Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

الهند: حجٌّ غريب وقاتل

3172
news room April 25,2021

يزن مهنّا-الهند 

انطلق 600 ألف حاج وناسك هندوسي قبل أيام في شوارع مدينة هاريدوار شمال الهند دفعة واحدةـ قاصدين نهر الغانج المقدّس للاغتسال به كطقس دينيّ هندوسي يحدث كل 12 عاما ،ويسمى "كومبة ميلّا"، على أمل التخلص من الخطايا والذنوب وتخليص قاصديه من دورة الحياة والموت. وهذا حدث اجتماعي وديني ضخم يُشارك فيه  نحو 150 مليون هنديّ لكنه تقلّص قليلا هذا العام بسبب وباء كورونا.

يشارك  المهرجان ملايين النسّاك  الملطّخين برماد الجثث المحترقة والذين وصلوا الى أعلى درجات التصوف. معظمهم  يعيشون  في الكهوف ويتغذون من صدقات النّاس. ويشهد المهرجان أحياناً طقوساً غريبة منها رمي جثث الحوامل في النهر المقدّس أو قضم جزء صغير من جثة ميت.

أما لماذا الأحتفال كل 12 عاما، فلأن هذا الرقم مرتبط بكل دورة كاملة لكوكب ( بوهاسبتاي ) حول الشمس، وهو كوكب ذُكر في التنجيم الهندوسي قبل 1000 عام من الميلاد، وأعتبر كوكب الحكمة الذي تشكّل من أول نور عظيم بزغ في الكون، وقالت بعض النصوص الهندوسية اللاحقة إن المقصود به هو كوكب المشتري.

 في علم التنجيم الهندوسي، يرتبط كومبة ببرج الدلو بشكل مباشر وبرج الحمل بدرجة أقل، ومع انتقال المشتري الى برج الدلو ودخول الشمس الى برج الحمل هذا العام، اعتبر رجال الدين الهندوس هذين الحدثين الفلكيين النادرين واللذين يحدثان مرة كل 83 عاما إشارة لضرورة إقامة العيد في العام الجاري.

مشكلة هذا العيد الضخم، هو ارتباطه بنشر الأوبئة والأمراض. وقد أفردت  له منظمة الصحة العالمية  قسما كاملاً من دراساتها حول مرض الكوليرا. ووثق العديد من الكتب العالمية ومنها " عصر الأوبئة " الذي يعدد الأوبئة بين عامي 1817 _ 1920 ، وكتاب" الحج والقوة"  لكاما ماكلين عام 2008، دور هذا الإحتفال بنشر عدد لا بأس به من الأوبئة وبعضها مُعدٍ أو قاتل.

مع ازدياد خطر الإحتفال حاليا بنشر وباء كوروبا الذي يفتك بالهند، ظن البعض أن الحكومة ستمنعه، لكنها لم تفعل وذلك  لأسباب سياسية وخوفاَ من امتعاض رجال الدين الهندوس الذين  يفوق عدد أتباعهم 800 مليون هندوسي، ومنهم  حكومة الحزب القومي الهندوسي "باهارتيا جاناتا" التي يقودها اليميني الهندي ناريندرا مودي .

كانت المحكمة العليا الهندية قد أمرت بمنع أي هندي من المشاركة في الاحتفال بدون إبراز فحص سلبي لفيروس كورونا،  واقرت أشد العقوبات بحق المخالفين لتعاليم التباعد الاجتماعي، لكن الإدارة الطبية في مدينة هاريدوار قررت سحب الفرق الطبية المكلفة فرز العينات خوفاً من تدافع  قد يؤدي الى وفاة الملايين. فالمعروف أن  تدافعا واحدا في العام 2013 أدى إلى مقتل 40 ألف شخص. هذا التراخي السياسي والإنسحاب الطبي رفعا سريعا عدد المصابين بكورونا واضطرت  الحكومة المحلية الى تحويل الفنادق لمراكز عزل  بعد امتلاء المستشفيات.

سجلت الهند 184 ألف إصابة في 14 نيسان/ ابريل  أول أيام بدء المهرجان، ثم قفز هذا الرقم إلى 243 ألفا خلال يومين ، ليسجل في يوم 22 نيسان 314 ألف إصابة في تزايد هائل وسريع لعدد الإصابات.  وأعلنت  السلطات الصحة الهندية عن اكتشاف سلالات جديدة من المرض في الهند، أدت إلى عجز مستشفيات العاصمة دلهي عن استقبال أعداد  بالمصابين. وحاليا  تبحث الحكومة الهندية مشروع قانون إقفال عام جديد، بعد أن تبيّن لها ان الإقفال الجزئي غير كاف. لكن هذا يطرح مشكلة اقتصادية كبيرة أيضا، حيث تحذّر الأوساط الاقتصادية الهندية من أن اقتصاد البلاد لن يتحمل اقفال عام جديد فيما الهند تلملم خسائرها الاقتصادية المرتبطة بالجائحة العالمية.

انكمش الإقتصاد الهندي بسبب كورونا 24% وشهد أكبر ركود له في التاريخ، مناقضا الثورة الإقتصادية الطموحة التي بدأتها الهند في العام 1992 والتي حققت نجاحات باهرة في الكثير من القطاعات وبينها التكنولوجيا التي صارت في مصاف المنافسة العالمية. لكن يبدو أن المصالح السياسية والتأثير الديني  وجائحة كورونا في هذا البلد الرائع والذي يقارب عدد سكانه المليار و400 مليون نسمة، اقوى من كل الطموحات.  

الكاتب

يزن مهنّا -الهند

الكاتب:يزن مهنّا

  • للمشاركة