Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

الصين والقضية الفلسطينية، تغيّرت المصالح وبقيت العدالة

962
news room May 18,2021

لجين سليمان-الصين: 

لم تتخذ الصين موقفا واحدا من القضية الفلسطينية عبر تاريخها، بل تغيّرت النظرة الصينية وفقا لتغيّر مكانة الصين في العالم، وربما تأثّرت بكين بتجربتها الذاتية، وعكست تلك التجربة على نظرتها للعالم العربي عموما ولفلسطين خصوصا، بدءا من نجاح الثورة الشيوعية ، مرورا بتنمية الداخل، وانتهاء بتتويج الصين قطبا جديدا في عالم لم يتحدّد مصيره بعد.

تعود بداية تاريخ العلاقات الثنائية بين جمهورية الصين الشعبية ودولة فلسطين إلى عهد الرئيس “ماوتسي تونغ”،إذ دعمت سياسة ماو الخارجية حركات التحرر الوطني في العالم الثالث، كما كان لانتصار الثورة الشيوعية في الصين عام 1949 برئاسة "ماو" دور كبير في ذهاب الصين باتجاه تأييد الحركات الثورية التحررية. وهو القائل :  "إن الإمبريالية تخشى الصين والعرب، وان إسرائيل وفورموزا قاعدتان للإمبريالية في آسيا، أنتم البوابة الأمامية لهذه القارة الكبيرة ونحن بوابتها الخلفية، هدفنا واحد، آسيا أكبر قارة في العالم، والغرب يريد أن يستمر في استغلالنا، الغرب لا يحبنا، ويتحتم علينا أن ندرك هذه الحقيقة، إن معركة العرب ضد الغرب هي المعركة ضد إسرائيل لذلك قاطعوا أوروبا وأمريكا أيها العرب"

كما كانت الصين من أوائل الدول التي اتخذت القرار بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، رافضة الاعتراف بإسرائيل، وذلك على الرغم من اعتراف اسرائيل بها.وأما مؤتمر "باندونغ" عام 1955 فكان نقطة الانطلاق نحو الانفتاح الصيني على القضية الفلسطينية، وذلك عندما رفضت بكين الاعتراف بإسرائيل كدولة آسيوية، فوعلن رئيس الوزراء الصيني  آنذاك "شوآن لاي" أمام اللجنة السياسية للمؤتمر تأييد القضية الفلسطينية، وتقديس كفاح الشعوب المستعبدة.

إلا أن التبني الصيني للقضية الفلسطينية لم يدم طويلا، فمع بداية عقد السبعينيات، بدأت بكين تتخذ موقفا أكثر اعتدالا، واتضح بشكل كبير التغير في الموقف الصيني تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، فاتسمت السياسة الصينية بالمرونة ليس تجاه القضية الفلسطينية فقط، وإنما حول قضايا الشرق الأوسط والعالم أيضا، ويعلّل هذا التغيّر بالنظرة الاستراتيجية الجديدة بعد رحيل "ماوتسي تونغ" وتركيز الجهود الصينية على معالجة الأوضاع الداخلية، لتنمية الصين من الداخل، قبل الذهاب خارجا، وبالفعل نجحت السياسة الصينية الداخلية في التنمية، و أصبح الشرق الأوسط سوقا للصناعات الصينية.

في 29 تشرين الثاني عام 1979 أعلن رئيس وزراء الصين " هوا قوه فنغ" المبادئ التي يقوم عليها السلام في الشرق الأوسط، وهي تأييد الشعب الفلسطيني في كفاحه من أجل استرجاع حقوقه المغتصبة من خلال:  حق العودة إلى وطنه، وحق تقرير المصير، وحق إقامة دولته، واسترجاع الأراضي المحتلة . وقد أعلن وزير الخارجية الصيني عام 1986 تأييد الحل السلمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي بقوله " إننا نؤيد المفاوضات السلمية التي تخدم الحل العادل والشامل لمشكلة الشرق الأوسط"

لم يتوقف الأمر عند تشجيع بكين للحل السلمي، بل حصلت اتصالات دبلوماسية بين الصين وإسرائيل، وصولا إلى تبادل الاعتراف الدبلوماسي وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة في كانون الثاني عام 1992.

وقد وضع الرئيس الصيني “شي جين بينغ”   الرؤية الصينية ذات النقاط الأربع حول تسوية القضية الفلسطينية خلال مباحثاته مع الرئيس الفلسطيني “محمود عباس”،عام 2013 كما يلي:

أولاً: يجب التمسك بالاتجاه الصحيح المتمثل في إقامة دولة فلسطين المستقلة والتعايش السلمي بين دولتي فلسطين وإسرائيل، ويجب إقامة دولة مستقلة ذات سيادة كاملة على أساس حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

ثانياً: يجب التمسك بالمفاوضات بوصفها الطريق الأوحد الذي يؤدي إلى السلام الفلسطيني – الإسرائيلي.

ثالثاً: يجب التمسك بثبات بمبدأ “الأرض مقابل السلام”.

رابعاً: يجب على المجتمع الدولي أن يقدم دعماً قوياً لدفع عملية السلام، ويتعين على الأطراف المعنية في المجتمع الدولي أن تشدد على الشعور بالمسؤولية حيال القضية، وتتخذ موقفاً موضوعياً ومنصفاً وتعمل بنشاط على النصح بالتصالح والحث على التفاوض.

أما اليوم وخلال الاعتداءات الإسرائيلية على حي الشيخ جراح، وصولا إلى القصف الإسرائيلي الوحشي المستمر لقطاع غزة، فقد انتقدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية "هوا تشون يينغ" في مؤتمر صحفي، السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية  قائلة "إن الولايات المتحدة تقول دائما إنها تهتم بحقوق الإنسان للمسلمين، والآن تكرر الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وقد تضرر عدد كبير من الفلسطيننين من الحرب ولكن لا تكترث الولايات المتحدة لمعاناتهم وتعيق بشدة قضيتهم"

لا يشكّل ما سبق ذكره مجرّد سياق تاريخي لوصف موقف جمهورية الصين الشعبية من القضية الفلسطينية، وإنما هو تجربة لدولة تغيّر موقفعها من القضية تبعا لتغيّر حالتها الداخلية، فدعمت الثورة عندما كانت ثوريّة، وأيّدت السلام عندما التفتت لقضاياها الداخلية، ومن ثم بدأت ترفع صوتها عاليا في مجلس الأمن عندما أصبحت قوة عظمى. صحيح أن العلاقات الصينية الاسرائيلية تقدمت كثيرا خصوصا في المجالات التكنولوجية والخبرات العلمية والزراعية والتقنية والعسكرية وغيرها، لكن الصحيح أيضا ان العلاقات الصينية العربية أكبر حجما وأهمية خصوصا لمستقبل طريق الحرير. الصين تبحث عن مصالحها على أساس العدالة الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فهل يفعل العرب أيضا ذلك للحفاظ على دعم دولة كبيرة حيال قضية من المفترض أن تكون قضيتهم الأولى؟

الكاتب

لجين سليمان -الصين إعلامية وباحثة جامعية

الكاتب:لجين سليمان

  • للمشاركة