Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

الصداقة الافتراضية في الزمن التكنولوجي

603
news room September 22,2020

 روزيت الفار : 

من مبدئيّة وحتميّة الصفة الاجتماعية للإنسان الذي خُلق لا ليعيش منعزلاً بل متفاعلاً ضمن جماعة؛ شرع الفلاسفة وعلماء الاجتماع والنفس منذ القدم وحتّى يومنا هذا بدراسة وتنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات الصغيرة والكبيرة لتغطّي المجتمعات الدوليّة والدول كافّة.

ومع قفزِة المتسارع نحو الحداثة والتطوّر التكنولوجي الرقمي، أصبح العالم "قرية كونيّة صغيرة يحمل فيها الإنسان هويّة رقميّة تخوّله لدخول هذا العالم الافتراضي والتفاعل معه أينما كان ومتى شاء" حسب وصف البروفسور الكندي مارشال ماكلوهان -والذي أُعتبر عرّاباً للثورة التكنولوجيّة في عالم الإعلام والاتصال الحديث- بنهاية خمسينات وبداية ستينات القرن الماضي.

شملت الرقميّة جميع مناحي الحياة وظهرت مفردات وتعابير وأنماط حياة جديدة ترتبط بها وتحمل صفتها، فكان هناك العمل والدراسة والمعالجة الطبيّة وعمليّات التسوّق والعمليّات البنكيّة والمعاملات الحكوميّة والرياضة وحتى عقود الزواج أصبحت جميعها افتراضيّة ومن ضمنها بالطبع مفهوم "الصداقة" والتي بتعريفها العام السليم "علاقة غير تنافسيّة تنشأ بين إنسان وآخر او بين مجموعة أفراد وأخرى مبنيّة على المحبّة والوفاء والصدق والمشاركة من شأنها بعث السعادة وتوفير الدعم المادّي والمعنوي لطرفي أو أطراف العلاقة. يعتبرها بعض المفكرين أهم أسباب السعادة وإحدى النِعَم عند الإنسان وتأتي قبل الصحّة والنجاح وتشكّلُ جزءً أساسيّاً من شخصيّة الفرد. يقول الطبيب الكندي متعدد المواهب وأبو الطب الحديث ويليام أوسلر:إن الإنسان يبدأ بالشيخوخة حين يتوقف عن السعي لكسب أصدقاء جدد.

يطمح مارك زوكربيرغ مؤسّس فيسبوك -أكثر مواقع التواصل الاجتماعي نشاطاً- أن يصل عدد المستخدمين إلى 5 مليارات من أصل 7 وهم عدد سكان العالم قبل نهاية 2030. وحسب  Global Web Indexاللندنيّ لعام 2019 فأن نسبة استخدام الشبكة الإلكترونية ارتفعت لتصل 60% وبأن الفرد يقضي ثُلثي هذا الوقت على مواقع التواصل الاجتماعي وأن 30% من مستخدميها بين 16-24 عاماً. ونشرت منصّةHoot Suite  العالميّة أن عدد الداخلين للشبكة بلغ 3,484 بليون لعام 2019 منهم 136 مليون عربي.

إن قضاء ثلثي وقت الاستخدام في عمليّة التواصل الاجتماعي يعني بجزءٍ كبيرٍ منه تكوين صداقات وعلاقات افتراضيّة جاءت بمعظمها بناءً على المعلومات الواردة على حسابات أصحابها التي لا يُعرف ماضيهم وحاضرهم وحقيقة هويّتهم. الأمر الذي يُشكّل استحالة تكوين ثقة تامّة لمصادقتهم وينتهي الأمر بخداع وابتزاز للبسطاء والصغار وخصوصاً للفتيات وتنتهي الأمور بشكل كارثي. لكنها قد تؤدي ايضا الى علاقة حقيقية وشفافة وعميقة في حال تخللها الصدق والتحقق من المعلومات بعد اللقاء . 

صحيح أن للصداقة الافتراضيّة مزايا جمّة من توسيعٍ لآفاق المعرفة وتنويعها، وأهميّة في بناء جسور التواصل وتضييق الفجوة بين أفكار وثقافات الأفراد والشعوب وتقريب وجهات النظر والمساهمة في خلق بيئة عالميّة صحيّة يعيش بها الجميع بعيداً عن العنف والعدوانيّة اللذين يخلقهما التعصّب "للأنا" البشري كما الحال عند الكثيرين منّا لكنّ الأمر سينقلب للضّد إن أُسيء استخدام هذا النوع من الصداقات.

يقول البعض "لا يوجد ما يمنع إقامة صداقات افتراضيّة طالما أن هناك صداقات واقعيّة عرضة للخيبة والخداع  وخصوصاً أن بعضاً منها يتطوّر إلى صداقات حقيقيّة ينقصها اللقاء. بالنهاية إن كانت صداقة السوشال ميديا تلبّي متطلّبات وأهداف الصداقة التقليديّة فمرحبا بها، لكن أنّى لها من ذلك الذي توفّره الأخيرة كالوجود الحقيقي المباشر بجانب الصديق في حزنه وفرحه وضيقه وحاجتة؟ أين ذلك منها  كاحتساء فنجان قهوة ومشاهدة مباراة سويّاً أو الخروج بسهرة "الشلّة" يطيب فيها تبادل النكات والقصص وتتعالى الضحكات؟

لم يختبر أصدقاء الانترنت مفهوم "القيمة" الذي تعنيه الصحبة الواقعيّة. فصداقتهم بمعظمها وهميّة تنهيها كبسة زر الإلغاء او المحي أو فصل التيار. لكن هذا لا يمنع ان الصداقة الافتراضية قد تؤسس الى صحبة واقعية، لا بل قد تفوق هذه الصحبة ذلك ان ما سبقها من تبادل للمعلومات والثقافة في خلال التعارف الافتراضي ربما يكون قد أسس لشيء أعمق .  

 

 

 

 

الكاتب

روزيت الفار كاتبة- الاردن

الكاتب:روزيت الفار

  • للمشاركة