Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

النظام العالمي كما يراه هنري كيسنجر : تعدّدية عمادها الصين وأميركا

1599
news room January 27,2021

أيمن المرابط-الرباط

     هنري كيسنجر، "الثعلب العجوز" الذي بلغ السابعة والتسعين من عمره، ما زال رقماً صعباً في المشهد السياسي العالمي، وشخصية تتمتع بحضور مميز على منابر الإعلام، هو أشهر وزراء خارجية أميركا في القرن الماضي، وأكثرهم تأثيراً في الشأن الخارجي والداخلي على حد سواء. وكانت له الكلمة الفصل في عدد من القضايا الدولية، لقدرته الهائلة على المواءمة بين النظرية والتطبيق، هو عراب التقارب مع الصين واتفاقية "كامب ديفيد" باعتبارهما نتاجاً لتطبيق فكره الاستراتيجي الذي تختزله عبارة "الخطوة خطوة". وأما الوطن العربي فقد عانى كثيرا من ويلاته وتبنيه النظرية الاسرائيلية تماما للصراع، فقاد ما عُرف بدبلوماسية "الخطوة خطوة" لاخرج العرب من الصراع والتأسيس للتسويات السياسة المنقوصة.

يتحلى الرجل بصفات المؤلف الفذّ الذي أرست أفكاره أُسس مدرسته السياسية الخاصة، التي باتت تعجّ بالأعضاء. أصدر الكثير من المؤلفات المعروفة قبل توليه أي منصب حكومي، وبعد تقاعده أيضاً، لعل أبرزها كتابه الأخير "النظام العالمي: "تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ"، إذ يحمل بين طياته خلاصة النظريات السياسية التي وضعها في ضوء خبرته العملية، محاولاً طرح فكرة جديدة لبناء نظام عالمي جديد، لكن بصورة تشاركية بين دول العالم، بعيداً عن نظام الأقطاب الذي كان سائداً. 

الكتاب الصادر بالإنجليزية في طبعته الأولى سنة 2014 ونسخته العربية عن "دار الكتاب العربي" عام 2016، والممتد على تسعة فصول، يرى فيه كيسنجر أنه لم يكن هناك في يوم من الأيام "نظام عالمي" واضح ينظم دول العالم جميعها، وأن بداية تشكّله الفعلية كانت بعد مؤتمر وستفاليا الذي عقد في ألمانيا عام 1648 تتويجاً لقرن من الصراع الديني في أوروبا، وخصوصاً منه حرب السنوات الثلاثين التي دامت من 1618 إلى 1648، حيث تم عقد الصلح الذي لم تكن أغلبية قارات العالم حينئذ حتى على علم به بالكاد. وهكذا فإنه وعلى امتداد الفترات التاريخية السابقة على هذه المرحلة قامت الحضارات الإنسانية المتعاقبة بتقديم نموذجها الخاص للنظام العالمي. وكانت كل حضارة ترى في نفسها مركز العالم، وتعتقد أن ذلك النموذج هو الأنسب ليُتّخذ منهجاً عالمياً تشترك فيه دول الأرض كافة.

يرى الكاتب أن مفهوم النظام العالمي منذ "ويستفاليا" رسا على التجربة الغربية الأوروأميركية كمرجعية وحيدة، بحيث أذعنت لها الأمم حينئذ، لم يكن قبولها بها من منطلق إعجاب حوافز ذاتية النشوء. إلا أن كيسنجر يرى أن العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية كرّستها كقوة قادرة على امتلاك زمام القيادة الدولية، وأضافت بعداً جديداً وهي الأمة النموذج التي تأسست على فكرة الحكم الحر والتمثيل الديمقراطي، ومن ثم ساهمت أميركا في انتشار الديمقراطية وأفكار التحرر مع القدرة على تحقيق السلام العادل والدائم في العالم. وكل ذلك في وجه قطب آخر يراه كيسنجر حاملاً للقيم النقيض ممثلاً في المعسكر الشيوعي.

أما أوروبا التي كانت مسرحاً لحربين عالميتين، وكانت بعض دولها محتلة لنصف العالم تقريباً، فقد تأثر نهجها التقليدي ذاك بالنهج الجديد الذي أعلنته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث انتقلت الشعوب الأوروبية من مرحلة الصراع، إلى مرحلة تحقيق التنافس في ظل توازن القوى، ما أدى إلى الازدهار الاقتصادي وانتعاش فكرة الأسواق الحرة، والنهوض بالأفراد والمجتمعات وإثراء الترابط الاقتصادي كبديل عن الصراعات السياسية الدولية التقليدية.

لقد عصفت هذه التحولات في النظام العالمي بالنموذج التقليدي الذي جسّدته الإمبراطوريات القديمة التي انتعشت في الصين وفي روما و"العالم الإسلامي" أيضا. وبات لزاماً تكريس نماذج جديدة للإمبراطوريات تنمذج له الولايات المتحدة بنفسها، بوصفها داعية إلى مبادئ الفكر الحر والممارسة الديمقراطية، وأن هذه المبادئ التي تحمل صبغة عالمية تجب ممارستها كمنهج وحيد ناجع في العالم، هي نفسها التي تمارس حتى هذا اليوم في الولايات المتحدة، وتشكّل الحجر الأساس في سياساتها وحياة الشعب الأميركي اليومية.

