Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

الحبُّ قرار، حتى في زمن الكوليرا... وكورونا.

948
news room April 27,2021

ديانا غرز الدين

"ذاكرة القلب تمحو كل الذكريات السيئة ، و تضخّم الذكريات الطيبة . و إننا بفضل هذه الخدعة نتمكن من تحمل الماضي ."

ليس مستحيلا استمرار حب تجاه شخص ما لمدة خمسين عاما. هو يستمر  دون ان تطفيء شعلتَه او تخفت جذوتَه خيباتٌ و هزائم، لا بل قد يزداد  املا و اصرارا على المضي قدما مهما كانت الصعاب و المشاق للفوز بقلب الحبيب.

" الحب في زمن الكوليرا"،  قصة حب بدأت مع  المراهقة واستمرت حتى بعد تخطي الحبيبين عتبة السبعين. ما بين المراهقة و الشيخوخة رحلة حياة بحلوها ومرّها، بحزنها وفرحها، بشؤونها وشجونها، بأزقّتها و زواريبها وتاملاتها عبر ثنايا الروح و النفس.  هو حب جارف و اخلاص نادر لم يوقفه شيء عن بلوغ منتهاه. فلورنتينو عامل التلغراف الشاب الفقيرالذي عشق فيرمينا التلميذة الحسناء حد الهوس و بادلته  الحب بأجمل منه، و تعاهدا على الزواج، لم يفرّق بينهما سوى  القدر كحال معظم العشاق في كل الازمنة و الامكنة.

غابرييل غارسيا مركيز كاتب و روائي كولومبي حائز على جائزة نوبل للاداب عام ١٩٨٢. في روايته الحب في زمن الكوليرا ابدع في السرد القصصي و في سعة خياله، و اجاد في وصف اعمق المشاعر البشرية من حب و خوف من الشيخوخة و الموت، و من صعوبة العلاقات بين كبار السن، وأراد القول إن القلوب و المشاعر لا تعرف عمرا و لا تحدها جدران، وإن الحب ليس حُكرا على فئة الشباب.

تدور القصة بشكل رئيسي في مدينة ساحلية قرب البحر الكاريبي و نهر ماغدالينا،  تمتد احداثها على مدى نصف قرن بين عامي ١٨٨٠ و ١٩٣٠، وهي بالتالي  تصف ما تغيّر في خلال تلك الفترة الزمنية المديدة،  وما تخلّلها من حروب اهلية في منطقة الكاريبي، وتتوقف عند اجتياح وباء الكوليرا للبلاد، و تغيرات التكنولوجيا و تأثيرها على الملاحة في نهر ماغدالينا اواخر القرن ال ١٩ واوائل القرن ال ٢٠ .

خلال ٣ سنوات من حب المراهقة لم تكن حياة فلورنتينو و فيرمينا الا من اجل واحدهما الاخر.  تعاهدا على الحب مدى الحياة؛ لكن لورينزو، والد فيرمينا السائق العنيد المتورط في اعمال تجارية مشبوهة و غير مشروعة لبناء ثروته، يحتقر فلورنتينو و يجبره على التوقف عن مقابلة ابنته. تزوجت فيرمينا من جيفينال الطبيب الشاب اللامع لكن فلورنتينو العاشق المهزوم ابى ان يتخلى عن عهده و حلمه بالزواج من معشوقته.  جاهد لكي يجعل له اسما لامعا و يكوّن ثروة حتى يكون جديرا بمن احبها و لن يكف عن حبها طوال اكثر من ٥٠ عاما .

في مرحلة ما من الرواية نظن ان ذلك الاصرار و الاخلاص للهدف شبه مستحيل.  فحين يتسرّع في تقديم عهد الحب لفيرمينا في يوم وفاة زوجها، تطرده مع كيل من الشتائم، لكنه لا يفقد الامل و يستمر في محاولة كسب صداقتها و هي في السبعين من عمرها بطريقة لبقة عقلانية.  يرسل لها رسائل عديدة، هي عبارة عن تأملات في الحياة و الحب و الزواج و الشيخوخة تنال رضاها و تساعدها على تقبل صداقته شيئا فشيئا و تتبادل معه الاحاديث و التأملات فيما هو لا يزال يرى فيها الحبيبة رغم تبدل مظهرها و ذبولها.  يتصادقان بمباركة ابنها و نقمة ابنتها التي ترى الحب في هذا السن " قذارة" مما يؤدي بالام لطردها من بيتها.

أما احداث الرواية الاخيرة فتدور على ظهر سفينة نهرية تملكها شركته حيث يدعو فلورنتينو حبيبته للقيام برحلة فوق الماء، . فيستعيدان عمرا ضاع و حبا دفن حيا. لا يأبهان بالمسافرين الاخرين و لا بكبرسنيهما.  تنتهي الرواية و السفينة تبحر ذهابا و ايابا ولا ترسو.

تدخل هذه الرواية في خانة الروايات العالمية  الرومانسية مع قليل من السرد التاريخي  للواقع الاجتماعي و السياسي و الامني لتلك الحقبة من الزمن. هي عودة لزمن جميل و لقلوب صافية زادها الحب و العشق صفاء واملا و تذكرنا بوجوب الايمان بصدق المشاعر الانسانية التي لا تتبدل ولا تخبو مع الوقت..فالحبُّ كما العمر، قرار. وكم نحتاج الى مثل هذا، في زمن كورونا، وفي كل زمان ومكان.  

الكاتب

ديانا غرز الدين: تصميم غرافيك واعلانات- الجامعة الأميركية اللبنانية ، مهتمّة بالأدب العربي والعالمي

الكاتب:ديانا غرز الدين

  • للمشاركة