Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

 الإعلام العربي فتك بالمجتمعات خدمة للمَحاور

806
news room May 10,2021

لعبة الأمم 

سامي كليب 

 إكتسب الإعلام العربي كل تقنيات العصر، فصارت الصورة أجمل والغرافيك أكثر سحرا وجذبا، والألوان مُناسبة والديكورات تحاكي افخم الديكورات العالمية، لكنه بالمضمون تخلّف سنوات ضوئية، ليعود الى عصر صراع  داحس والغبراء، فقَبِل أن يكون مطية للمحاور المتصارعة، وساهم في توسيع الشرخ المجتمعي والفتن المذهبية والسياسية، وفاقم في إنعدام ثقة الناس به.

لماذا وصلنا الى هذا الدرك؟ وهل ثمة حاجة في مجتمعاتنا العربية لثورةإعلامية تُنقذ المهنة وتفتح آفاقا أكثر إشراقا أمام الأجيال الشابة؟

دعونا نبدأ بطرح السؤال معكوسا في البداية ليكن إشكاليةَ المدخل:

هل الصحافي أي المُرسل في لغة التواصل  مرتاحٌ ومستقرٌ نفسيا أصلا  لكي يعكسَ راحتَه على المتلّقي؟ وهل تم تأهيلُه بالمعرفة والعلم وبشرعة وأخلاق المهنة، كي يتصرّف على أساسها؟ وأخيرا، هل المؤسسة الإعلامية التي يعمل فيها تسمح له بهامش حرية واسع أم أنه يجد نفسه عن وعي او لا وعي متأثرا بأهدافها الدعائية، وبيئتها الإجتماعية، وانتمائها السياسي، ونزوعِها الديني ، ومصالحها التجارية؟

في الإجابة على هذه الأسئلة، نلاحظ التالي في معظم الدول العربية الا ما ندر:

·     الصحافي غير محمي، والنقابات ضعيفة ويمكن إقالته من المؤسسة في أي وقت.  

·     الصحافي لم يؤهل مهنيا في كليات الإعلام التي تضم خبرات أكاديمية لكن معظمها لم يُمارس المهنة على الأرض، ولم يؤهل لغويا ذلك أن تطوير اللغة العربية في كليات الإعلام شبه معدوم والأساتذة لا يتمتعون بلغة جيدة.

·     الصحافي لم يؤهل كذلك لشروط النزول الى الشارع ومخاطبة الناس ومعرفة ما هو الممنوع والمسموح، فنراه مثلا يسير بين الجثث، أو يطلب من طفل أن يتحدث الى الكاميرا دون إذن من أهله، ويمزج بين دوره كإعلامي أو كناشط سياسي.  

·     الصحافي غير متمتع بضمانات صحية  له أو لعائلته في حال تعرّضه لحادث جسدي أو الموت.

·     الصحافي لا يستطيع الإعتراض على السياسة العامة للمؤسسة التي يعمل فيها حتى لو حصل ما يسمى ب "نزاع مصلحة"

·     حين يخرج الصحافي من مؤسسته غالبا ما يجد نفسه في بيئة يحميها زعيمُ طائفته أو مذهبه . وهنا قد يتناقضُ ميلُه المهني مع الموروثات العائلية والإجتماعية والنفسية والدينية وغيرها.  

ثم جاءت جائحة كورونا وما عكسته من ضيق مالي على المؤسسات الإعلامية والصحافيين لتضيِّق هامش المناورة المهنية عند الصحافي ..

ومع الإنتشار الواسع لثورة التكنولوجيا ووسائل التواصل الإجتماعي، تغيّر إتجاهُ الرسالة الإعلامية، فهي في السابق كانت في معظمها من المُرسل الى المُتلقي أي بإتجاه واحد، بينما اليوم صارت بالاتجاهين( بفضل تويتر وفايسبوك وانستاغرام وكلابهاوس وغيرها ..)، وصار الصحافي يعيش ضغط ردود الفعل التي سُرعان ما تنتشر كالنار في هشيم المجتمعات العربية وتشكل وسيلة ضغط قاسية عليه وغالبا ما تضعه على نحو إضطراري  في محور ضد آخر.

