Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

المغترب بين الانصهار والانعزال

911
news room January 18,2021

مايا مراد-السويد

تتردد منذ مدة خطابات تنادي المغتربين بالاندماج في المجتمعات الجديدة بهدف مواكبة التطور والانخراط في سوق العمل والترسيخ في مجتمع يسوده التنوع، فيما تنادي أصوات أخرى بوجوب التمسك بالهوية الأولى بما تحمله من عادات وتقاليد لا يجب المس بها وإلا دخل المرء دائرة الخطر حيث ما لا يناسب ولا يليق. 

بين التيارين يضيع البعض عن الطريق، فما الحل؟

تمر سنوات من التخبط بين الهوية التي يحملها المغترب من الوطن الأم وبين الهوية الجديدة في بلد الاغتراب .

غالباً ما تكون الهوية الأولى في معظمها موروثات من الجيل السابق، تتكون من العادات والمعتقدات التي يتوارثها جيل بعد آخر دون تفعيل الرؤيا الشخصية لها، فتتشكل شخصية فكرية واجتماعية تشبه غيرها في ردود الأفعال والمواقف والاتجاهات، ينتج عنها مع مرور الزمن اصطدامات كثيرة بين الفرد ومحيطه من جهة وبينه وبين مشاعره ونظرته الشخصية للأمور من جهةٍ أخرى. وحين لا ينتبه لحقيقتها ولا يترجمها، فإنه يقع في صراع مرير قد يؤدي إلى مشاكل حقيقية على الصعيد الشخصي والمجتمعي، وفي أحيانٍ كثيرة حتى على الصعيد النفسي والعاطفي. 

قبل عقودٍ من الزمن أي في بدايات الهجرة إلى أوروبا كان موضوع الهجرة مختلفاً عما هو عليه في يومنا هذا. كان المهاجر يشعر بالحنين إلى كل ما تفوح منه رائحة الشرق ويخفق قلبه فرحاً حين يسمع كلمة عربية من صوتٍ مصادف. حين لم تكن الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي قد ربطت العالم ببعضه ووصلت الناس بالناس رغم المسافات. حين لم يكن هناك هواتف محمولة حتى..

كان الكثير من المهاجرين يعيشون بالاعتقاد الخاطىء بأنّ التمسك بالهوية الأولى ورفض أي جديد، هو الولاء والوفاء للوطن وللنفس، فكان الإنعزال والتقوقع حيث يبحث المغترب عن المغترب ليشكلوا معاً حلقات من مجتمع جديد صغير غالباً ما تطغى عليه مشاعر الأسف والتعاطف ورفض الآخر. مجتمعٌ جديد يقف في خط الوسط وربما في الهواء حيث ليس شرقياً مئة بالمئة وليس غربياً أيضاً. مجتمع حين يلتقي أفراده لا تسمع منهم إلاّ الشكوى والتذمر من الحياة الجديدة التي " فرضت عليهم" والغضب والنقمة على ظروف الوطن التي أجبرتهم على الهجرة.

تمضي الأيام والسنوات ويبقى هؤلاء في المكان عينه، غرباء عن الوطن الجديد وغرباء في بعدهم عن وطنهم الأم. يمضي الوقت سريعاً في غفلةٍ منهم دون أن يدركوا أنهم دفنوا مواهب وقدرات لو استخدمت لغيّرت الكثير ولا أجمل من التغيير مادام قانون الحياة.  

الأسوأ من ذلك هو أنّ الكثير منهم يصل إلى حد المرض سواء النفسي أو العضوي حيث لا يخفى على أحد تأثير التفكير السلبي على الصحة.

ومن المؤسف أن نجد استمرار هذا المنحى حتى يومنا هذا رغم كل التطور الذي وصلت إليه البشرية. 

لكن في معزلٍ عن هذا الفريق نجد فريقاً آخر وقد قفز بعيداً جداً ملقياً وراءه هويته القومية، عاداته وحتى لغته وأحياناً اسمه وكأنّ كل ذلك عارٌ كبير عليه التخلص منه للانتساب إلى المجتمع الأوروبي والتظاهر ب " الحداثة"، فتجده يتلعثم إذا تحدثت إليه بالعربية ويفاخر بأن أولاده لا يعرفونها. وهنا تكمن الكارثة لأنّ التنازل عن الهوية يخلق فراغاً روحياً ومعرفياً لا يملؤهما أي بديل مهما سطعت أنواره وزهت ألوانه، والدليل على ذلك إدراك المؤسسات التربوية الأوروبية القائمة على دراسات وأبحاث كبار علماء الإجتماع، إدراكها لأهمية الهوية القومية مما جعلها تنشىء في المدارس الابتدائية مناهج خاصة باللغة الأم لكل الأطفال المغتربين.

ومن ناحية أخرى فإن الإنسان الغربي يحترمك أكثر حين تقدم له نفسك بخلفيتك الثقافية، فخوراً بتاريخك الذي تزدحم به قاعات أهم متاحف العالم. 

المثير في هذا هو أن هذا الفريق مهما حاول الانسلاخ ن هويته وحاول جاهداً الانصهار في المجتمع الجديد، فهو سيبقى مهاجر في نظر الاوروبي.. ولا عيب في كلمة مهاجر كون الهجرة فعل قد تم وحين تطلق فليس فيها أية نية بالانتقاص إنما هو توصيف لحالة قائمة.

إذاً ماذا ينفع الغراب الذي أراد أن يقلّد الحمامة في مشيتها وفشل وحين أراد العودة لمشيته فشل أيضاً؟!

كيف السبيل للخروج من صراعٍ يدور بين الإنصهار والذوبان إلى حد فقد الهوية، وبين التقوقع والإنعزالية إلى حد الجمود والتراجع الثقافي والاجتماعي ؟ 

قد يكون الحل بسيطاً جداً..

ربما هو في المثل القائل أن أفضل الأمور أوسطها!

لكي تصل إلى الوضع السليم ما عليك سوى أن تكون أنت أولاً..!

حمل الهوية الوطنية والثقافية بفخر دون إلقاء اللوم على ظروف الاغتراب.

الإدراك الواعي بأن في كل مجتمع وثقافة هناك السلبي والإيجابي. هناك ما يناسب كما أن هناك ما لا يليق. ومهمتك هي الإختيار والانتقاء بنية واضحة وهي الإرتقاء.

بتحقيق معادلة الهوية مع الاندماج الحضاري يصل المرء المكان السليم الذي يبدأ منه رحلته.

وكما يقال فإن كان الاستمتاع بالرحلة والطريق هو الهدف الأول عندئذٍ ينتظرك حظ أجمل في نهاية الطريق. 

 

الكاتب

مايا مراد كاتبة واعلامية ومقدمة برامج تلفزيونية تعمل وتعيش في السويد

الكاتب:مايا مراد

  • للمشاركة