Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

"الله يفرّج" و"الله يهدئ البال"، عبارتان يحيا بهما السوريون

1471
news room September 30,2020

 

عقيل سعيد محفوض 

ان نظام التفكير لدى الإنسان "استعاري بطبيعته"، ومن ثم فإن استعاراتنا تلعب دوراً في تحديد وتعريف ما ننظر إليه ونفكر فيه ونعبر عنه. ومثلما أن ثمة "استعارات قاتلة"، على ما يقول جورج لايكوف، تمثل جزء من الحرب ودينامياتها وأدواتها في سورية والمنطقة والعالم، من قبيل: "حرب أهلية"، "ثورة"، "جماعات مسلحة"، "روافض-نواصب"، الخ فإن ثمة استعارات معاكسة، أي استعارات "متنصلة" من الحرب، إن أمكن التعبير، وذلك من قبيل: "الله يفرِّج"، و"الله يهدئ البال"، الخ

ويبدو أن ثمة حاجة لتدارس وتقصي "الاستعارات التي يحيا بها" السوريون اليوم، حرباً وسلماً، بقاء وهجرة، ويعبرون من خلالها عن موقفهم مما يجري. ولا يكون التعبير صريحاً دوماً، بل همساً وترميزاً وتوريةً وإضماراً.

 

وهكذا، قد لا تنطوي تلك الاستعارات المذكورة بالنسبة للسوريين على اصطفاف مع طرف من الأطراف في مواجهة الآخر، أو على الفرد في مقابل المجتمع أو الدولة الخ إنما موقف مركب أو ملتبس من العيش والحياة، وخاصة من يريد أن يعيش بلا أدنى انهمام أو انخراط واع أو قصدي في السياسة، وبالأخص من "يريد سلته بلا عنب"!

 

من العبارات أو الاستعارات الشائعة بين السوريين: "الله يفرّج"، و"الله يهدئ البال"، كما سبقت الإشارة؛ ولدى المغاربة عبارات مشابهة، من قبيل: "الله غالب"، ويردد العراقيون كلاماً مشابهاً أيضاً هو أقرب لدعاء، يقولون: "يا صاحب الفَرَج، يا عالياً بلا درج". 

 

يتعلق الأمر إذا باستعارات لغوية وبلاغية ورمزية، تتخذ شكل الدعاء لكنها تحيل إلى "لسان الحال"، وتكشف عن شعور شريحة -قد تكون كبيرة- من الناس بأهوال الحرب، وضعف الحيلة، والعجز أو الإخفاق في تأمين متطلبات العيش، والاستسلام حيال ذلك، وأحياناً ما تخفي حالة من "التخلي" و"الانكفاء"، و"انتظار الفرج"، و"التملص"، وربما "المراوغة" أو "المراءات" أيضاً.

 

العبارتان أو الاستعارتان المذكورتان تسكتان عن أشياء أكثر مما تصفحان، إذ ان ظاهرهما الدعاء والإحالة والتمني بأن تنتهي الحرب، ومضمرهما "التخلي" و"التملص" حيال الواقع أو حيال الحرب، كما تتكرر الإشارة، وكما لو أن طرفي الحرب أو أطرافها جميعاً في حيز واحد، وان المهم هو انتهاء الحرب، من دون كبير اهتمام بهوية أو طبيعة المنتصر فيها. 

 

وقد تنطوي الاستعارتان المذكورتان على نوع من الشكوى والتعبير عن الإجهاد والتعب والألم مما يجري، وإحالة الأمر إلى من "لا غالب له"، و"ما شاء فعل"؛ وفي هذا نوع من "الإرجاء اللا واعي" إلى قوة متعالية أو قوة السماء، طالما أن قوى  الأرض لم تتمكن من فعل شيء!

 

لكن جانباً مهماً في استعارات السوريين اليوم، هو محاولة الوقوف خارج دائرة الحرب، فلا استقطاب ولا انجذاب، ولو أن فضاء المعنى وخطه العام يتجاوز "اعتزال" الحرب إلى نوع من "عدم رضا" عما يجري، وإلى "هروب" من التعبير عن موقف مباشر حيال الحرب. 

