Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

المبدع السوري سامر عمران: ليس كل من يستعرض وطنيته في سوريا وطنيا

6698
news room January 12,2020

المقدمة: يعتبر المسرح " ترياقا في زمن الكوارث"، ترعرع على الابداع منذ نعومة أظافره في جو غريب، فوالده الضابط علّمه حب الغناء، والحياة الدبلوماسية لعمّه عرّفته على أولى نغمات العود الذي اتقنه فحفظ أغاني كبار المطربين العرب وعددا من السمفونيات الغربية وأجاد عزف الغيتار. لكن المخرج والممثل السوري الجريء في التمثيل والموقف، اختار ان لا يكتفي بما ورث، وانما طوّر تجربته الإبداعية ورسخها بدراسات عليا ثم الدكتوراه بين بلاده وبولونيا، وبالغوص في خفايا تلك الحياة المسرحية الإبداعية الساحرة.  وحين غرقت سوريا بالحرب وجور المتآمرين عليها، بقي هناك في معهده العالي للفنون المسرحية ينتظر سقوط قذائف باراك أوباما يوم هدد بضرب دمشق. لم تسقط القذائف، لكن بعض الأرشيف أحرقته يد الجهل.

في هذا الحديث، ذكريات عن الحرب والمعهد، وبعضُ عتب، وكثير من الرؤية المسرحية والابداعية، وفيه مشاغبة أو قل تمرّد على الرقيب والإدارات، لرجل قرر أن يغازل الحياة ويحكيها بلغة مسرحية راقية منذ شاهد مسرحية " مدرسة المشاغبين" لعادل امام. أما العتب فعله مرتبط بأن مثله لا يُعطى ما يستحقه في بلادنا، مقابل فتح الأبواب لمن اعتدى على الثقافة والفنون بكل شيء سوى بالثقافة والابداع.    

·     دعنا نبدأ بالحديث عن أهم ذكرياتك بالمعهد العالي للفنون المسرحية خلال الحرب؟

عندما أعيد تكليفي بإدارة المعهد في عام ٢٠١٢ كان المسلحون يبتعدون خمسمائة متر عن هذا المكان وكان طلبة المعهد والاساتذة مختلفي الآراء وخلال فترة زمنية قصيرة نجحت في أن أقوم بتوحيد الجميع ببوتقة واحدة مقتنعين بأننا كلنا للوطن وبالتالي كانت الأفكار الإيدلوجية خارج المكان تماماً، أما عن اللحظات الأقسى ربما في كل تاريخي فتتعلق بما جرى معي وربما قريباً سيكون ذلك موضوع فيلم سينمائي قصير ..... والقصة هي التالية:

توعدت الولايات المتحدة الامريكية وقررت قصف دمشق، كان الموعد مساء وعلى الأرجح كان المعهد هو أحد اهدافهم، أخرجت جميع الطلبة والاساتذة وحتى العمال الآخرين وأقفلت أبواب المعهد وجلست على كرسي قرب الاستعلامات وحيداً تماماً وبدأت أفكر كيف لأمريكا أن تقصف تاريخنا الفني؟  ماذا سأفعل؟  كيف سأخفي ملفات وفيديوهات وأرشيف تاريخ هذا المكان بحيث لو دمر لا نفقد هذا التاريخ ؟...بقيت جالساً بانتظار الصواريخ مفكراً بمشاعري فما الذي سيحصل بلحظة موتي وانا أتشظى مع أحجار ورخام المعهد وبدأت أرى صور الأساتذة مخرجين ،ممثلين يطوفون حولي وعندها قال لي فواز الساجر  لا تخف  حتى لو أتيت إلينا لا يستطيع أحد حذف تاريخ المعهد " ...بالمناسبة تم إلغاء القصف ولا أزال حياً لكن ما يبكيني أن أحد الاشخاص من المسؤولين في المعهد رمى بعضا من الارشيف في سلة المهملات قائلاً " لماذا لدينا كل هذه الصور والإعلانات؟" فأحرقت دون الحاجة إلى صواريخ أميركا

·     يُقال ان السبب الذي أدى إلى إقالتك من منصبك كعميد للمعهد العالي للفنون المسرحية هو رفضك لقبول طالب وقد وصلت المواضيع إلى مجلس الشعب؟  

دعيني أوضح أمراً..أنا لم أقل من عملي إنما انتهى زمن التكليف لا أكثر ولا أقل ،ربما عدم التمديد لدورة جديدة يرتبط بقضايا من هذا النوع وأشياء أخرى ..هناك متقدم ذهب إلى أحد أعضاء مجلس الشعب بعد رفضه بالمرحلة الأولى واشتكى إليه ومن ثم اتصل بي هذا العضو وسألني عن الشاب معتقداً بإنه موهوب على ما يبدو ، بينما الشاب من المستحيل أن يقبل بأي معهد في العالم كونه مليء بالعيوب وقلت له " لا أستطيع الإجابة فهناك لجنة وعندما ينتهي الامتحان نستطيع  معرفة المقبول من عدمه ومن المحتمل أن يأتي طلبة رائعون وبالتالي حتى المقبولين سابقاً لن يكونوا في المراحل المقبلة". بعد ذلك أتى الطالب مع والده وقال لي بإن هذا العضو قد قال له بأنه مقبول وحاصل على درجة ٩٠ من مئة وكانت إجابتي قاسية وخصوصاً ان الامتحان لم ينته ولا أحد يدري ماهي العلامات فقام بتهديدي وقال لي بالحرف " سأذهب إلى مكتب رئيس الجمهورية " فقمت بطرده هو ووالده وقلت له" اذهب حيث تشاء" وانا متيقن بأن العاملين بمكتب الرئاسة يعرفون ويقدرون كيف نعمل.

·     حصلت على دكتوراه في بولونيا وعينت مدرساً في الجامعة نفسها، وبالتالي كنت أول مدرس اجنبي يُدرس هناك، هل تندم اليوم على عودتك وهل تعاملوا معك في سورية وتحديداً بالمعهد   بالحب والتقدير نفسيهما؟

نعم تعاملوا معي بنفس الحب والتقدير وإن كانت هناك مشاكل في كيفية العلاقة مع بعض المسؤولين بإدارة المعهد فهي مسألة لا تتعلق بسامر عمران تحديداً وإنما بمجموعة من القيود والعوائق التي تعترض سبيل كل من يعمل بالفن والثقافة. كانت الفكرة من عودتي هي خلق مشروع ضمن هذه الألغام وهناك بضع خسارات، في اليد  هنا والساق هناك ليس إلا، اما الرأس فلا يزال يعمل والقلب يخفق والمشروع قائم بالتالي أنا سعيد بعودتي.

·     هل ما زال لديك أمل وهل ما زلت تنتظر فرصتك التلفزيونية؟

لا أعرف إن كانت فرصة، أتمنى أن أجسد دوراً مختلفاً مع مخرج مختلف.

·     ظهرت شبه عار في فيلم " الرابعة بتوقيت الفردوس" لماذا تم التعبير عن هذا المشهد بتلك الطريقة حين أحرقت البيانو ومزقت ملابسك؟

كنت مقتنعاً بالمطلق مع المخرج بردة فعل الشخصية عند معرفة خيانة أقرب صديق ووشايته بي وبالتالي قضاء عشر سنوات في السجن مما أفضى إلى تمزيق ثيابي وليس خلعها وهذا تعبير عن الألم ولم يكن استعراضاً جسدياً على الإطلاق فالغاية إذاً فنية وفكرية وليست إثارة الغرائز عند المتلقي. أردت أن يشعر المتلقي بحجم الألم الذي تعرضت له تلك الشخصية، لذلك وبقناعة من هذا النوع جسدت المشهد بمنتهى الحرية والجرأة. كنت أعلم بأنه من الممكن أن تكون هناك ردود أفعال لا تجد من المشهد إلا فكرة التعري بمعناها السخيف.

* هل صحيح أن هناك بعض المشاهد حُذفت بمقص الرقابة وكم أثر ذلك على المشهد ككل؟

من وجهة نظري قد أثر سلباً وبشكل كبير على بعض المشاهد لكن لديهم الحق ونحن المسؤولون فقد كانت الفكرة أن يتم تصوير المشهد مع التحايل على ظهور الممثل بزوايا محددة دون إظهار كامل الجسد عن طريق إخفاء بعض الأجزاء بالبيانو أو بالبحرة لكن ربما درجة انفعالي لم تستطع إخفاء تلك الأجزاء وبالتالي حُذفت وأعتقد ان ذلك مبرراً لكن غير المبرر بالحذف هو ما كنت أقوله والغاؤه كلياً والاكتفاء بالموسيقى..

·     هل الرقيب يمارس عمله خوفاً على كرسيه أم خوفاً على المضمون الفني؟

النوعان موجودان، ثمة من يخاف على كرسيه وهناك من يتبع ضميره وإيمانه والقواعد الموضوعة أو تلك المبادئ التي وضعها هو لنفسه ليقوم بعملية الرقابة.

·      لماذا لم نصل حتى الآن إلى مرحلة صناعة السينما التي تدر أموالا كثيرة كما يحصل عند غيرنا؟

السينما في بلادنا العربية في حال أسوأ على مستوى عملية الإنتاج والمدخول المحتمل آخذين بعين الاعتبار هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على هذه الصناعة وفرملة كل الإنتاج العالمي وبالتالي حسب ما اشاهد أجد ان الانتاج في العالم أقل مما كان بكثير عدا الولايات المتحدة ولا أجدنا بالأصل اعتمدنا كثيراً على عملية صناعة السينما كمشروع اقتصادي ولكن هذا لا يعني بأنه لا يوجد أفلام جيدة وهامة تمت صناعتها في سورية.    

·     ما هو سبب تنامي ظاهرة الدخلاء على مهنة التمثيل؟

شركات الإنتاج وعلاقتها السطحية جداً بالثقافة واعتمادها على الجانب التجاري فقط على حساب الجانب الفكري والفني وعلى ما يبدو هناك قوى رحبت بهذا النوع فالفنان خريج المعهد والذي درس وسهر الليالي لن يعمل كونه يحترم حقوقه على خلاف الشخص الذي يأتي من الشارع فهو حتماً سيفرح بتلك الفرصة الذهبية بنظره وبالتالي فهو مستعد لدفع أموال لذلك وأشياء أخري. إضافةً لهبوط الذائقة العامة إلى درجة مفتعلة لتصبح أي شابة أو شاب يتمتع ببعض الصفات المثيرة للغرائز نجوماً بمعزل عن القيم الأخرى.

 

·     تقول حضرتك " لا أدعي الوطنية" ما هو مفهوم الوطنية بالنسبة لك خصوصا إنك من القلائل الذين يعبرون عن راي سياسي على وسائل الاعلام؟

الوطنية كمفهوم يرتبط بالوطن الذي ننتمي إليه والذي من واجبنا الدفاع عن حقوقه وبالتالي القيام بكل الواجبات تجاهه وباعتباره أمرا بديهيا فمن الطبيعي أن أقول أني لا ادعي الوطنية كون التنظير والاستعراض بهذا الشأن أصبح تقليدياً وما اسهل الحديث به ...بالنسبة لي أن يقوم كل فرد بتأدية عمله بصدق وإيمان ودون مواربة أو مصالح هو الوطنية وصاحبه لا يحتاج إلى التحدث به فهو يقوم بالفعل.

