Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

 الصين وسورية. الفرق يبدأ بالطلائع.

2155
news room January 4,2021

لجين سليمان-الصين 

كانت مديرة المدرسة الابتدائية في سوريا تلاحقنا ، كي يكون ذهابنا إلى المدرسة بشكل جماعي، وكذلك عودتنا منها ، هي تريدنا أن نمشي بطريقة طلائعية، والتي تتجسّد باصطفافنا خلف بعضنا البعض، على شكل قطار، كان يسمّى بالقطار الطلائعي أنذاك، لا أدري هل ذاك القطار ما زال  في حيّز الوجود أم توقّف، لا سيما وأن الطلائع بحدّ ذاتها، فكرة اكل عليها الدهر وشرب.

أما المغزى من هذا المشي "الطلائعي" فكان تكريسا لفكر العمل الجماعي، والتعاون المشترك، على  مبدأ أن نحيا جميعنا في هذا الوطن بشكل مشترك "تطبيقا لمبدأ الاشتراكية في المشي"، لم نكتف بهذا القدر من التجربة الجماعية، بل كنا نحيي العلم مرتين أسبوعيا، كي لا نتركه يخفق وحيدا، وكان الهدف من التحية أيضا، هو الاعتزاز الجماعي، برموزنا، بغض النظر عن مشاعرنا الشخصية حيال بعض هذه الرموز. فقد كنا، ولو ظاهريا، نُعلن اعتزازنا بها من خلال قطار الطلائع. 

أما اليوم وقد  فرّقت الحرب بين الكثير منّا، وهجّرت بعضنا، واختار بعضنا الآخر الابتعاد قليلا، فقد بتنا مشرذمين فعلا وما عادت صفوف الطلائع تلك سوى من ذكريات قديمة كأن قرون قد مرّت عليها. وهو أمر  يستحق التأمل والتفكير فعلا ويستحق السؤال: مالذي دفعنا إلى أن نكون فرديين إلى هذا الحد؟ لا سيما أنّ التنشئة كانت جماعية. استعيد الآن وأنا في مختبرات البحث العلمي في الصين، قصّة ربما مهّدت للتأثير السلبي علينا، فقد كنا نشاهد طالبا يُعامل بطريقة خاصة، ويسير وحيدا خلف قطارنا وخارج سربنا، وفهمنا لاحقا انه أبن أحد المسؤولين وان والده اتصل بمديرتنا كي لا تعامله كما نُعامل. ربما كان أمر الضغط عليها صحيحا وربما لا، لكن النتيجة كانت حاضرة أمامنا، فزميلنا يتمايز علينا ويسير لوحده وكأننا نحن القطيع وهو جزء من الراعي. ولّد هذا الأمر بداية التفكير بمعنى  "الفردية" في كل مرة كنا نمشي وراء بعضنا وهو يسير وحيدا، لعلّه فجّر في نفوسنا  نقمة حقيقة بقيت صامتة خلف الشعور بالغبن. لعلّنا رحنا نفكر مذّاك بأننا يوما ما سنخرج من هذا الصف، ونتفرّد بأنفسنا لأن التجربة الجماعية عبارة عن كذبة.

ما جعلني أتذكّر تلك المرحلة "الطلائعية" هو عمل مجموعة من الطلبة الصينيين معا، بقلب واحد في أحد المخابر، خلال القيام بإنجاز تجربة "زلزالية"، وعلى الرغم من أن هذا البحث يعود إلى اثنين من الطلاب، أحدهما طالب ماجستير، والآخر طالب دكتوراه، إلا أن جميع من في القسم ذاته شاركوا في بناء التجربة، غير مترددين للمساعدة ولو للحظة واحدة.

كانوا يعملون بشكل متكامل معا، وبأيد متكاتفة، وبطريقة منظمة، وكأنّ هذه "التجربة" تخصّ الجميع دون استثناء، بالمقابل كلّ شيء كان متوفرّا لهم، ابتداء من وجبات الطعام التي تأتي إلى المخبر في الوقت المحدد، أو حتى بعض المقبلات بين الوجبات أو عبوات المياه المختومة.

وبين الحين والآخر، يأتي الأستاذ المشرف، مبتسما، يتجوّل بين الطلاب، يسألهم فيما إذا كانوا يحتاجون شيئا ما، تثيرني ابتسامته، أسأله "لماذا كل هذه السعادة، تبدو سعيدا جدا" يجيب "أنا فخور بكم وبهذا التعب والمجهود"

تخيّلت تنفيذ هذه التجربة في سوريا في إحدى الجامعات أو المخابر، ماذا كان سيحدث ؟ على الأرجح كان كل واحد  سيسأل الآخر، "ما ذنبي أن أعمل في تجربة لا تخصني؟" أو "ليش فلان قاعد وأنا عم اشتغل؟" او "ليش لازم ساعدو وهوي ما ساعدني؟"، انطلاقا من الروح الفردية التي باتت تسودنا جميعا دون استثناء، لا لسبب سوى لأن زميلنا في المدرسة الابتدائية خرج من الصف الطلائعي بقدرة والده المسؤول، الأمر ذاته الذي حدث في المرحلة الجامعية، فقد طلب أحد الأساتذة الجامعيين من أحد طلابه حجب أطروحته عن باقي الطلبة كي لا يستفيدوا منها خلال بحثهم، عندها أُجبر الطالب على اقفال خطه لمدة أسبوع، كي لا يتّصل به أحد ويطلب الأطروحة، تلبية لطلب أستاذه، خارجا عن معايير العلم واخلاقه.

ربما ستقول عزيزي القاريء، ان ما أرويه قصصا فردية او عابرة وتحدث في أي مكان. لكن عليك ان تعيش التجربتين السورية والصينية كي تفهم تماما ما اقول. فنحن جيل ظننا ان ثمة ما يجمعنا في مطلع شبابنا، لكن ابن المسؤول غيّر قناعاتنا. ثم جاءت الحرب لتزيد شعور كل منا بالفردية وبحماية الذات قبل حماية المجتمع. ثم انكفأنا في مناطقنا وأحيائنا، وصرنا حذرين من بعضنا البعض، كحذرنا ونحن في الطلائع من زميلنا ابن المسؤول. هي قصص بسيطة وعابرة ولكنها تعكس شيئا من أسباب مصيبتنا التي كانت كامنة وتفجّرت فجأة وظهرت الى العلن. واذ اقارن بين التجربتين، لان الصين وسورية عاشتا طويلة مراحل الاشتراكية وأولوية الدولة المستندة الى افكار الحزب، فلماذا نجحت اذا الصين ونحن تفككنا؟

هي إحدى المفارقات التي تنتج بلادا بأكملها، فعندما نسأل عن سبب تقدمهم، وأسباب تخلفنا، تأتي الإجابة على شكل تعاون وعمل، هم يعملون ونحن نتكلّم، هم يتعاونون ونحن نراقب، هم باتوا القوة الصناعية الاولى في العالم، والمالية الثانية، وتراهم جميعا كخلايا النحل في المصانع والمختبرات والجامعات ، حريصين على تفوقهم ومدافعين عن بلادهم. وعندنا للأسف ما يزال فكر " باب الحارة" يسيطر على الكثير من مناحي الحياة والمجتمع والعلاقات الاجتماعية عندنا.ليس النجاح الجماعي هو المهم وانما من ينتصر على الآخر وكيف، ومن له واسطة في هذه المؤسسة او تلك وكيف.

ربما علينا ان نفكر مليا بماذا انقذ مجتمعات بعد الحروب والفرقة، لكي نبني وطننا على قواعد جماعية جديدة، وننسى أن ثمة فرقا بين انسان عادي يريد النجاح، وابن مسؤول ربما أيضا يريد النجاح، او ربما يكون سبب الفشل، ففكر الطلائع كان جيدا لو انه اقترن بالممارسة والقناعة. نحتاج اليوم الى شعارات أقل وتعاون أكبر.

الكاتب

لجين سليمان باحثة جامعية واعلامية الصين

الكاتب:لجين سليمان

  • للمشاركة