Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

الخروج من الإكتئاب، قرار ...

1388
news room March 11,2021

ساره العريضي: 

"لو  كان الموت يباع لدفعت ثمنه الغالي والنفيس" هكذا وصفت مريضة الإكتئاب وضعها وثم قالت:"  تظن أنك تقاوم، لكّن في الحقيقة إنك تنطفئ. . . أصبحت أخاف الجحيم ليس حباً بالجنة وإنّما خوفاً من شرب كأس الكآبة الذي أدمنته لمدة ثلاث سنوات.  كانت البداية أشبه بالدّخول إلى عالم الظلال. فمنذ رحيل والدي فقدت ذاتي، وعقلي تماماً.  هذا الحدث زرع فيّ بذور اليأس وكانت نفسي تربة خصبة قابلة لهذه الأفكار السوداوية. كنت فاقدة الأمل والعقل تماماً أشبه بالأشباح، فارغة المحتوى وضائعة. ما عادت الكتب تغريني، والموسيقي التي أحببتها باتت كموجات صاعقة تدخل قلبي. أما التنزّه خارج المنزل فأصبح يزيد من كآبتي، كل الأشياء التي لطالما أحببتها قديماً أضحت لعنة لم تزد حالتي إلا تدهوراً. كنت كخفاش الليل أنام نهاراً وأقلق ليلاً، بغضت الشمس والضوء، وأدمنت الوحدة والسهر.  لم أكن أعرف معنى الجلوس والانضباط،  دائمة الحركة والمشي أسير بشكل دائري كل النهار، وكان هدفي أن يمضي هذا الوقت وأصبح بجوار والدي. . .  كرهت الشتاء آنذاك، فكلما أمطرت يصيبني حالة هستيرية وأصرخ بأعلى صوتي : والدي سيبرد ويتبلل، والدي سيبرد ويتبلل. والدي تحت التراب!! أقولها وأنا أمشي بشكل دائري بحلقة مفرغة لا مغزى ولا هدف، بعدها أسقط أرضاً وهنا تنتهي المعاناة لمدة ثلاث أو أربع ساعات. . .  كرهت الجميع من حولي دون استثناء،  لم أعد أرغب برؤية أحد ولا بسماع رأي أحد. أصبحت حاسدة أنظر إلى الناس السعداء وأشعر بالنقص وأتألم. . . أما على الصعيد الجسدي،  فخسرت حوالي ثلاثين كيلوغراماً، لم أكن أتناول سوى بضع لقيمات لأبقى على قيد الحياة.  وشعور التقيؤ بات يلازمني كظلي، بوجهٍ شاحبٍ، وعينين أشبه بحال المدمنين. . .  وبعد ثلاث سنوات من الضياع والكآبة أشرق الله في نفسي الأمل، فبدأت رحلتي مع الشفاء التي كانت صعبة جداً، ولكن تمسكت بحبل الله واعتصمت بالتوكل عليه حيث عنده تعالى الحياة  . . .  وبعد سنة من العلاج رجعت إلى ما كنت عليه قبل محنتي،  وعدت المرأة العاقلة الطموحة المحبة والآملة.  تابعت دراستي الجامعية حتى تخرجت معالجة نفسية، هدفي مساعدة الجميع، والعمل على توعية الناس حول هذا المرض الصامت الفتاك"

كيف لا يكون فتاكا؟ وقد أكدت منظمة الصحة العالمية أن هناك ثلاثمائة مليون شخص من مختلف الأعمار يعانون الاكتئاب وهذا الرقم آخذ بالتصاعد. وذلك بسبب الأوضاع الراهنة التي تمثلت أولاً بالأحداث الصحية الراهنة (كورونا) من جهة والموت الذي يتصاعد من جهة أخرى، بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي الذي زاد الوضع سوءاً.

الإكتئاب  هو اضطراب مزاجي يسبب شعورا دائما بالحزن وفقدان الاهتمام. ويطلق عليه إسام اضطراب اكتئابي رئيسي أو اكتئاب سريري، وهو يؤثر على الشعور، التفكير، والسلوك أيضاً ويمكن أن يؤدي إلى مجموعة متنوعة من المشاكل العاطفية والجسدية.

  هناك عدّة عوامل ساهمت بولادة الكآبة مثل وفاة شخص عزيز كما حصل مع المرأة،  أو حالات انتحار داخل العائلة،  أو وجود أقارب مصابين بهذا الداء،  أو أمراض جسدية أو تناول الكثير من الأدوية وغيرها، أو الحزن الشديد، او فقد حبيب، أو خسارة أمر مهم، وكثير غيرها  من المفاجآت السلبية التي تواجه الإنسان وتقلقه.

  مخاطر الكآبة جمة: كالانتحار، الإدمان على الكحول أو المخدرات، القلق، أمراض القلب وأمراض أخرى، مشاكل في العمل أو التعليم، مواجهات وتشنجات داخل العائلة الواحدة، صعوبات بالعلاقات الزوجية، وعزلة اجتماعيّة.

 إن الفحص البدني أو الجسدي،  والفحوصات المخبرية أو التقييم النفسي هي الطرق الممكنة لتشخيص الاكتئاب. . .

   لمعالجة الاكتئاب يلجأ بعض الأشخاص لأخذ الدواء بطرق عشوائية وخاطئة مما يؤدي إلى ظهور أعراض جانبية كالتوتر الدائم، الاهتزاز، القلق، الصداع،  الشعور بالتقيؤ، أو فقدان الشهية وأحياناً يصل بهم الأمر إلى فقدان التركيز والوعي.  . .

  أما المعالجة الدوائية أو المعالجة بالأعشاب الطبيعية عن طريق وصفات طبية فهي أمر يصفه عارفوه بأنه  مهم للتغلب على هذا الداء.

  يبقى العلاج النفسي الأكثر انتشاراً، ويسمى بعلاج المحادثة بهدف المساعدة على التعبير عن الذات للتغلب على المشكلات. والتخطيط الكهربائي،  حيث يتم تمرير تيار كهربائي عن طريق الدماغ بإحداث فيضان للمشاعر. 

 درهم وقاية خير من قنطار علاج، لذلك وجب علينا الوقاية من هذا الداء من خلال التوكل على الله سبحانه والتيقن برحمته تعالى ومن ثم تناول الغذاء الصحي كالخضار والحبوب، وممارسة الرياضة باستمرار،  وتجنب المسكّرات،  والنوم بشكل جيد، وحب الذات ومعرفة عظمة النفس البشرية،  والتمرن على اليوغا أو التأمل أو قرأة الكتب السماوية ، وأخيرًا التجمعات العائلية التي ترفع من مستوى السعادة وتريح القلوب،وتطرد الكآبة بعيداً .

  هذا المرض الذي يفتك بنفوس الأفراد، حاله كحال السرطان يتغلغل داخل العقول، ويورّم النفوس بالأفكار الواهمة واليائسة. يجب استئصاله ونزعه ليعود الإنسان سويّاً واعياً وحالماً. فالأمل هو المقاومة الوحيدة بوجه هذا الداء وهذا ما دفع السيدة بالانتقال من قاع اليأس إلى رحاب الآمال الواسعة.

استئصال الاكتئاب هو ككل شيء في هذه الحياة التي وهبنا إياها الله، يحتاج الى عزيمة وإرادة ونظرة أوسع وأعمق لحياتنا، فهو بنهاية الأمر قرار حتى ولو إحتاج في مراحل منه لبعض مساعدة واستشارات.

قرّر ان تخرج منه الاكتئاب، ستخرج بإذن الله ومعاونة أصحاب الشأن، فالله خلق لنا الإرادة والبصيرة والعزم والصبر ووضع أمامنا أبوابا كثيرة، علينا فقط معرفة مفاتيحها.

 

الكاتب

ساره العريضي

الكاتب:ساره العريضي

  • للمشاركة