحداث السياسية والأمنية حضور دائم وثقيل في وجدان لبنان وقد شهدت تفاقماً ووتيرة تصاعدية منذ العام 1975 إبّان إندلاع الحرب الأهلية ولم تخمد مع إنتهائها في العام 1990 وصولاً إلى إغتيال الشهيد رفيق الحريري الذي دوّل الصراع أكثر من ذي قبل وزاد بفضله حدة الإنقسام والصراع الطائفي والمذهبي. وقد حددت هذه الأحداث الأخيرة معالم وجه لبنان السياسي نظراً لتداخلها مع صراعات المنطقة والعالم مما جعل من تسليط الضوء عليها في المناهج التربوية أمراً حتمياً وضرورياً كي ينشأ جيل قادر على تقييم الأحداث على أسس منطقية وتحليلية وبالتالي كسر حلقة التوريث السياسي والتبعية العمياء لأحزاب الطوائف.    

 

تمّت آخر مراجعة لمنهج تعليم التاريخ بين عامي 1968 و1971. ومع إنتهاء الحرب الأهلية، تشكّلت العديد من اللجان للعمل على إنجاز هذه المهمة تطبيقاً لإتفاق الطائف ولكن من دون جدوى. يقول أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية عصام خليفة في إحدى مقابلاته "اليوم يتمّ تعليم التاريخ حسب خط المدرسة السياسي والطائفي. للأسف لا يوجد إرادة سياسية حقيقية لحل هذه المشكلة". 

 يظهر الإنقسام حتى ضمن المؤرخين أنفسهم حيث يرى المؤرخ حبيب مالك أنه "من الضروري ذكر الروايات المتعددة ولكن في كتاب واحد..وبجرأة". فعلياً، الحل يكمن في إستبدال هذه المنظومة وما تمثله بطبقة من المستقلين الكفوئين القادرين على الإتفاق على سرد موحد وموضوعي للتاريخ ويُعاد تحديثه كل 25 سنة كحد أقصى لتبقى الأجيال مثقفة وواعية وقادرة على تكوين هويتها بإستقلالية. 

الكاتب

بلال خريس كاتب متخصص بالموارد البشرية

الكاتب:بلال خريس

  • للمشاركة