Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

المجزرة الإعلامية الكبرى في الوطن العربي

3322
news room August 25,2020

 

سامي كليب:  تكرّرت كلمة ايران على فضائية عربية 28  مرة  وحزب الله 23 مرة في أقل من ساعتين، وذلك في معرض القدح، وتكررت الكلمتان على فضائية عربية أخرى نحو  56 مرة في معرض المدح.  الأولى استضافت ٦ معلقين ( ابرزهم من لبنان) ليكيلوا الاتهامات لإيران والحزب، والثانية استضافت ٥ معلقين ) أيضا معظمهم من لبنان) ليمدحوا الطرفين ويشنوا هجمات متتالية على الامارات والسعودية.  

لم تقدم الفضائيتان أي معلومة موثوقة، ولا قدّم المعلّقون أي معلومة جديدة. وانما تحولت الشاشتان الى متاريس سياسية ناطقة باسم محورين متصارعين في المنطقة، فغاب الخبر والمعلومة والتحليل الموضوعي، ليحل مكانه الردح والمدح.

الأمر نفسه يتكرر يوميا في صحف عربية تعتبر مصر والامارات والسعودية عدوة لها، وأخرى تعطي أولوية العداوة لقطر وايران واضيفت تركيا في العام الحالي.

كان يُمكن لهذا الصراع الإعلامي أن يكون مفيدا لتشجيع التنافس وتعزيز اختلاف الآراء، لكنه انزلاقه الى ما دون اللغة الأخلاقية صار انتحاريا، ذلك ان تحليل الخطاب الإعلامي في هذه المؤسسات، يؤكد خروجها عن شرعة الاعلام، واختراعها لغة جديدة، مبنية على طرق الدعاية السياسية القديمة التي تُجمّل صورة الحليف وتشوه صورة الخصم، وتكرّر الكذبة حتى لتكاد هي نفسها تصدّقها.

ينسحب الأمر حاليا، ومع الأسف، على معظم الاعلام العربي، حيث تحوّل من المهمة الأخلاقية الأولى  للصحافي بضرورة ان "يُعلِمَ" ويشرح ويحافظ على نسبة عالية من الموضوعية ويستمع الى كل الآراء، الى مهمة الناشط السياسي أو البوق الناطق باسم دولة او حزب او تيار أو رجل أعمال وغيرهم.

 

صار الاعلام في ذلك فتنويا، يساهم في تعزيز مشاعر الحقد والكراهية، ويدفع الى التطرف والعنف وصولا الى الإرهاب.

ساهم في تعزيز هذه المشاعر، دخول الانترنيت الى مجتمعات غير مؤهلة فعليا لاستخدامها، بحيث ان 51 بالمئة من العرب باتوا يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، فتحولت وسائل التواصل الى وسائل تباغض وتحاقد وتشاتم اجتماعي، دون وازع او رقيب الا اذا تضاربت المدونات مع أصحاب الشأن من قوى سياسية أو امنية، حين تُصبح ملاحقة الناشط او حتى قتله مسألة سهلة.

 

حضور هذه العداوات السياسية العربية العربية او العربية الاقليمية على الشاشات وفي الصحف، غيّب القضايا المجتمعية والحياتية والانسانية والتنموية المُلحّة في مجتمعاتنا، ناهيك عن القضايا السياسية الكبرى. فالقسم الأكبر من البرامج والنشرات، ما عاد يهتم بالحياة اليومية للمواطن وبكيفية المساهمة بنهضة هذه الأمة المُبتلية بمليون مصيبة ونكبة وجائحة، وانما بالتركيز على من صار اليوم العدو الأول، وذلك بعد ان اختلف هذا الاعلام أيضا على التعامل مع من كان يعتبره حتى الأمس القريب العدو الوحيد، اي اسرائيل. صحيح ان العداوات هذه كانت دائما حاضرة بين العرب، لكنها لم تكن بهذه الاسفاف اللغوي والانحطاط الاخلاقي الذي صرنا نسمعه باصوات اعلاميين مرموقين ( سابقا) ونقرأه في عواميدهم . فما عادت قيمة الكاتب ترتبط بعمق فكرة ما او تجديد منظومة افكار، وانما بقدرته على مدح الطرف الممول للمؤسسة الاعلامية وقدح الخصم بأبشع الصفات.

 

المجتمعات العربية تضم 100  مليون أمي، ونصف الشباب العربي تقريبا عاطل عن العمل حاليا، وجائحة كورونا حجرت الناس في البيوت، فتحوّلت وسائل التواصل والشاشات والصحف الى منابر للتشاتم بدلا من الحوار والنقاش، بحيث ان 70  بالمئة من النقاشات تبدو عديمة الفائدة أو مضرة، و80  بالمئة عبارات منقولة، وأقل من 10 بالمئة انتاج جديد، لا يلقى اقبالا كبيرا لأنه غالبا ما يكون فكريا عميقا أو مقالات ذات قيمة.

ليست مسؤولية الساسة ورجال المال انقاذ الاعلام العربي من الاندثار، وانما مسؤولية الصحافيين انفسهم، ذلك ان السياسة يتصارعون ثم يتصالحون، ولا يبقى الا صورة اعلامي رخيص باع شرف المهنة لهذا الطرف أو ذاك، بغية الكسب المادي او الشهرة، أو بذريعة انه يريد ان يطعم أولاده.

الاعلام كمهنة الطب، يجب ان يكون مهنة إنسانية أخلاقية، تفيد الناس ولا تساهم باقتتالهم وتباغضهم. وعلينا ان نكون فعلا :" اعلاميين لا أبواق"، والا فنحن امام مجزرة إعلامية كبرى ستجعل الناس يفقدون الثقة بكل الإعلاميين كما فقدوها بكل السياسيين.

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة