Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

السجينة التي قهرت السجن

964
news room April 6,2021

ديانا غرزالدين 

بعد نحو نصف قرن، ما زالت أسرار مقتل الجنرال المغربي محمد أوفقير في القصر الملكي غامضة، تماما كغموض كيفية هروب عائلته التي سُجنت انتقاما مما قيل انها محاولة انقلاب فاشلة نفذها أوفقير ضد الملك الحسن الثاني. وهو الانقلاب الذي بقي أيضا غامض الظروف والملابسات، خصوصا بشأن علاقة اوفقير به، وسبب انقلاب سنوات القرب الطويلة مع الملك الى محاولة قتله باسقاط طائرته. لكن قلّما طغت رواية من أدب السجون على الحادث نفسه كما هو الحال مع " السجينة" التي لا تخترع شيئا من الخيال، وانما تروي واقع عائلة رُميت أكثر من 15  عاما في غياهب السجن الرهيب   في الصحراء المغربية بعد ثلاث سنوات من الاقامة الجبرية، فكانت تفاصيل يومياتها أغرب من الخيال .

من رفاه القصور و دلالها و الحياة المخملية، الى بؤس السجون و عتمتها وجورها و قذارتها. وقائع مستعادة في   كتاب "السجينة " المزدوج التوقيع بين مليكة اوفقير إبنة الجنرال التي تولّت تربية أخوتها في السجن بدلا عن أمهم التي ولاسباب مجهولة أيضا سلّمت الدفة داخل السجن لإبنتها، و الكتابة الفرنسية التونسية ميشيل فيتوسي  

هي  رواية حقيقية مؤلمة و مأساوية لعائلة الجنرال اوفقيرالذي كان وزير الدفاع ووزير الداخلية في المملكة المغربية و اليد اليمنى للملك محمد الخامس ثم لنجله الملك الحسن الثاني.

مليكة،هي كبرى اخوتها الخمسة، اخذها الملك و هي بعمر الخامسة من حضن ابويها و تبناها شقيقة لابنته  ( وهذه عادة معروفة وقديمة في العرش حيث يُمكن للملك أن يختار أي طفل مغربي ليرعاه في قصره بعيدا عن أهله). تربت مليكة بين اروقة القصر و عاشت حياة الاميرات لمدة ١١ عاما عرفت خلالها مباهج و ترف حياة القصور.  لكن بين ليلة و ضحاها انقلب عالمها راسا على عقب.

تناقضت الروايات حول الانقلاب الفاشل ومقتل الجنرال اوفقير. قيل انه سلّم نفسه غداة فشل الانقلاب للملك الحسن الثاني وانتحر  بإطلاق الرصاص على نفسه ، وقيل انه بعد وصوله الى القصر الملكي لمقابلة الملك ، اعترضت طريقه والدة الملك الغاضبة و قامت بأخذ مسدسه منه و افراغ الرصاص في صدره .  وقيل إن الملك نفسه أطلق الرصاص عليه، وقيل أن أحد ضباط الملك قام بالمهمة.  لكن مقتله بقي أسهل مما عاشته عائلته المؤلفة من زوجته فاطمة ( وهي أيضا كتبت روايتها وتوفيت عام 2013 عن 78 عاما )  و ستة اطفال اصغرهم لا يتجاوز الثالثة من العمر. نفيوا جميعهم الى عمق الصحراء المغربية و الى سجون قذرة عانوا فيها الاضطهاد و الجوع و البرد و الامراض لنحو 15 عاما و حرموا من كل سبل التواصل مع العالم الخارجي بعد ان صودرت كتبهم و مذياعهم الوحيد.

لم يعرف أحدٌ شيئا عن العائلة طيلة تلك السنين. ولا أحد عرف أين يوجد اصلا السجن السرّي، ولم تنفع كل الضغوط الدولية والتحقيقات الصحافية في معرفة أي شيء عما يحصل هناك قبل اكتشاف أمر سجون الصحراء وفي مقدمها " تزمامرت" في السنوات الأخيرة لعهد الملك الحسن الثاني. وهو عهد تميّز بالقسوة المفرطة بعد أن تعرّض الملك لمحاولتي انقلاب. ولم تنفرج الأوضاع وتفتح نوافذ التعددية وحرية الاعلام والحريات السياسية سوى بعد وصول الملك محمد السادس الى الحكم.

وقد بقيت القصة أيضا مثار جدل بين المغاربة، ذلك ان الملك شبه مقدّس عندهم، ولذلك فكثيرون بينهم تعاطفوا معه لا مع العائلة، على إعتبار أن اوفقير الذي جاء بالأصل من الجيش الفرنسي لخدمة الملك محمد الخامس، طعن اليد التي مُدت اليه. لكن الأكيد أنه حتى اليوم لا أحد يعرف الاسرار الكبرى بين الملك الحسن الثاني والجنرال اوفقير، وعن دور فاطمة زوجة الجنرال في إيصال الأمور الى ما وصلت اليه.

في السجن ابدت مليكة، و لم تكن تتجاوز الثامنة عشرة،  صلابة و قدرة تحمل و قيادة تدعو للاعجاب..اخذت على عاتقها الاهتمام باخوتها و تثقيفهم و تعليمهم من داخل السجن و استفادت من سنوات تربيتها في القصر على اداب السلوك وحسن التربية و اثبتت ان حياة السجن كانت مغذية لطموحاتها رغم اوقات اليأس و محاولات الانتحار، و رغم منعهم من رؤية بعضهم البعض داخل السجن لعدة سنوات . وفي مراحل اللقاء بقيت تروي لأخوتها رواية يومية كي يحافظوا على الأمل.

قالت في أوقات اليأس والجوع :

·     " عندما انتزعوني من حضن امي جردوني الى الابد من الطمأنينة و السكينة و هجّروا طفولتي و اطفئوا في عيني بريق الفرح"

·     “ تبا للجوع و سحقا له، كم يذل الانسان و يحط من قدره؛ انه ينسيك اهلك و عائلتك و اصدقاءك، و يجردك من كل قيمك و مبادئك و ينتزع منك كرامتك و انسانيتك، اذ يحولك الى وحش بشري لا يأتمر الا بغريزته "

 كانت الآمال القليلة والأحلام الكثيرة، تترافق مع  ثورات العائلة  و غضبها المكبوت و رغبتها بالحياة و الحرية و الحب. ثم حصلت عملية الهروب الكبرى، التي بقيت هي أيضا غامضة، فالبعض قال انه كان من المستحيل الهرب من ذاك السجن، وان العملية كانت مُدبرة لحفظ ماء وجه السلطة، ولكن مليكة وأخواتها ومحاميهم أكدوا انها عملية هروب دقيقة وتم التخطيط لها قبل سنوات طويلة .   الشقيق الصغير فوجيء بكثير مما رآه في خلال الهروب، فلم يكن قد شاهد قط الطبيعة ولا أي شيء من أمور الحياة الأخرى.

بعد خروجهم من السجن بخمس سنوات رحلت مليكة و عائلتها الى فرنسا و هناك التقت بالكاتبة الفرنسية ميشيل فيتوسي و اتفقتا  على تأليف الرواية باللغة الفرنسية التي ترجمت لاحقا الى العربية ثم الى لغات عالمية كثيرة  و حققت الكثير من الايرادات.

كتاب يطرح جدلا حول الظلم البشري، ومدى الجور الذي يُمكن أن يُمارسه أنسان ضد آخر، ، كما يطرح أسئلة كثيرة حول استبداد الحكم المُطلق وسط صمت العالم وتآمره حين تكون مصالحه أهم من الأخلاق والمباديء.

--------------------------------------------------------------

ملاحظة : يُمكنكم العودة الى المقابلة الشاملة مع مليكة اوفقير التي روت فيها قصة حياتها في برنامج " زيارة خاصة " على شاشة الجزيرة بعيد نشر كتابها.      

الكاتب

ديانا غرز الدين تصميم غرافيك واعلانات خرّيجة الجامعة الأميركية اللبنانية ومهتمّة بالأدب العربي والعالمي

الكاتب:ديانا غرز الدين

  • للمشاركة