Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

 الشوكولا حلاوة الأفواه ومرارة الأطفال

892
news room January 19,2021

روزيت الفار-عمّان

هي رمز المذاق السلس والرومانسية والرفاهيّة. متعة للحواس الأربع، لا ينقصها الا السمع. تعيد برمجة مزاج متذوّقيها نحو الأجمل. تذوب في الأفواه لتنعش الطاقة والنشوة والشعور بالسعادة. هذا في ظاهرها جميل. اما في ما خلفها، فقصصٌ من البؤس والفقر وعبودية الأطفال

 أكبر الشركات العالميّة انتاجاً لسلعة  الشوكولا التي يزداد الطلب عليها   وتُقدّر أرباحها بمليارات الدولارات، يُجبر أطفال الدول المنتجة للعمل بشروط قاسية وأجور زهيدة. هم أطفال غرب افريقيا وغانا وساحل العاج، فمن هناك يُستخرج 70% من الانتاج العالمي للكاكاو الذي بدونه لا يوجد شوكولا.

 يعمل أطفال هذه الدول في جمع ورفع ونقل المحاصيل بأوزان ثقيلة لمسافات بعيدة ولساعات طويلة تمنعهم عن اللهو والتمتع بحياة الطفولة وتمنعهم خصوصا من تلقّي التعليم فتُبقي مستقبلهم مرصودا للبؤس والفقر وسوء الحال. لم تنفع كل  دعوات ادانة هذا السلوك اللإنساني وإيقافه مثل "بروتوكول هاريكن-انجيل" ، في وقف هذه المأساة لأطفال في ربيع العمر ومقتبل الدنيا.

 

تاريخ الشوكولا:

 

كانت حضارة المايا التي سكنت أمريكا الوسطى (هندوراس وغواتيمالا وأجزاء من جزر المكسيك) في عصور ما قبل الميلاد وبعده، في طليعة  الحضارات  التي عرفت شجر الكاكاو واستخدمته كمشروب ساخن مُرّ اعتبرته نعمة من  الإله؛ فكان يُقدّم في المناسبات الدينية  بأوعية فخّارية منقوش عليها "كا-كا-و" بأحرف لغتهم، الأمر الذي ساعد فيما بعد بفك شيفرة تلك اللغّة. ثم تلتها حضارة الأزتِك أو "مكسيكا" والتي وصلت  الى أوجها في القرنين 15 و16 م  وسكنت في ما يُعرف الآن بوادي المكسيك.

 

أضاف أبناء حضارة الأزتك الى الكاكاو، توابل الفلفل الحار وكان شراباً مقتصراً على طبقة الحكّام والنخبة؛ يكافئون به الجيوش المنتصرة. هم ايضا اعتبروه شراباً سماويّاً يدهنون به أجسام أطفالهم بهدف نيل البركة لمستقبلهم. قيل أنه كان لِ"مونتيزوما" أحد ملوكهم، خمسون خليلة حسناءَ  فكان يحتسي خمسين كأساً منه يومياً ليزيد نشاطه الجنسي، فصار لذاك المشروب العجيب شهرة واسعة بين الرجال.

لم يتعرّف الغرب على هذه البذور إلا بنهاية القرن 15م بعد غزو الإسبان للعالم الجديد، فجلبوا معهم تلك الحبوب في طريق عودتهم  الى بلادهم. تقول احدى الروايات أن الرحّالة العالمي كريستوف كولومبس عاد من رحلته الرابعة محمّلا ببذور الكاكاو.  

 يُعتبر الإسبان  أول من قام بتحلية شراب الكاكاو بالسكر والعسل والفانيلا وجعلوا طعمه لذيذاً ومستساغاً. فصارت إسبانيا بوّابة دخول المحصول الى باقي دول أوروبا.

أما صناعة الواح الشوكولا المتماسكة، فلم تتبلور إلا بعد الثورة الصناعيّة وإدخال الآلة، وكان البريطاني "ج.س. فراي" أول من قام بذلك عام 1847. ثم السويسري "هنري نستلة" الذي أدخل الحليب المجفف لتلك الصناعة وبعده "رودلف ليندت" الذي اكتشف معالجة جديدة للتصنيع أخرجت المنتج بشكل مرن قابل للقضم وبقوام أملس لامع. ( ما تزال ماركة ليندت حتى اليوم احدى اشهر ماركات الشوكولا العالمية)

 

 لاحقا، تنافست الدول على إنتاج الأجود من انواع الشوكولا ، فتمايزت سويسرا وبريطانيا وبلجيكا وأمريكا ما أدّى الى ظهور انواع مختلفة من هذ الاكتشاف اللذيذ، ن كان لجهة المذاق او الألوان، وصار بعضه يدخل في عدد من انواع الطبخ. فلو ذهبت مثلا الى المكسيك، قد تُفاجأ بطبق الفاصوليا بالشوكولا.    

عدا عن فوائد هذه المادّة الغذائيّة -سليلة أمجاد شجرة الكاكاو القديمة- الصحيّة، فهي إحد المكوّنات الرئيسة للكثير من أنواع الحلوى التي تجعل عالمنا أحلى. وهي للعاشق لغة حين تغيب عن لسانه الكلمات. هي أجمل هدايا للحب وأبقاها أثراً. هي إيفاءُ العشّاق لنذور حبّهم أمام المحبوب؛ فكما في كل قطعة منها لذّة وحلاوة؛ كذلك هي الحال في حبِّهم الذي يهدونه للحبيب. لكنَّ حلاوة الشكولا بعد زمن قصير تزول، ويبقى الحب... بحلاوته... أبديّاً لا يزول...

فكروا بالشوكولا لعيد العشّاق القريب. فلن نترك كورونا يهزم شعلة الحب في قلوبنا ولا مذاق الشوكولا في أفواهنا. لكن ونحن نتذوق هذا المنتج اللذيذ، علينا ان نفكر بكيفية مساعدة وانقاذ الأطفال من العبودية الحديثة، وليتنا نقترح ان يذهب دولار واحد من كل علبة شوكولا الى تلك الدول الفقيرة لكي تقام مدارس لتعليم الاطفال ومؤسسات ترعاهم وترسم لهم مستقبلا أجمل. فسعادة الانسان الحقيقي ناقصة اذا اقتصرت عليه دون ان تشمل غيره خصوصا من فقراء وبؤساء هذا العالم. 

الكاتب

روزيت الفار كاتبة-الأردن

الكاتب:روزيت الفار

  • للمشاركة