Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

الصين بين السعودية ونصرالله  

3209
news room April 1,2021

لعبة الأمم

سامي كليب:

                  تحرص الصين على أن لا تُحسب على أي طرف، لا في الشرق الأوسط ولا في لبنان. وهي قبل ترسيخ علاقاتها مع إيران ، كانت نسجت علاقات واسعة مع السعودية منذ الزيارة الأولى التي قام بها الملك محمد بن سلمان حين كان وليا للعهد الى بكين.  ويُحرجها  بالتالي أن يحسبها أي طرف عليه. لكن منذ فترة انقسم اللبنانيون، وعلى معهود عادتهم، بين قائل إن الخلاص يكون بالتوجه شرقا وهو يعتقد بأن بكين ستكون حليفا له، وبين رافض هذا التوجه، ليس كرها بالصين وإنما أولا لعدم ازعاج الحليف الأميركي وثانيا لأن أمين عام حزب الله ا هو الذي بادر الى الحديث عن أهمية الاتجاه صوب الشرق.

               في خطابه الأخير لمناسبة ذكرى الشيخ أحمد الزين، قال أمين عام حزب الله إن أميركا في مرحلة الأفول وشرح مجددا أهمية التوجه شرقا، موحيا بأن خلاص لبنان لن يكون الا في الشرق.  واليوم في صحيفة " الشرق الأوسط"، كتب أحد أبرز الكتّاب السعوديين عبد الرحمن الراشد أن :"  السعودية هي مصدّر البترول الأكبر للصين، ومن المتوقع أن تكبر حصتها في السوق الصينية مع تزايد واردات الصين البترولية إلى أكثر من 16 مليون برميل قبل نهاية هذا العقد" وقال أيضا إن :" واشنطن تفقد حلفاء مهمين نتيجة سياساتها معهم، مثل السعودية وتركيا ومصر، وبإصرارها على التدخل في شؤونهم الداخلية باسم القيم الأميركية. عدا أن الولايات المتحدة لم تعد سوقاً مهمة لدول النفط".

           نفهم من هذه الطرفين العربيين المتناقضين حاليا، أي السعودية وحزب الله، أنهما مقتنعان بأفول أهمية الدور الأميركي في المنطقة، وبوجوب تعزيز العلاقة مع الصين، وهو كلام مهم يأتي على خلفية ما أثير من تأويلات، بعضها صحيح وكثيرها يغالي بشأن الاتفاق الصيني الإيراني،  فالصحيح هو أن الاتفاق استراتيجي ومفصلي، والمغالاة هي في القول أن الصين أصبحت بالتالي حليفا لإيران ومحورها دون غيرهما.

        هنا ندخل الى كارثة التحليل اللبناني، وانقسامه بين مؤكد أن الصين باتت حليفا لحزب الله لكونه أكثر المنادين بالتوجه شرقا، أو شاجب لذلك التحالف الذي يعتقد بأن هذا التحالف ( الوهمي) بين بكين والحزب سيزعزع التوازن الداخلي.

     في المعلومات أن الصين تواصلت مع كل الأطراف اللبنانية بلا أي تمييز. فسفيرها أو موفدوها التقوا القوات اللبنانية والكتائب والبطريرك بشاره الراعي، تماما كما التقوا الثنائي الشيعي وجبران باسيل ووليد جنبلاط.  ولعل غبطة البطريرك كان من أكثر المتحمسين لمساعدة بكين على تنفيذ مشاريع في لبنان طالما أن الآخرين يحجمون وأن الشعب بحاجة ماسة لأي مساعدة.

           وقد يكون مفاجئا أن أكثر الذين تحفظوا أو عارضوا هذه المشاريع كان رئيس التيار الوطني الحر الوزير باسيل حليف حزب الله المنادي بالتوجه شرقا، ليس رفضا للصين ومشاريعها وانما قناعة منه آنذاك بضرورة عدم اثارة واشنطن وهو في طريقه  صوب الحلم الرئاسي.  ولعل رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري كان هو الآخر متردّدا ومتحفظا في البداية للأسباب نفسها، اما رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي فهو يُدرك أهمية الدور الصيني لكنه، وفق مصادر موثوقة، يُدرك أن ثمة مرحلة حالية لا بد من تقطيعها باقل خسائر دولية ممكنة ولا يجب بالتالي اثارة واشنطن، وهو أيضا موقف القوات رغم ترحيبها بالمشاريع الصينية.  

            لا تريد الصين أن تُحسب على حزب الله أو غيره. وهي في دوائرها الدبلوماسية تميل صوب المؤسسة الوحيدة التي ما زال القسم الأكبر من اللبنانيين متآلفا وملتفّا حولها، أي الجيش. ولذلك فهي تمرر المساعدات الطبية وغيرها عبره فقط، لا بل كانت تريد أن تقدم له 400 آلية عسكرية، لكن حذر الجيش من الغضب الأميركي أو إيلاءه الأهمية الأولى للوضع الصحي والانساني ، قد يكونا حوّلا هذه الهبة الى مساعدات طبية.

لو رصدنا بعض المشاريع التي نفّذتها الصين، فهي لم تكن لها أي علاقة بحزب الله، ومنها مثلا معهد كونفوشيوس في الجامعة اليسوعية، ومشروع تدريب النساء على عدد من الأعمال بالتعاون مع الأمم المتحدة، وهبة86 مليون دولار للكونسرفاتوار الوطني مع دار أوبرا، ومليون دولار لمساعدة العائلات بعد تفجير المرفأ وغيرها.  

وما قاله رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع قبل أيام صحيح من أن الصين لم تتقدم الى مناقصات، ذلك أن بكين تعرف خطورة الوضع اللبناني حاليا وهي لا تغامر عادة في دول غير مستقرة، وقرارات الاستثمار تخضع لرأي التقدير الأمني عندها. وهي كما كل دول العالم قلقة على لبنان وترغب بالمساعدة والاستثمار حين تستقر الأوضاع ، لكنها حتما لا تريد أن تكون مع طرف ضد آخر. وهذا بدا واضحا حين تم طرح اقامة مستشفى ميداني صيني في أحد اجتماعات مجلس الوزراء ، وسعى أحد الأطراف لاحتكاره، فتراجعت بكين كي لا  يبدو الأمر لصالح طرف ضد الآخرين.

باختصار ان الصين تريد علاقات مع ايران والسعودية، وتريد علاقات مع القوات وحزب الله، وتريد علاقات مع سوريا واسرائيل... الخ ... وقد يُحرجها فعلا أن يعلن أي طرف أو يوحي بأنها أقرب اليه من غيره. هي وكما قلنا في مقال الأمس لا تريد الركوب في عربة واحدة.

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة