Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

السّيزيفيّة الّلبنانيّة "       

628
news room March 30,2021

 د.هدى عيد

" ما أشدّ براءتنا حين نظنُّ أنّ القانون وعاءٌ للعدل والحقّ! القانونُ هنا وعاءٌ لرغبة الحاكم، أو ِبدلة يفصّلها على قياسه" ( محمود درويش).

من الطّريف حقّاً، بل من المضحك المُبكي ربّما، معاينتُنا لهذا الفعل التّكراريّ المُحبط والعبثيّ في آن، الدّائر أمامَ أعيننا الزّائغة، نشهدُه بعد مرورِ ما يفوقُ الثّمانية أشهر، على الانفجار المدّمرِ الّذي رَوّعَ عاصمةَ لبنان "بيروت".

تصدُمنا نفسُ المشهديّةِ الّتي اقتاتت أيّامنا في عام فائت، قصدتُ مشهديّة تأليف الحكومة المستقيلة، وذلك بدءاً من تسمية رئيسها وصولاً إلى التّكليف وانتهاءً بالتّأليف الّذي لم تُتح له فرصةُ حقيقيّةٌ للفعل، ولم يشكّل في لحظةٍ الإنقاذَ المُتمنّى للشّعب الّلبنانيّ.

نعودُ إلى نقطة الصّفر مجدّداً...

 تعودُ الّلقاءات السّرّية المكثّفة، الاستشارات السّريّة المكثّفة، الرّؤوس والأقدام الكبيرة المكثّفة، كلّها تروح وتجيء ، "يمتلكها" وزاءَ ونوّاب صاروا كثيفي الحضور، ثقيلي الظّلال على قلوب وصدور معظم أبناء هذا الشّعب الّلبنانيّ الّذي أبغضَ جزءٌ كبير منه، سيرَهم ومساراتهم، لأنّها لا ولم تمتَّ إلى المصداقيّة، بأيّة حال من الأحوال. الهدف المُرتجى، من كلّ هذه المسرحيّة الممجوجة، هو إعادة استيلاد حكومة جديدة، من رحمٍ مَحليّ مُجدب، ما عادت تُجدي معه محاولاتُ التّلقيح، أو عمليّات الإخصاب!

سيُقالُ إنّ الشّعب الّلبنانيّ أخطأ؛ أخطأ لأنّه هو من انتخبَ وصَوّتَ، وهو من أسهمَ في إيصال هذه المنظومة السّياسيّة القاتلة الّتي استمرأتْ، بفعل مرور الزّمن الطّويل على وجودها في مواقع القرار،  طعمَ دمائه، ودماء أبنائه من الكبار والصّغار على حدّ سواء،  لذلك لا بدّ من تلقيه العقاب، فالعقاب هو شرط الاستمرار. بل سيُهاجَم المواطنُ الّلبنانيُّ لأنّه تزلّف، واستعطى على أبواب حاكِمِيه وظيفةً حكوميّة، أو دخولاً إلى جامعة من الجامعات الكبرى، أو نجاحاً في نقابة المحامين، أو حتّى مهمّة حارس ليليّ في مؤسّسة من المؤسّسات، أو، وأو، وأو؛ فعلَ ذلك بعد سُدّت في وجهه سبل التّوظيف المتعارف عليها، لأنّ مالكي تصريف الأمور في بلاد " مغارة علي بابا القرن العشرين"، فضّلوا أن يجعلوا خدّامهم يقومون، على كلّ الأبواب دونما استثناء، يمنعون من لا يريدونه، أو من لا يداهنهم من حلم الوصول إلى العتبات.  وسيدلي الكثير من المحلّلين باتّهامات لا تُعدّ، ولا تحصى في هذه السّياقات الّتي لا تفلح إلاّ في إغراق مُعَايِنِها في مزيد من الآلام، ومن الانهيارات.

لذلك يفرضُ الفعلُ السّيزيفيّ وجودَه الذّهنيّ – وِفق مبدأ التّداعي-  كتَرمِيز دالٍّ على التّعذيب العبثيّ في نظام حياة الّلبنانيّ/ الإنسانِ المعاصر، وأعني المواطن العاديّ المسالم الّذي لم يسْعَ يوماً لتقبيل يد حاكم، وما حاول طرقَ أبوابه مستجدياً، وحين طُلب منه الاقتراع وِفق قانون سُنَّ بمَكرِ الثّعالب ودمويّة الذّئاب، سارع إلى وضع أوراقٍ بيضٍ، عساها تساهمُ في رفع "الّلا" الّتي تصرخ بها أعماقه، رفضاً منه لكلّ العهر العلنيّ الّذي يُمارَس أمامه، في الّليل وفي النّهار، لكنّ صوتَه وأصواتَ سواه سقطت في متاهات التّجاهل، ونامت في مزابل النّسيان.

