Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

الخلاص من " وهن نفسية " الأمة في سورية

2091
news room March 2,2021

لجين سليمان

برز على الساحة السورية مؤخرا مصطلح "وهن نفسية الأمة" وهو من المصطلحات الحديثة التي أفرزتها الحرب. هذا طبيعي في وطن فاق فيه الفقر حدّه الانساني المقبول، وقّلت فيه الموارد، وتعدّدت طوابير انتظار لقمة العيش والأمل، حتى ليكاد السوري يشعر بأن لا خروج من النفق الا بمعجزة. لكن الى هذه الأمور المعيشية الضاغطة بكل قسوتها وجورها والتي تفاقمت بسبب الحصار الدولي والعقوبات التي كما هو معروف تضرب الشعوب قبل غيرها، ليست وحدها سبب " وهن نفسية الأمة"، فقد بات   أي انتقاد بحق الدولة جريمة يعاقب عليها القانون لأنها توهن نفسية الأمة، وهو أمر غريب فعلا في الذكرى العاشرة لحرب ضرورس تحلّ علينا بكل مآسيها، بينما ثمة من يعتبر " الكلمة" هي سبب الوهن.   

ورد مصطلح نفسية الأمة في كتاب  الأديب العالمي المُبدع ذي الأصل السوري ، أدونيس "ها أنت أيها الوقت"  الصادر عام 1993، فقد رأى الكاتب أن الأدب رسالة تفصح عن شخصية الأمة وتعبّر عن نفسيتها.

يرى أدونيس أن النهضة التي تمنع وهن نفسية الأمة تقوم على ركائز عدة منها:

-        الخروج من الفوضى والتخبط والبلبلة بنظرة جديدة إلى الإنسان والحياة والفن تعبر عن الشخصية القومية وعقلية الأمة مستمدة ن التراث القومي مرتبطة به ومنفتحة في الوقت ذاته على التفاعل مع ثقافات الشعوب الأخرى تفاعلا خلاقا مبني على قاعدة أساسية متمثلة في الأصالة والتي تتمثل في طلب الحقيقة الاسايسية الكبرى لحياة أجود في عالم أجمل وقيم أعلى ومن جهة ثانية في الارتباط في الاصول التي لا تستنفذ تراث الأمة.

الأمر عينه، نجده في أدبيات مؤسس الحزوب السوري القومي الزعيم أنطون سعادة  في كتابه "الصراع الفكري في الأدب السوري" . فهو إذ لم يستخدم مصطلح " وهن نفسية الأمة" الا أنه شرح صلة الوهن السياسي والاجتمااعي السائد آنذاك بالوهن الأدبي قائلا "كان موضوع الأدب يلوح أمام ناظري، ويطل من وراء المشاكل الإدارية والنفسية والسياسية التي تعرض أمامي، ولم أكن أجهل علاقة الأدب بهذه المشاكل، وإمكانات تذليلها بإنشاء أدب جديد حي، وكم كنت اتألم من تفاهة الأدب السائد في سوريا، وأشعر أن فوضى الأدب وبلبلة الأدباء تحمل نصيبا غير قليل من التزعزع النفسي والاضطراب الفكري والتفسخ الروحي المنتشرة في أمتي ، وكان هذا التألم  يحفزني لانتهاز فرصة عارضة للفت نظر الأدباء الذين يحدث بيني وبينهم اتصال إلى فقر الأدب السوري وشقاء حاله وفداحة ضرره ولتوجيههم نحو مطالب الحياة وقضاياها الكبرى وخطط النفس السورية في سياق التاريخ"

الواقع أن ما بعد الحروب يتشابه في جميع دول العالم، حيث يُصبح الناس توّاقين الى مشروع جديد ينقذهم مما هم فيه، وينسيهم ويلات الحرب. وهنا يأتي دور القيادة في اجتراع مشروع لدولة ما بعد الحروب، ذلك أن ما كان قبل الحرب لا يصلح مطلقا لما بعدها خصوصا اذا ما كانت الحرب قد عمّقت الشروخ داخل المجتمع نفسه ولم تقتصر على هجوم خارجي. وهنا تتوجه أنظار الناس عادة الى القيادة، لأن الناس يشعرون بشيء من الوهن الطبيعي ومن العجز عن انتاج طريق خلاص، لكنهم يكونوا زاخرين بالحماسة والأمل للخروج ويريدون من يرشدهم الى الباب.

لعلّنا نتلمس ذلك في كتاب  "a compass to fulfillment"  لمؤلفه الياباني "كازو اناموري" . فهو أشار الى أن مشكلة اليابان ما بعد الحرب، تمثلت في أن من تولوا القيادة ، كانوا يفتقدون الى استنباط المشاريع الخلاّقة، والى عمق المعارف وأصالة الأخلاق وبعد النظر . وهو ما ناقضته تماما القيادات اللاحقة التي عرفت كيف تنهض باليابان من بلد دمرته الحرب الى نموذج عالمي في النجاح والنهضة والتقدم والمنافسة.  

يقول الكاتب الياباني  إنه وأثناء حوارت القادة الفاشلين بعد الحرب  على وسائل الإعلام كالتلفزيون مثلا كان يظهر ضعف شخصياتهم من خلال تقديهم كلمات اعتذارية عن أفعال مضت، تنمّ عن عدم وعي أو انتباه لما يجب فعله، أو على الأقل تدلّ على سيناريو غير مدروس وعلى قصر نظر، فبدلا من رفع معنويات الأمة ، ساهموا في احباطها وفي التأسيس لما بتنا نسميه اليوم " وهن نفسية الأمة" ، فهؤلاء كانوا فقط يقومون بمحاولة يائسة لتلميع الاخطاء، وهو ما يضعف نفسية الأمة لأن ضعف القيادة بعد الحرب يؤثر حتما على الناس وبشكل عميق وجوهري.لذلك من واجب القيادة ان تبقى باعثة للثقة في نفوس مواطنيها، لا ان تحاسبهم اذا ما تحدثوا عن خلل.

انطلاقا مما تقدم، يمكن الجزم بأن ما تحتاجه سوريا بعد الحرب، هو أولا مشروعا نهضويا واضحا، وثانيا مسؤولين يعرفون كيف ينفذون هذا المشروع ويعيدون الثقة والأمل لشعب عانى كل صنوف الويلات. وهي تحتاج كذلك وبقوة  الى توحيد الصوت والكلمة والترفّع عن الانقسامات والاختلاف. فأنا أريد أن اعيد بناء وطني المُنهك والنفسيات المُتعبة مع الآخر وليس لوحدي، وهذا الآخر ليس لديه خلاص سوى بالعودة الى من كان نقيضه تحت سقف الوطن . صحيح ان الجراح غائرة في جسد الوطن، لكن الصحيح أكثر هو أن الوطن سيحتاج الى كل أبنائه، يتآلفون حول مشروع لا يستبعد أحدا ممن يغارون عليه ويعملون لنهضته، ويتآلفون أيضا حول قيادات تبعث الثقة في النفوس وتضع مشروعا قابلا لانعاش الأمل مع خطة عمل متكاملة مباشرة وخمسة وعشرية.... غير ذلك  سيُبقي ليس فقط نفسية الأمة وهنة ومتعبة وانما سيُبقي كل الوطن في مهب الريح.

الكاتب

لجين سليمان إعلامية-الصين

الكاتب:لجين سليمان

  • للمشاركة