Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

المؤرخ السوري سامي مبيّض: هكذا نكرّر المجازر

5371
news room April 23,2021

سامي كليب :

على معهود عادته، يغوص المؤرخ السوري سامي مروان مبيّض، في كل الوثائق والأرشيف والروايات المحقّقة، قبل أن يهدينا واحدا من كتبه القيّمة عن تاريخ سورية. وعلى معهود المؤرخين الحقيقيين، لا يجامل ولا يُساير حين يُقدّم رواية جديدة تُناقض الكثير مما قيل قبلها، وتصحّح وتضيف. هكذا جاء مؤلفه الجديد " نكبة نصارى الشام، أهل ذمة السلطنة وانتفاضة 1860"، شارحا بالتفصيل والتوثيق أسباب ما تُعرف ب " مجازر الستين في لبنان وسوريا" أو ب "مذبحة دمشق".

تلك المجزرة الرهيبة التي هزّت العاصمة السورية والعالم، وقعت في باب توما وبعض حارات القيمرية في صيف العام 1860، وراح ضحيتها على مدى سبعة أيام بلياليها ما لا يقلّ عن خمسة آلاف مسيحي من أصل اثنين وعشرين ألفا كانوا مقيمين داخل أسوار المدينة القديمة.

قد يتبادر فورا الى الذهن السؤال التالي : لماذا هذا الكتاب الآن؟ أي في أوج الحرب الضروس التي دمّرت جُزءا كبيرا من سورية، أليس في الأمر نبشٌ لأحقاد دفينة ليست البلاد بحاجة الى نكئها الآن؟

سامي مبيّض الكاتب والمؤرخ ورئيس مجلس أمناء " مؤسسة تاريخ دمشق" يُجيب في مؤلفه الثامن هذا على الأسئلة المُشكّكة بقوله: إن الهدف هو دراسة كارثة جرى التعتيم عليها ، وإن المقصود ليس نبشاً لماضٍ أسود بهدف التحريض وإثارة الفتن، بل " لنتعلّم منه أملا في ألاّ يُعاد أبدا"، مضيفا : " حاول السوريون بكل طوائفهم وخلفياتهم السياسية، التعتيم على هذه الحقبة المُظلمة من تاريخهم الحديث، مُلقين اللوم في ما حدث إما على الدولة العثمانية الحاكمة يومها أو على الدول الأوروبية، رافضين الإعتراف بأن أجدادهم، شاركوا في مذبحة شنيعة بهذا الحجم، يندى لها الجبين"

ثم يربط المؤرِّخ العريق بين الماضي والحاضر فيقول : " حان الوقت للرجوع إليها اليوم، بعد كل هذه المذابح التي تعرّضت لها سورية أخيراً. فمجازرُ اليوم خيرُ دليلٍ على أننا لم نتعلّم شيئا من أحداث 1860، وما زلنا مُجتمعاً قبلياً وقابلاً للانحراف نحو الهاوية".

اسباب كثيرة يسوقها مبيّض لشرح تلك المجازر في لبنان وسورية، بينها:  الصراع الدامي بين فلاحي جبل لبنان من الموارنة والملّاكين الدروز، والإصلاحات العثمانية التي عُرفت باسم " التنظيمات" التي غيّرت ظروف حياة المسيحيين ومدارسهم وكنائسهم ،وسمحت لهم  بارتداء ما يريدون من الملابس ورفع الصلبان والأيقونات في أعيادهم وبناء وترميم كنائسهم..الخ، ثم التحديات الإقتصادية التي أثر فيها وباء الكوليرا وتدمير محاصيل الغوطة الشرقية بسبب الشتاء القارس، ونفاذ احتياطي الحبوب في ولاية دمشق، وتراجع صناعة النسيج عند الصناعيين المسلمين والتي كانت العمود الفقر للاقتصاد السوري، وانهيار تجارة الكثير من التجار المسلمين أمام جودة المنتجات المسيحية، وتدفق البضائع الأجنبية وعدم قدرة التجار المسلمين على شراء الغزل القطني الإنكليزي من مدينة مانشستر أو فتح اعتماد مالي مع أوروبا، على عكس المسيحيين، فأفلس الكثير منهم. اضافة الى دور القناصل الأوروبيين وتعاونهم مع المسيحيين الدمشقيين حصرا واعطائهم وكالات تجارية، وهو ما اعتبره أهالي دمشق تمييزا عنصريا.