        ومن باب الإيضاح لمن لا يعلم - وأفترض قلّةَ مَن لا يعلم - أذكّرُ أنّ "سيزيف أو سيسيفوس كان أحد أكثر الشّخصيّات مَكراً، بحسب الميثولوجيا الإغريقيّة، حيث استطاع أن يخدعَ إلهَ الموت ثاناتوس ما أغضبَ كبيرَ الآلهة زيوس، فعاقبه بأن يحمل صخرةً من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا بلغَ القمّةَ تدحرجت إلى الوادي، ليعاودَ هو رفعها إلى القمّة، ويظلّ يكرّر هذا الفعل العبثيَّ حتّى الأبد، غارقاً في عذابه الّلانهائيّ ".

يشبهُ المواطن الّلبنانيّ المقهور في أمواله المنهوبة، وفي لقمة عيشه المسروقة، وفي كرامته المهانة والمسلوبة، يشبه في هذه الأيّام، سيزيفَ في معاناته وعذاباته، فهو ارتكب خطأ فادحاً بالنّسبة إلى الحاكم المتمادي في غَيّه، حين تمرّد ورفض، وعندما أعلن أنّ ما يجري من عمليّات إماتةٍ له تستوجب منه الغضب ورفعَ الرّأس، وطِلابَ نمطٍ آخرَ من الحياة. غضِبَ الحاكم المفتون بقوّته، المؤمنُ إيماناً مطلقاً بتفوّقة، وبأخطبوطيّة أطرِافه، وتشكّلاتِه أو مؤسّساته - فهي قادرة طوال الوقت على شلّ هذا المواطن وسحقه - رفض جهاراً وبصلف هذا التّمرّد، ولمّا لم يفلح الرّفض، حاول الالتفافَ عليه، شأنَ الأفعى الّتي تراقصُ فريستها في لعبة الموت الحتميّ.

ثمّةَ عيبٌ بشريٌّ قاتل يتمثّل في النّسيان، في قدرة الإنسان أحياناً على عدم الإبصار، والمرئيّاتُ كثيرةٌ أمام عينيه. لقد قدّمَ التّاريخ، ويقدّم طوال الوقت، نماذجَ لا تعدّ ولا تُحصى عن عواقب الظّلم والظّالمين، والنّهايات الشّنيعة الّتي بلغوها عند الحدودِ الفاصلة، كذلك قدّم التّاريخ، في المقابل، نماذجَ مضيئة مثّلها حكّام عادلون آمنوا بشعوبهم، وأحبّوها حقّاً، ورغبوا في تقديم الخير لها فساروا بأرتالها، إلى مراحلَ متقدّمة من التّطوّر والحداثة، مولّدين في صدور أبنائها انتماءاتٍ حقيقيّة غيرَ قابلة للمناقشة، أو المساومة، والأمثال كثيرة في هذا السّياق.

نحيا في عالم جديد بأنظمته وبتقنياته، وبوسائله المتاحة الّتي هتكت كثيراً من الأسوار والأسرار، والمؤسف أنَّ بعضهم ما زال يتعامل مع البشر من خلال سياسة " الأبواب المغلقة"، " الأفواه المغلقة"، و" الأسرار المقدّسة" الّتي لا تُخفي خلفها سوى السّخافة والجرائم والعفن والانهزام.

 تعاودُ هذه المنظومة الّتي ولّى الزّمن على صلاحيتها، وهي لم تكن كذلك في يوم من الأيّام، لكونها نِتاج الحرب وعصاباتها الّتي أقامت ممالكها على أكوامٍ من الجثث ومن الأشلاء، توالي محاولاتِها الفَجّة لفرض خياراتها هي وحدَها، ويعاود الّلبنانيّ الصّالح معها حمل صخرته من جديدٍ، محاولاً الوصول إلى القمّة المستحيلة؛ قمّة الحريّة الحقيقيّة والإنسانيّة الصّافية العادلة الرّحيمة الّتي تُرضي ربَّ السّماوات، والعادلين في الأرض.  

                                          

الكاتب

د.هدى عيد *كاتبة وروائية *واستاذة محاضرة في الجامعة اللبنانية

الكاتب:د.هدى عيد

  • للمشاركة