نحن اذا أمام مشهدٍ معقدٍ، ومتعددِ أسباب القلق ... وهذا يؤثر بصورة سلبية عميقة على علاقة الإعلامي بمجتمعه  وفي الإتجاهين. فينزلق العملُ الإعلامي الى ما أسميه ب " الأبواق". هذا يمدح وذاك يقدح ، وتُذبح الرسالة الإعلامية المفترض أنها نزيه على مذبح السياسيين والدعاية السياسية التي قد تُخفي خلفها مشروعا سياسيا أو دينيا، أو تخفي جشعا تجاريا مغلّفا بمشروع سياسي.

هذه حالة غير سليمة نفسيا، فالصحافي قد يظنُّ نفسَه حُرّا، بينما هو في الواقع بيدقا على رقعة شطرنج المصالح السياسية والتجارية والدينية وغيرها. هو حرٌّ في أن يُساند أي محور في حياته الشخصية، لكن حين يُمارس هذه المهنة المُفترض أنها أخلاقية وإجتماعية وإنسانية قبل أن تكون سياسية، عليه أن يلتزم بشروطها، أو يغادرها ويصبح ناشطا سياسيا.

الإعلام والحوار الإيراني-السعودي

اليوم نشهد بداية إنفراجات في عدد من الملفات المُعقّدة، ومنها على سبيل المثال العلاقات الإيرانية-السعودية. هذه العلاقات كانت قد حفرت شرخا كبيرا بين المؤسسات الإعلامية العربية. ففي وسائل الإعلام الناطقة بإسم الخليج، كانت إيران وحلفاؤها يتصدّرون المشهد في العناوين والتفاصيل والضيوف لشرح " شرور" هذا المحور، وفي الإعلام العربي الممول من إيران ( خصوصا منذ تأسيس اتحاد الإذاعات والتلفزات الإسلامية قبل نحو 14 عاما) ، كان الخليج هو المُستهدف في الحديث عن اليمن أو التطبيع أو العلاقات مع واشنطن.

هذا الصراع في المشهد الإعلامي، الذي سيختفي حتما لو أدى الحوار الإقليمي والدولي الى إنفراجات حقيقية وصفقات كُبرى، حرم المُشاهد العربي ولسنوات طويلة من قضايا كثيرة تهمّ مستقبله وتشكل أساس نهضته المقبلة ومنها التالي :

·     الغياب الكامل للمعالجات السياسية الموضوعية لقضايا الصراع، حتى صار المُشاهد أو القاريء العربي يفتقد فعلا مؤسسة عربية واحدة تستطيع أن تقدّم له الخبر السياسي وتحليله والتعليق عليه بشيء من الموضوعية لكي يفهم. وزاد في الطين بلّة، أن اللغة المُستخدمة بين إعلام المحاور صارت سليطة اللسان تتضمن عبارات الشتائم المُباشرة خصوصا من خلال الضيوف الذين يتم انتقاؤهم بعناية من قبل هذه المؤسسات الإعلامية وفق مستوى قدرتهم على شتم الخصم والإساءة اليه أكثر من معرفتهم بخفايا الصراع وأرقامه ومعلوماته.

·     الغياب شبه الكامل للمعالجات الحقيقية لمستقبل التكنولوجيا الرقمية من السيابرنت الى السايبروور الى ثورة الجيلين الخامس والسادس من الإتصالات. صحيح أن ثمة برامج تمرّ مرور الكرام عليها، لكن أين الاستراتيجيات الإعلامية في هذا المجال، وماذا يستفيد الشباب العربي من برامج تعرض معلومات سطحية من قبل صحافي لا يعرف في بعض المرات مجرّد كيفية نُطق إسم المُنتَج التكنولوجي.  

·     الغياب شبه الكامل لشرح مخاطر حروب المياه المُقبلة، حيث ستُصبح المياه أخطر من النفط والثروات الطبيعية الأخرى في تنافس الأمم وتناهشها لحم الشعوب التي تعيش في أراضٍ ذات ماء وخصوبة.

·     الغياب شبه الكامل لبرامج ترصُد حركة الفكر العالمي، بحيث قلّما نجد برنامجا يعرض كُتُبا أو يعالج التيارات الفكرية الكبرى المؤثرة بمجتمعاتنا. وغالبا ما يتعلق الإعلام بقشور الكتب، ولو استضيف كاتب فقد يُسأل عن كل شيء الا عن المضمون الحقيقي لكتبه. وتغرق البرامج بالكليشيهات مثل كتب فرانسيس فوكوياما وصمويل هانتغتون، بينما مكتبات العالم تضج بكتب أكثر أهمية وقادرة على تعليم الأجيال العربية كيفية السير بطمأنينة أكثر على طريق المستقبل. ( كم عربي يعرف مثلا من هو المهدي المنجرة الذي استند اليه هانتغتون وفوكوياما، أو يعرف جورج قرم، أو سمير أمين ، أو جون زيغلر، أو إسرائيل فنكلشتاين، أو وليد الخالدي، أو جون بيركينز، أو جون ميرشايمر وستيفان ووالت... الخ )

·     الغياب الحقيقي لبرامج تُعالج أسباب نهوض الأمم بعد الحروب والأزمات منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم. ذلك  بسبب الإعتقاد بأن عملية التنمية والنهوض بالمجتمعات لا تجذب، وأنه من الأفضل التركيز على الحروب والويلات.

·     الغياب الفاضح لبرامج التوعية التي تشرح للشباب العربي، ما هي مجالات المعرفة والعلم والتكنولوجيا والحرف والصناعات التي تصلُح للمستقبل، لتفادي رمي آلاف الطلاب في سوق البطالة بعد تخرّجهم من جامعات تُعطي شهادات دون أن تفتح أبواب للعمل.  

·     الغياب الكارثي لبرامج تكافح العنصرية، وتعزز لغة الحوار، وترفع مستوى الحريات والديمقراطية الحقيقية وحقوق المرأة والطفل والإنسان بشكل عام.

·     أين هي برامج الإقتصاد-السياسي-الإجتماعي، ذلك أن هذه الأمور باتت مترابطة تماما اليوم، لكننا لا نجد على الشاشات سوى برامج اقتصادية جافة غير مؤنسنة، أو إجتماعية سطحية، أو سياسية تخدم المحاور لا الناس.

·     الغياب الكارثي كذلك للثقافة النوعية على الشاشات. كم مايسترو محترف عندنا في الوطن العربي وكم أوركسترا عظيمة، وكم رسّام وفنان ومثقف وكاتب غائبون عن الشاشات، لأن هذه الشاشات عمّمت ثقافة التسطيح الفني والثقافي حتى اعتقدت أنها هي الأساس

·     يعجّ الوطن العربي حاليا بمن يُسموّن بالمؤثرين على وسائل التواصل الإجتماعي " influencers"، كيف يتم توظيف هذه الطاقات الشابة لخدمة التوعية عبر برامج جدّية تفيد من شهرة هؤلاء لمساعدة أجيال عربية باحثة عن مسقبل أفضل.

لا بد من ثورة

هذا غيض من فيض النواقص، بينما النشرات الإخبارية والبرامج السياسية، غارقة بصراع المحاور، دون أخذ اي مسافة ولو قصيرة، لشرح ما يجري عبر معلومات دقيقة ومراجع موثوقة وشهادات وتحقيقات صادقة والاستماع الى كل وجهات النظر. لا بل أن الدفاع عن محور ضد آخر بات يُسيء للمحور نفسه، بحيث أن الكثير من الناس ينفضّ عادة عن أي تلفزة تُكرّر المواضيع نفسها والمعالجات نفسها كل يوم.

لا بُد من ثورة وعي عميقة، يقودها إعلاميون حريصون على مهنتهم وعلى وطنهم العربي، بغية التأسيس لمشهد إعلامي جديد، يحافظ على أخلاق المهنة وشرعتها، ويتكيف مع لغة العصر، ويساعد الأجيال العربية الصاعدة على شيء من أمل المستقبل، فنصف الوطن العربي شباب تقل أعمارهم عن الثلاثين عاما، وهؤلاء فتكت بهم وسائل الإعلام فزادت الشروخ بينهم، ورفعت مستوى الحقد، وجعلتهم وقودا لمحاور تتصارع ثم تتصالح، وفي الحالتين تذبح الإعلام معها.

-------------------------- 

هذه مقالة أولى تتبعها مقالات أخرى لتشريح واقع ومستقبل الإعلامي العربي. 

الكاتب

سامي كليب أعلامي وكاتب

الكاتب:

  • للمشاركة