باختصار، فإن المؤلف يؤكد أن اسباب خارجية وداخلية اجتمعت فوقعت تلك المجازر، ويقول :" الجميع كان مُذنبا، من دمشقيين وعثمانيين وأوروبيين" ، ثم يسأل بما يُرجّع صدى مجازر اليوم في سورية :" هل كانت مؤامرة دولية لبست ثوب الفتنة الداخلية، بين مسلمين ومسيحيين، أم أنها فتنة داخلية عمرها قرون، طبقت عليها المؤامرة واستغلها المجتمع الدولي بنجاح؟".

لا شك أن مبيّض يعرف الجواب، ولكنه يريده درسا للمستقبل دون إطلاق أحكام.

الكتاب الذي يمتد على نحو مئتي صفحة من القطع المتوسط، صيغَ بأسلوب سلس على شكل رواية تاريخية، وجاء زاخرا بالمراجع، حول دخول المصريين الى دمشق ثم العثمانيين، وكيفية تعاطي الدمشقيين معهم، ويشرح اسباب صعود عائلات دمشقة واختفاء غيرها، وتقسيم تلك العائلات من موالين للسلطان الى حملة سلاح وزعران الى رجال دين وفكر. وهو في شرحه يُبدع في التلميح الى تغيير الولاءات وفق المصالح من منطلق : " مات الملك عاش الملك"، وذلك بسبب عدم حصول وحدة حقيقية بين أهل الشام. هنا أيضا الإشارات الى أسباب الفتنة الحالية واضحة، فالولاءات لم تكن يوما لدمشق أو للوطن وإنما للعائلات والقبائل والطوائف والملل.  

نقرأ في الكتاب أيضا، صورة جميلة للتاريخ المُشرّف لذاك الثائر والقائد الجزائري الكبير الأمير عبد القادر الجزائري، الذي حمى المسيحيين، وجنّب الكثير منهم المجازر، وصار عالما دمشقيا يُصلح ذات البين، ويقرّب القلوب ويثير حماسة الثوار، وأورث أولاده وأحفاده وكل من عرفه روح الثورة، اضافة الى رواية لا يعرفها كثيرون عن سبب ذهاب نابوليون الثالث بنفسه لإطلاق سراح هذا الزعيم الجزائري الاستثنائي من معتقله.

 وعن سبب شهرة الأمير الجزائري، يقول سامي مبيّض :" كانت دمشق يومها في أشد الحاجة الى المال والى بطل مسلم ورمز قومي يعطي أهلها الأمل ويساعدهم على النهوض من حالة الركود الاقتصادي وغطرسة آغوات الشام ورجالهم المسلحين، فوجدت كل ما تحتاجه من عون في شخص الأمير عبد القادر "

ونقرأ أيضا عن دور اليهود السوريين في المجازر ضد المسيحيين، حيث يقدّم سامي مبيّض رواية جديرة بالقراءة الدقيقة لأن فيها الكثير مما يُناقض الروايات الغربية عن دور اليهود في بعض المجازر أو في نهب وبيع أثات بيوت المسيحيين أو في تأجيج الدول والأثرياء اليهود في الخارج لنصرتهم وما كانوا بحاجة لنصرة. وهنا أيضا يلفت الى دور عبد القادر الجزائري في حماية اليهود الذين لم يتعرّض لهم أحدٌ في تلك الأحداث.

كتاب " نكبة نصارى الشام" الصادر عن دار رياض الرئيس للكتب والنشر، هو فعليا، ثيقة مهمة للتاريخ، ينبغي قراءتها بدقة، لأن فيها ما يشرح مأساة الحاضر، وما يجنّب السوريين الوقوع في الفخاخ مرارا.

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة