Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

القمر الرابع بالحبّ كفّناه.

522
news room April 6,2021

د.نوال الحوار

كانوا أربعة: محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وعزالدين المناصرة

اليوم كان موعد غياب القمر الأخير.....قبل أن تلد السماء والجيل الجديد من أبناء الأرض الطيبة أقمارا جديدة تُكمل المسار. 

ارتبط عز الدين المناصرة بضميرنا القومي  الجلي للحاضر والمستقبل لا المستتر في غياهب بيع الأرض والتاريخ والجغرافيا على مذابح مصالح الأمم. أَوَليست فلسطين هي البوصلة؟ هي جرح الماضي؟  وروح الحاضر وأمل المستقبل؟ 

أدين أنا وجيل كامل لمارسيل خليفة ... بتعلقنا بفلسطين، فعلى أغانيه الثورية كبرنا ومن روحها استلهمنا كل ذاك الحماس. مارسيل كان نجم الإذاعات المدرسية في سوريا. كنا نسمعه على امتداد اليوم في كلّ صباح يردد: 

بالأخضر كفناه

بالأخضر كفّناه ... بالأحمر كفّناه

بالأبيض كفّناه ... بالأسود كفّناه

لا الريح تحاسبنا إن أخطأنا لا الرمل الأصفر

لا الموج ينادينا إن خطف النوم أعيننا

والورد احمرَّ

يا دمَهُ النازف إن كنت عذاباً يومياً

لا تصفرّ

كبرنا وكبر معنا وعينا للقضية .... كنا نحسد سناء محيدلي وحميدة الطاهر على فكرة الشهادة في سبيل القضية. لعل الشعر كان هو البذرة الاولى للتعرف على الهوية الفلسطينية، وشكّل محمود درويش ومعه ثلة من شعراء فلسطين ذائقتنا الشعرية، وكان المناصرة أحد هؤلاء الشعراء وبعد أن ذاع صيت القصيدة التي غناها مارسيل بدأت رحلة البحث عن الشاعر وعن سبب هذه القصيدة، فرواها المناصرة بنفسه قائلا :

"كانت بيروت محاصرة ونحن في وهج حماسنا نلتقي كفدائيين لا أحد يعرف عن الأخر سوى أسمه الحركي وكان لي جار من الفدائيين وبعد فترة ألتحق به شقيق له. كانت والدة الشابين تزورهم كل فترة وتقبّل كل الشباب الموجودين. جاءت لحظة استشهاد زياد الذي لم أكن اعرف اسمه ولم نستطع دفنه إلا بعد يومين من القصف على بيروت. حضرت عجوز من الامهات بكت ثم قالت لازال جرحه أخضر وينزف. ومن هنا جاءت فكرة القصيدة "

كانت الأغنية وروايته لظروفها السبب الرئيس ببداية تعلّقي وكثيرين بهذا الشاعر الفلسطيني الفذ الذي بفضله وفضل أترابه، بقيت فلسطين حاضرة في الوجدان العربي والانساني بأبهى صورها الانسانية والنضالية.   كانت نصوص المناصرة جزءا من مناهجنا المدرسية  تحت عنوان "شعراء الأرض المحتلة" ... وكانت سمة شعرهم  الشهادة والشهيد، والأرض والكرامة والنضال.

منذ أن كتب ديوانه الأول «يا عنب الخليل» (القاهرة 1968) حدد المناصرة توجهه الشعري حيث وضعه الناقد الفلسطيني إحسان عباس ضمن رواد الحركة الشعرية الحديثة.وجاءت قصيدة "جفرا" لتلعب  دورا مهماً في  الحركة الشعرية للمناصرة وتسلسله الى قلوب الملايين . أسست هذه القصيدة  لتزاوج فذ وأصيل وعميق بين التراث والرمز فتناقلتها الألسن وحفظها الصغار قبل الكبار وشكلت منعطفا في السيرة الشعرية والأدبية للمناصرة:

مَنْ ﻟﻢ يعرْف جفرا... فليدفن رأْسَهْ

من ﻟﻢ يعشق جفرا... فليشنق نَفْسَهْ

فليشرب كأْسَ السُمِّ الهاري،

يذوي، يهوي... ويموتْ

جفرا جاءت لزيارةِ بيروتْ

هل قتلوا جفرا عندَ الحاجزِ في أيلول

أمْ صلبوها ﻓﻲ التابوت؟؟!!

حين انخرط المناصرة في صفوف المقاومة الفلسطينية في بيروت عمل محرراً في مجلة "فلسطين الثورة" الناطقة  باسم منظمة التحرير الفلسطينية واشرف على تحرير جريدة "المعركة". ترك المناصرة عاصمة النضال التي قاومت وحيدة بأبنائها  الأصيلين من اللبنانيين أو بالشباب الذين تبنّتهم كأولادها من فلسطينيين ومناصرين عرب، جور الإحتلال وحصاره وبطشه. رفعت بيروت شعار :" أحترق ولا أرفع الراية البيضاء".

تنقل المناصرة بعدها كثيراً في المنافي: من عمان، حين سحبت منه الجنسية، إلى تونس فالجزائر فبلغاريا حاملا معه هم المنفى والشتات ولكنه عاد إلى عمان واستقر فيها إلى أن توفي.

يقول المناصرة عن تجربة المنفى وخيبة المناضل والفدائي بعد أن صار التفاوض التنازلي لغة العصر مُمهّدا للتطبيع المجاني : 

هذي المنافي قبور

وهذا السواد / وهذي الحجارة ليست لنا 

إنها للرماد 

ولان التاريخ يحفظ شواهد الكرامة والناس والأرض والزيتون والتين والعنب ،كتب المناصرة في تجربته الشعرية عن الاسطورة والرمزالكنعاني وذلك كرد على المزاعم التي تحرمه من الإنتماء لفلسطين . وهو بذلك  اجترح الخط الشعري الخاص به عبر نبش الجذور الحضارية للنص الكنعاني حتى لُقّب ب " أمرو القيس الكنعاني". 

قال :"  بدأ الشعر عندي من سؤالي لأبي ما اسم هذا البحر فأجاب :البحر الميت فساءلت نفسي كيف يكون البحر ميتا؟ فبدت لي الحياة في كروم العنب وبساتين التين والزيتون وأثار اجدادي الكنعانيين في القرى المحيطة"

كان واضحا أن الثقافة الشعبية والتراث والاسطورة والأرض والتاريخ والجغرافيا صارت أحرفا من نور في شعر المناصرة، فأصدر  مجموعاته الشعرية التي أرخت لفلسطين كوصمة شرف على ضمير أمة يريد بعض قادتها أن يأخذوها الى طريق التخلي عن هذا التاريخ والتراث.

أصدر  مجموعاته الشعرية  الرائدة ومنها: يا عنب الخليل / الخروج من البحر الميت/ قمر جرش كان حزينا / جفرا /كنعانيا ... وغيرها من الدواوين وكتب أيضا في الفكر والنقد وفي السينما الإسرائيلية و الفن التشكيلي الفلسطيني والثقافة المقارنة وغيرها.

 حاز الشاعر الفلسطيني على أوسمة وتكريمات عدة منها :وسام القدس، من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، وجائزة غالب هلسا للإبداع الأدبي،و جائزة القدس من اتحاد الأدباء والكتاب العرب. 

يقول الناقد فيصل دراج سألت محمود درويش من هو شاعر فلسطين فأجاب "إبراهيم طوقان" وسألته من هو أشعر جيلك فأجاب "صاحب الزيتون عز الدين المناصرة". نعم هو الغريب الذي لا يفهمه أحد يلتف بغربته راجعا إلى رحم ترابي يمده بقصيدة خضراء.

 

غاب القمر الرابع فمن سيشعل قنديل زيت آخر يضيء فيه ليل فلسطين الطويل؟ لا شك أن هذه الأرض الفلسطينية الطيبة ولاّدة، وسيكون فيها مناضلون وشعراء وأدباء ، جيلا بعد جيلا، يحفظون تراث درويش وطوقان والقاسم والمناصرة وغيرهم، ويكملون الطريق. هذا قدرهم  منذ فجر التاريخ. وهم  ما حادوا ولا كلّوا ولا ملّوا. بهم فقط يبقى الأمل مشتعلا والأقمار مضيئة والكرامة على الجبين وتحت الخلايا.

 

الكاتب

د. نوال الحوار كاتبة وإعلامية وشاعرة

الكاتب:د. نوال الحوار

  • للمشاركة