لكن هذا النموذج تحول إلى سعي إلى الهيمنة، تكرّست أكثر بعد سقوط النموذج الشيوعي وانبثقت الأحادية القطبية تحت قيادة الولايات المتحدة، وما لبثت التجربة أن كشفت أن ثمة أزمة في قيادة العالم، وأنه ما من محيد عن وجوب اقتسام سلطة العالم، لكي يتمتع النظام الدولي بقدر من المشروعية، يجنبه منطق الاحتكام إلى القوة كمرجعية له. وبالتالي فقد بات من الواضح أن ما يجري اليوم على مستوى العلاقات الدولية بين دول العالم ليس ببعيد عن هذه الخلاصة، ذلك أن التداخل السياسي ووسائل التواصل الحديثة جعلا من الواجب مشاركة دول العالم في السياسات العليا للمناطق الأخرى، وغالباً ما تحدث بصورة فورية بسبب توافر وسائل الإعلام الحديثة وكذا المواصلات المتقدمة. لكن استمرار التفاوت بين مراكز الثقل في النظام العالمي الراهن، ومن ثم تضارب المصالح والرؤى،  يجعل كيسنجر يجزم بأن المفهوم العام الذي يستند إليه النظام العالمي في عصرنا الحديث يمرّ بأزمة عميقة، ولعل الاضطرابات والحروب الدائرة رحاها في أكثر من منطقة في العالم خير دليل على عمق هذه الأزمة.

في حديثه عن القضية الفلسطينية و"إسرائيل" يرى "أن الصراع،  بين مفهومين للنظام العالمي متجذر في القضية الإسرائيلية-الفلسيطينية"، يقول "..إسرائيل دولة وستفالية بالتحديد، أُسست على هذا الأساس في 1947، ظلت الولايات المتحدة، حليفتها الرئيسية، أحد رعاة نظام وستفاليا الدولي والمدافعين الأساسيين عنه. ولكن الدول والفئات المحورية في الشرق الأوسط تنظر إلى النظام الدولي عبر هذا النوع أو ذاك من أنواع المنظار الإسلامي.."

إن التحول الذي يشهده النظام العالمي على إيقاع الأحداث الراهنة، والتنافس بين القوى العظمى على قيادة العالم أو أقسام من العالم، يجد أساسه في التحول الذي تتعرض له طبيعة الدولة نفسها، باعتبارها الوحدة الأساسية للنظام الدولي. حيث تتعرض الدولة لضغط من داخلها بسبب تنامي المطالبات الشعبية عليها، وبسبب التنافس الدولي على تحصين المواقع المتقدمة ضمن رقعة الشطرنج العالمية. هذا فضلاً عن أن الاقتصاد العالمي الذي تسارع تطوره نتيجة للمفاعيل الجارية للعولمة، لم يربط نفسه بضرورة مواكبة أي تطور في الهيكل السياسي للعالم. وبالتالي أدت العولمة الاقتصادية إلى تجاوز حدود الدولة القومية والسيادة الوطنية، ومن ثم أصبحت السياسة الخارجية للدول تسعى للتوفيق بين أهداف وطنية/محلية/عالمية متضاربة. وأدى الأمر في النهاية إلى حدوث سلسلة أزمات مالية دورية ماضية نحو المزيد من التفاقم.

ينتهي هنري كيسنجر إلى أن نظام "القطب الواحد" يستحيل وجوده في العالم الجديد، بل يجب أن يكون نظاما متعدد الأقطاب، مشتركاً بين الولايات المتحدة والصين دون أي ذكر لروسيا، -ولنا أن نستحضر تجربة كيسنجر المتمثلة في دوره في إحداث الانفتاح الأميركي على الصين بعد حرب فيتنام-  قاطعاً الطريق على الطموح المستحيل لروسيا في نظره الساعي إلى إحكام القبضة على قيادة العالم، وإعادة تجربة الولايات المتحدة. وبالتالي فلا مناص من عالم متعدد الأقطاب، يسوده اقتصاد السوق.

يعد كتاب كيسنجر محاولة بارزة لتأمل الوضع الذي آل وسيؤول إليه النظام العالمي، ما يجعل الفكر الاستراتيجي في الساحة العربية مجبراً بدوره على فتح باب التأمل في مجريات الأحداث، والتساؤل عن أي دور يلعبه العرب، حيث لعبة الأمم الاستراتيجية لا تلتفت إلى العالم العربي سوى باعتباره مسرحاً لرسم خرائط العالم، واختبارات القوى، وتفريغ شحنات الصراع بين القوى العظمى. إذ لا توجد حتى اللحظة دولة عربية قادرة على أخذ زمام المبادرة للتأثير في مجريات الأحداث الدولية، على نحو يجعلها لاعبا رئيسيا في "رقعة الشطرنج العالمية"، تستطيع خلالها قطع الطريق أمام محاولات الهيمنة الجديدة التي تحاول فرضها دول مجاورة بطريقة لا تختلف عن الهيمنة التقليدية سوى في الوسائل والآليات.

الكاتب

أيمن المرابط اعلامي وباحث جامعي الرباط-المملكة المغربي

الكاتب:أيمن المرابط

  • للمشاركة