 

وتُضمر العبارتان المذكورتان -بكيفية غير مباشرة- مدارك عميقة حول الحرب، إذ انها حرب بين "فواعل داخلية" وليس "خارجية"، وحتى لو كان "الخارج" حاضراً، إلا أن الأصل هنا هو "الداخل"، إذ لولا أن "الداخل" كان قابلاً لذلك لما كانت الحرب. وهذه من القضايا الملتبسة في تقديرات الحدث السوري اليوم.

وفي الاستعارات المذكورة نوع من "الترميق" البلاغي، يساعد قائله على ان يعبر بلغة باردة أو "لا منتمية" أو "لا مقاتلة" أو "لا مصطفة" في الحرب، وأن يتدبر عيشه في فضاء اجتماعي وسياسي وقيمي مفخخ بالعنف ومحكوم بإكراهات الحرب، وحيث يكون لاستعارات لغوية وبلاغية من هذا النوع طابعاً "هروبياً"، إن أمكن التعبير، فهي تأويلية وتحمل المعنى ونقضيه. فأنت إذ تقول: "الله يفرج" و"الله يهدئ البال"، فهذا أمر لا يمكن لأي من أطراف الحرب إلا أن يقول لك: آمين، حتى لو شعر أنك تضمر موقفاً مناهضاً له! 

الاستعارات من هذا النمط ليست مجرد ظاهرة فردية، إنما هي ظاهرة جماعية، والواقع أنها تصدر عن نظم قيم اجتماعية متجذرة وعميقة، من ثم فإن الحديث هنا هو عن "تملص جماعي" أو "توافق موضوعي" حيال أمور وظواهر واستجابات عديدة خلال الحرب. انظر مثلاً:

-       "الحرج" من طرح الأسئلة التي يجب طرحها بشأن الحرب، فكيف بمحاولة الإجابة عنها، و"التملُّص" من التعبير عن مواقف صريحة حيال ما يجري. 

-       "الفصام" بين القول والفعل، أو بين الفكرة وبين مقتضاها في الواقع، فقد يكون المرء غير راض أو غير مقتنع بالحرب، لكنه مع ذلك ينخرط فيها، بكيفية أو أخرى. وتجد تبريرات وتفسيرات –قُل استعارات- كثيرة بهذا الخصوص، من قبيل أن لدى المرء أو المرأة "أفواه يجب إطعامها"، و"ما جَبَرَك على المُر، إلا الأَمر منه"، و"الناس على دين ملوكهم"، أي أعيانهم وزعمائهم وقادتهم، و"قَدَّرَ الله وما شاء فعل"، الخ 

 

بعد مرور ما يقارب عشر سنوات على الحدث السوري بتداعياته الإقليمية والدولية، تبدو "الحرب" هي الاستعارة الأهم والأخطر "التي يحيا بها السوريون"، بتعبير مستعار من جورج لايكوف، "الحرب" بوصفها "مقولة" و"واقع"، إذ إن كل شيء مفسر بها، حتى ما كان قبل الحرب، إذ تمت علميات تحليل وتفسير لمداخل الحدث "بأثر رجعي".

 

وهكذا، تبدو استعارة "الله يفرِّج" و"الله يهدئ البال"، كما لو أنها مدخل للفهم، ومدخلا للتعمية، تفسر وتبرر كل شيء، وفيما تركز على الأثر أو الفعل، فإنها "تسكت" عن الفاعل،  كما تسكت عن الأسباب. وهذا منطق سائد لدى الجميع تقريباً، أفراداً وجماعات، على اختلاف المواقف والتوجهات والممارسات.

"الله يفرّج" و"الله يهدئ البال"، عبارتان أو استعارتان يحيا بهما السوريون، وإلى أن يحدث ذلك، أي أن يفرج الله عن البلاد والعباد، يمكن للمرء أن يفعل ما يراه مناسباً، أو ما هو متاح أو ممكن الخ هنا يصبح الجزئي قوَّاماً على الكلي، والعابر والمؤقت قوَّاماً على الدائم، والفردي على الجمعي الخ بانتظار حلول الآخرين أو حلول السماء، مكتفين بترداد عبارات من نمط: "يا صاحب الفَرَج، يا عالياً بلا درج"! 

الكاتب

د.عقيل سعيد محفوض باحث وكاتب له مؤلفات ودراسات عديدة حول تركيا والشرق الاوسط

الكاتب:د.عقيل سعيد محفوض

  • للمشاركة