Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

الشعب اللبناني والدكتاتورية المقنّعة

1477
news room March 29,2021

لعبة الأمم 

سامي كليب:

كنتُ أقرا جدلا حول حديثٍ قيل إنه مقدّس وتبين لاحقا أنه غير صحيح وغير مُسند، يقول : " يَا عَبْدِي، أَنْتَ تُرِيدُ وَأَنَا أُرِيدُ، وَلَا يَكُونُ إلَّا مَا أُرِيدُ، فَإِنْ سَلَّمْت لِي مَا أُرِيدُ أَعْطَيْتُك مَا تُرِيدُ، وَإِنْ لَمْ تُسَلِّمْ لِي مَا أُرِيدُ أَتْعَبْتُك فِيمَا تُرِيدُ، وَلَا يَكُونُ إلَّا مَا أُرِيدُ".

وجدتُ هذا الكلام غير المعروف المصدر تماما، ينطبق بحرفيته على مجموعة كبيرة من السياسيين والزعماء والقادة اللبنانيين منذ ما قبل الاستقلال وما قبل قيام لبنان الكبير حتى اليوم. كما أنه ينطبق على معظم القادة العرب منذ إستقلال الكثير من الدول العربية، الاّ ما ندر. فهم يفعلون ما يريدون والشعب ينفذ ما يشاؤون، الا ما ندر.

سوف أسوق لبنانَ مثالا، ليس فقط لأنه وطني، وإنما لاعتقاد كثيرين فيه أننا نعيش أفضل واقع ديمقراطي وأهم حريات في الوطن العربي وهو غير صحيح، لماذا ؟

لو انطلقنا من التعريف العلمي للدكتاتورية فهي :" أن يُمارس شخص أو مجموعة أشخاص السلطة المُطلقة وفق ما يريد ( أو يريدون) دون رقابة وبطريقة عشوائية أو تسلطية أو حتى جائرة ".

التعريف مناسبٌ تماما لكل التجربة السياسية اللبنانية. فالطوائف بشكل عام محكومة من قبل شخص أو مجموعة أشخاص، ومعظم المذاهب محكومة تقريبا من قبل شخص واحد. هذه أحوالها منذ عهد المتصرّفية والمقاطعجية حتى اليوم. هؤلاء يمارسون ما يريدون دون رقابة وغالبا بشكل جائر. 

هذه بعض نماذج الدكتاتورية وليس جميعها؟  

·     الدكتاتورية المذهبية : لا يستطيع إبن أي مذهب ( حتى لو كان علمانيا وغير طائفي) أن يُعارض قائد هذا المذهب، دون أن يتعرّض ليس لغضب   المسؤول او الزعيم او القائد وإنما ايضا لغضب الناس التابعين لقائدهم حتى ولو كان مضمون المُعارضة هو لأجل هؤلاء الناس. اللافت أن المُعارض لو فعل الشيء نفسه مع زعيم آخر  لمذهب آخر وساق الأسباب نفسها سوف يهلل له أتباعُ مذهبه. هذا يُشير الى أن الكثير من اللبنانيين يهتمون لأمر زعيمهم أكثر من اهتمامهم لقضية تؤثر عليهم، وهم بذلك خاضعون دون أن يدروا لما يسمّيه المفكر وعالم الإجتماع الجزائري الفذ مالك بن نبي : " العبودية الطوعية" 

·     الدكتاتورية المؤسساتية . هذه  تُمارس أيضا في مؤسسات الدولة كافة. ذلك ان شخصا أو مجموعة أشخاص تلتقي مصالحهم، هم الذين يقرّرون من يدخل هذه المؤسسة ويوُظّف فيها أم لا. وهي دكتاتورية تُفرض بأبشع صورها، ذلك أن الكفاءة لا تكون هي المقياس دائما وإنما مدى تبعية هذا الموظف لقائدة ومدى ولائه له حتى لو أضرّ بالمؤسسة التي يعمل فيها. كما أن المسؤول في المؤسسة الذي يتعرّض لدكتاتورية مَن عيّنه، يُمارس بدوره دكتاتوريته الخاصة على الموظّفين، بحيث غالبا ما نجد أن ممثل هذا الحزب او الحركة او التيار، هو فقط صاحب الكلمة الفصل حتى ضد من هم أكثر كفاءة.

·     الدكتاتورية الحزبية . معظم الأحزاب اللبنانية الكبرى ترفع شعارت الديمقراطية والتغيير، بينما في الداخل تُمارس دكتاتورية مقنّعة، فنلاحظ أن معظم العائلات التاريخية تستنخ نفسها على رأس هذه الأحزاب والحركات، ويقرّر القائد في معظم الأوقات ما يريد دون استشارة أو استفتاء حتى داخل حزبه، واذا صودف ان قائد الحزب من غير العائلات، فهو سُرعان ما يتحول الى دكتاتور وتحصل انشقاقات. وغالبا ما يحيط نفسه بمجموعة من المهلّلين وليس الذين يواجهونه بالنقد البنّاء أو بالدعوة للتصحيح. وغالبا ما يبقى عقودا على رأس تنظيمه دون اي رغبة بالتناوب وذلك بذريعة ان القاعدة هكذا تريد.  معظم أفكار هذه الأحزاب مهمة ورائدة، ولكن في التطبيق يختلف الأمر تماما. أما الأحزاب الأخرى فقد فقدت الكثير من شعبيتها نظرا لعدم انتمائها الى المذاهب او العائلات التقليدية.  

·     الدكتاتورية الدينية. لا يستطيع أي شخص أن يُعارض رجل الدين في طائفته دون أن يتعرّض لغضب المجموعة الدينية التي تقود طائفته وأيضا غضب الناس التابعين لهذا الدين. لكن في معظم المحطات الرئيسة في لبنان، بقي رجال الدين الى جانب الطبقة السياسية المتحكّمة برقاب الناس. وهم يتربعون على عرش واحدة من أكبر الثروات الوطنية وهي الأوقاف التي لو تم تسييلها لانقذت جزءا جيدا من الاقتصاد اللبناني.  صحيح أن بعض رجال الدين كانوا اصلاحيين ( مثلا المطران جورج خضر)  وبعيدين عن النمط التقليدي للسياسة ولكن تأثيرهم بقي محدودا ( ربما باستثناء الإمام موسى الصدر)، أما الاخرون فدخلوا في اللعبة السياسية التي لم تخدم الديمقراطية بأي شكل من الأشكال. 

·     الدكتاتورية الانتخابية. هذه أسوا أنواع الدكتاتورية المقنّعة،  ذلك ان القوانين الانتخابية منذ الاستقلال حتى اليوم تفرض على الانسان فرضا أن يكون طائفيا ومذهبيا، فيترشح على أساس مذهبي ، وينتخب أيضا وغالبا على هذا الأساس. من لا ينتخب زعيمه أو قائده أو مسؤوله  المذهبي في قريته، سُرعان ما يُكشف أمره ( وغالبا بسبب التزوير أو بسبب المراقبة الدقيقة من ممثلي القيادات) ويتعرّض للتشهير أو للنبذ.

·     الدكتاتورية الإعلامية. عُرف لبنان تاريخيا بحرية إعلامية كبيرة، لكنها في الواقع تراوحت بين الفوضى وبين دكتاتورية مقنّعة. صحيح أن الإعلامي يستطيع أن يقول ما يريد وضد من ُيشاء، لكنه يُمارس ذلك في حدود مشيئة صاحب مؤسسته دون القدرة على التمتع بهامش حرية واسع.  في معظم الأوقات كان أصحاب المؤسسات يخضعون لسلطة مالية محلية أو خارجية ويمارسون دكتاتوريتهم المُباشرة أو المقنّعة داخل المؤسسة. فيتم مثلا طرد أي صحافي دون القدرة على حماية حقوقه، وذلك في ظل ضعف النقابات في مواجهة الأخطبوط السياسي-المالي، أو لحسابات مصلحية أخرى.  

·     الدكتاتورية الخارجية. الطبقة السياسية التي مارست دكتاتوريتها الفردية أو الجماعة على الناس، خضعت بدورها( ومرارا بذل كبير)  لدكتاتوريات خارجية إما بمشيئتها أو بالقوة، وذلك بغية تأمين مصالح انتخابية أو سياسية أو مالية. يكفي أن نذكر حقبتي غازي كنعان ورستم غزالة، واللتين رصدهما بشكل دقيق الرئيس إيلي الفرزلي في كتابه "أجمل التاريخ كان غدا".  أو الفترة الاسرائيلية، او التدخلات الدولية الكبرى لندرك حجم الكارثة. فلولا هذا الموروث، لما قبلت هذه الطبقة أن تُهان من قبل الرئيس الفرنسي وتؤنب بسبب فشلها.  في فيلم " سلام سينما" للمخرج الإيراني الفذ مسحن مخملباف والذي عاش طويلا في السجن، نجد أن بطلة الفيلم التي تتعرض لجور الرجال، تُمارس أسوأ جور عليهم حين يُفسح لها المجال لممارسة دكتاتوريتها وهي تختار الممثلين.

·     الدكتاتورية التربوية. مارسها القطاع الخاص من جامعات ومدارس ومعاهد بدقة متناهية، بحيث كان التعليم الخاص في لبنان من أغلى التكاليف في العالم، دون القدرة على صدّه أو حتى التخفيف من تسلّطه. أما التعليم الرسمي ( ورغم أهمية مستوى الجامعة اللبنانية) فقد حورب من قبل الدكتاتوريات السابقة أي السياسية وبعض الدينية والمالية بامتياز. فكان المتخرّج من الجامعات الخاصة هو الأوفر حظا للتوظيف.

هذه فقط بعض نماذج الدكتاتورية المقنّعة، وهناك الكثير غيرها لا مجال لسردها جميعا في هذه العجالة.  لكن اللبناني الذي غالبا ما كان يتعالى على شعوب عربية كثيرة، يعتقد بأنه يعيش في دولة حُرّة ويمارس ما يريد بحرية. لكن الواقع هو غير ذلك تماما، فباستثناء بعض الحريات الشخصية والدينية، مورست ضد اللبناني دكتاتوريات مقنّعة فاقت أي دولة أخرى، فإذا كان القمع والسجن في الدول الأخرى هو الشكل الظاهر للدكتاتورية، فإن لبنان بكامله تحوّل الى سجن كبير بحيث لا يضمن أي حقوق للمواطن الا بقدر قربه من الدكتاتوريات المذكورة آنفا. فالفقير قد يفتقر الى الكهرباء والمياه الصحية والضمان الإجتماعي والتعليم والحماية الشخصية، تماما كالسجين في أقبية الدكتاتوريات. 

الشعب اللبناني ليس طائفيا، وهذا ما أثبته بإمتياز الباحث الألماني ثيودور هانف حين أكد أن القسم الأكبر من هذا الشعب يؤمن بعلمانية الدولية، لكن بلا هذه الطائفية ما كانت الدكتاتورية قادرة على العيش والاستمرار، ولما كانت الزعامات والقيادات والأحزاب التقليدية قادرة على البقاء والانتعاش بعد كل حرب ومصيبة.

مورست ضد هذا الشعب كل أنواع الدكتاتورية، وهو إما لم ينتبه الى حجم الظُلم اللاحق به، أو اصيب بمتلازمة ستوكهولم حيث ان السجين يتعلّق بسجّانه، أو يعتقد أنه عاجز عن التغيير. لذلك نرى أن قسما بسيطافقط من الناس يتحرّك في الشوارع ضد هذه الدكتاتوريات، بينما القسم الأكبر يصمت ويعض على الجرح ويقبل على مضض اعتقادا منه بأن لا بديل عن هذه الدكتاتوريات للقمة عيشه. لذلك فان الذين يتظاهرون (ولو بفوضوية ودون مشروع وقيادة) لهم أجران، الأول أنهم يخرجون على هذه الدكتاتوريات، وثانيا يدافعون عن كل الصامتين. 

أليس غريبا أنه في بلد يدّعي أنه رمز الديمقراطية في المنطقة، لم تُمارس هذه الديمقراطية الشعبية ولا مرة، ولا نصف مرة، بشكلها الصحيح؟ أتعرفون لماذا ؟ بكل بساطة لأن الدكتاتوريات تركت الشعب يقول ما يريد، وهي كانت تفعل ما تُريد. وغالبا ضد ما يُريد. 

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة