Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

المبادرة الفرنسية الأمل اللبناني الأخير

855
news room September 13,2020

تحولت زيارة رئيس الدولة الفرنسية إيمانويل ماكرون الى لبنان غداة انفجار بيروت الفاجعة الى استفتاء سياسي حيث استقبل كبطل بين الناس في المنطقة المنكوبة وكان متفهما وجعهم وقد وعدهم “ان فرنسا لن تترككم لانه يوجد بين لبنان وفرنسا علاقات صداقة تاريخية منذ ان خلقت فرنسا لبنان.” بالمقابل كان صلبا ومتشددا مع المسوؤلين اللبنانيين وأنذرهم بالقيام بالإصلاحات المطلوبة مع تشكيل حكومة بأسرع وقت ممكن.فما هي مبررات العودة الفرنسية الى لبنان بهذاالزخم بعد ان كانت انكفئت امنا الحنون لعدة سنوات تاركة ولدها الى مصيره المجهول؟


تعود العلاقات اللبنانية الفرنسية الى القرن السادس عشر حين تم وضع مسيحيي الشرق تحت الوصاية والحماية الفرنسية. البعض يعود بجذورها التاريخية الى فترة دخول مار مارون الى لبنان ومن ثم الوضع الخاص للناخب بالضمير الفرنسي بسبب تعاطف مسيحيي لبنان مع الحملات الصليبية للشرق وارتباطهم بآلام الحنون فرنسا.

بعد الحرب العالمية الاولى واتفاقية سايكس بيكو ١٩١٦ أصبح لبنان تحت الانتداب الفرنسي فأعلن الجنرال أورو في قصر الصنوبر في بيروت سنة ١٩٢٠ولادةلبنان الكبير الذي نحتفل بمئويته هذه الأيام ،ومنذ ذلك التاريخ جعلت فرنسا لبنان بوابةلنفوذها في الشرق الأوسط .

بناء على ما تقدم اثبت ماكرون ان لفرنسا من جديد نفوذ في لبنان لا تمحيه السنون من خلال علاقات تاريخية وتأثير مباشر على سياسييه وهذا ما أكده من خلال اجتماعه بهم في قصر الصنوبر كالتلاميذ امام المعلم وقام بتهديدهم بالويل والصبور اذا لم ينجحوا في القيا بالإصلاحات المطلوبة داخليا ودوليا وبتشكيل حكوم في فترة خمسة عشرة يوما.بالتالي عزز نفوذ فرنسا في لبنان ومنه الى المنطقة، وكان يقصد بذلك مباشرة إضعاف النفوذ الإيراني في لبنان وتقوية النفوذ الفرنسي لمواجهةالنفوذ التركي المتنامي في لبنان والمنطقة،ولبنان الذي يتعرض لضغوطات اميركيةوسعودية ربما سيجد بالمبادرة الفرنسية خشبة خلاص لوضعه المتأزم اقتصاديا وسياسيا.

بالإضافة لذلك فإن زيارة ماكرون للبنان بعد انفجار مرفأ بيروت لم تكن مفاجئة بقدر ما هي جزء من المبادرات الفرنسية الآي قام بها الرؤساء الفرنسيون الذين سبقوا ماكرون الى لبنان على امتداد التاريخ ومنذ استقلال لبنانسنة١٩٤٣. هذه المبادرات خفت في عهد الرئيسين نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند على الرغم من زيارتهما للبنان لكن دون القيا م بأي مبادرة

بسبب ضمور الدور الفرنسي في لبنان والمنطقة لصالح الدور الاميركي.ففرنسا التي كانت تعتمد سياسة عربية خاصة بها للبنان والمنطقة في عهد ديغول وجاك شيراك انحسر دورها وانحازت للسياسة الاميركية التي كان معجبا بها الرئيس ساركوزي الذي قال امام السفراء العرب في احدى المناسبات “انني صديق لإسرائيل ومعجب بالسياسةالاميركية” ، اما الرئيس هولاند والذي أتى بعده لزيارة لبنان فقدتفقد المخيمات السورية في البقاع ولم يقدم للبنانيين اي مبادرة في وقت يعيش فراغ في رئاسة الجمهورية مما يؤكد ضعف الدور الفرنسي آنذاك . بينما رأينا وضمن التقليد الفرنسي في حب لبنان ان الرئيس جاك شيراكحضر بنفسه جنازة الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي كانت تربطه به علاقات صداقة ومحبة .وخلال ولايته نظم جاك شيراك في سبيل مساعدة لبنان مؤتمر باريس ١وباريس ٢ و ٣ من اجل دعم لبنان اقتصاديا للخروج من ازماته المستعصية، كما وأنه ساهم في استصدار القرار ١٥٥٩بالتعاون مع جورج بوش الابنين اجل الانسحاب السوري من لبنان. قبله وفي العام ١٩٨٣ زار فرنسوا ميتران لبنان بعد ان اقنع الرئيس الاميركي ريعان بإرسال قوات متعددة الجنسيات من اجل مساعدة لبنان على النهوض وإعادة الاستقرار. الى ربوعه بعد ان اجتاحته إسرائيل في حزيران ١٩٨٢، قبل ذلك دعمت فرنسا ايضا صدور القرار ٤٢٥ سنة ١٩٧٨بعد الاجتياح الاسرائيلي لجنوب لبنان وارسلت قوات فرنسية في عدا قوات الامم المتحدة اليونفيل والتي لا تزال موجودة حتى يومنا هذا. اما الرئيس ماكرون والتي أتت زيارته في هذا السياق للرؤساء الفرنسيين فانه عند عودته الى فرنسا من لبنان نظم مؤتمرا دوليالتقديم الدعم للبنان بعيد انفجار المرفأ ومساعدة اللبنانيين للقيام بالإصلاحات المطلوبة دوليا لترجمة المساعدات الى واقع ملموس .في هذا السياق لم يكن مفاجئا ان يطلب بعض اللبنانيين من ماكرون عودة الانتداب الفرنسي الى لبنان نظرا لحب جزء كبير من اللبنانيين لفرنسا والتي تعتبر الام الحنون،هذا الشعار الغالي على بعض اللبنانيين نتيجة الروابط القوية التي تحدثنا عنها انفا هو ترجمة فعلية لاعتبار اللبنانيين ان فرنسا تبقى الضامن والحا مي للبنان و لمسيحييه في المنطقة.

في الختام ان مبادرة الرئيس ماكرون الى لبنان والمبادرة التي تقدم بها لخروج لبنان من ازماته المستفحلة على كل الصعد تشكل ربما الأمل الوحيد للبنانيين في غياب اي مبادرة عربية ام دولية في ظل الحصار المضروب لإنقاذ الوضع اللبناني 

الكاتب

د. عادل خليفة بروفسور جامعي وكاتب سياسي لبنان

الكاتب:عادل خليفة

  • للمشاركة