·     اسمح لي بسؤال شخصي رغم اننا في موقع خمس نجوم لا نحبذ كثيرا الدخول في الحياة الشخصية الا بقدر تأثيرها على الابداع، لماذا تم الانفصال بينك وبين الفنانة ريم علي ...هل السبب سياسي؟

لا  ، بالحقيقة الإنفصال تم قبل ال 2011 بسنوات ، بالتالي لاعلاقة له باختلاف الآراء  سياسياً .. على كل أنا لا أضع  جماعة في بوتقة واحدة لا معارض ولا موالي ، لا أجد أن  كل من استعرض وطنياته في البلد هو موال بالضرورة  لو ادعى ذلك ليل نهار  وينطبق هذا على الطرف الآخر .. بالنسبة لي الرأي مسألة حرّة وحق لأي إنسان على أن لا يكون لهذا الرأي تأثير سلبي على الوطن ، مشكلتي هي مع هؤلاء الذين  دعوا لتقسيم البلد أو لقصفها من الغرب هذا لا أستطيع استيعابه  هنا الموضوع ليس له علاقة لا بمعارضة ولا موالاة ، هذا شيء  يسمى خيانة عظمى ، صاحب دعوة مثل هذه أنفصل عنه لو كان إبني  ..أما بشأن الندم  على الطلاق، لم يحصل أن قمت بفعل لست مقتعاً بأنه الأقرب للصحة بالتالي لستُ نادماً ، ربما أشعر بأنه كان من الأفضل لابنتي أن تحيا بين أحضان والديها معاً لكن كنت مقتنعاً بأن الإستمرارمع خلاف  سيكون أثره عليها أسوأ ، بكل الأحوال أنظر إلى تلك المرحلة بكل المحبة والتقدير ، قدمتُ الكثير لريم وهي أيضاً فعلت .

·     هل سيدخل سامر عمران القفص الذهبي في هذا العام؟

عليكِ أن تسألي ذراعي مايك فغالي الإضافيتين والله أعلم. ( مايك فغالي منجّم لبناني، كان في آخر اطلالة له يرتدي سترة عليها ذراعان)

·     في الحديث عن الموالاة والمعارضة هل أنت مع إبداء الفنان رأيه السياسي؟ وهل تلوم النجم السوري جمال سليمان على المسار الذي اتخذه؟

بالتأكيد أنا مع حرية الرأي ،  لكن أجد أن طبيعة الرأي وتوقيته   هامّان جداً  بالتالي التمعن بغاية الرأي  وماذا نريد من وراءه ، وخصوصاً  إذا كانت من شخصيات عامة ذات تأثير على الكثيرين في المجتمع   هو الأهم .. أما بشأن السيد جمال سليمان بالحقيقة لم أسمع الكثير من تصريحاته  ، ولا أجد  أن لومي من عدمه   يغير شيئاً من وجهة نظره .. بكل الأحوال فيما لو كان قد دعى للتدخل الخارجي  أو لتقسيم البلد أو قصفه  ـ وأنا لا أعرف إن صرح بشيء من هذا القبيل أم لا ـ  فأنا لن أكون ضده فقط بل  أسمي ذلك خيانة عظمى ..

  

  سامرعمران- بطاقة تعريف:

·     مواليد ١٩٦٤ في اللاذقية بسوريا .

·      دكتوراه في المسرح ١٩٩٨

أول عمل تلفزيوني له: هجرة القلوب إلى القلوب

اول عمل مسرحي محترف كمخرج: عشاء عيد ميلاد طويل

أول عمل سينمائي: دواليك إخراج بسام كوسا

تزوج من الفنانة ريم علي وانفصلا ولهما ابنة

·     مؤسس وعميد كلية فنون الأداء في جامعة المنارة منذ عام ٢٠١٧ إلى الآن

الكاتب

يارا سلامة- دمشق

الكاتب:

  • للمشاركة