Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

الفيديرالية في لبنان نمط تفجيري

639
news room June 29,2020

 

رانيا حتي

ورد في مقدمة الدستور اللبناني الفقرة "ط" بأن "أرض لبنان واحدة لكل اللبنانيين، فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع بها  في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين". إلاّ أنه في الآونة الأخيرة، بالرغم من وضوح الدستور المتوافق عليه، تعالت بعض الأصوات المطالبة بالفيديرالية، في ظلّ ما يعيشه لبنان اليوم من حالة اللاإستقرار.  الكلام عن سقوط  دستور 1926 المعدّل عام 1991 في الطائف دون الإتفاق على نظام بديل يلقى إجماع لبناني ودعم دولي وإقليمي،  يعني سقوط النظام العام أ (الدستور) وبالتالي سقوط الدولة والنحو صوب المجهول والولوج إلى إنشاء محميات طائفية وعصبيات . وقد تكون مقدمة إبن خلدون الشهيرة تفسّر الواقع الطائفي "عندما تنهار الدولة يسود الرعب ويلوذ الناس بالطوائف" وكأنه بتلك العبارة يتعايش بين اللبنانيين، ويرى ما كتبه بعينه عن التعصب للطائفية والقبيلة على حساب الوطن، وهو أكثر ما نشاهده  اليوم من تناحر طائفي في لبنان على المناصب، فضلاً عما يحصل في المنطقة من توترات ونزاعات مذهبية  ما قد يؤدي بنهاية المطاف، إلى إنشاء أقاليم أو كانتونات طائفية  تحت شعار الفيديرالية .

 فهل  المطلوب في ظل هذه الأزمات فدرلة لبنان ؟ وهل من الممكن تقسيمه إلى ولايات أو كانتونات Cantons في ظلّ التعددية الطائفية ؟ ومن المستفيد من هكذا طرح؟

منذ الخمسينات، قد أدخلت إسرائيل إلى المنطقة،  نمطاً متفجراً حول احتمال نشوء كيانات طائفية مناطقية في لبنان وفي المنطقة العربية، وهو نمط  تفجيري في التلازم بين الهوية والجغرافيا ( موشيه شاريت). ما يعني خلق فيديراليات جغرافية طائفية ومذهبية تكون السلطات فيه مقسمة دستوريا بين حكومة مركزية أو حكومة فيدرالية او اتحادية ووحدات حكومية أصغر (الأقاليم، الولايات)، وتتقاسمان السيادة في الدولة.  ولكن بدون شك، إن هكذا طرح في ظل التعددية الطائفية في لبنان، يرغم على زيادة مفرطة في التجزئة الى حد قد تصبح غير مجدية. ذلك، إن ربط الهوية اللينانية  بالفيديرالية الجغرافية  قد تكون انتحارية ودموية، خاصةً إنّ  الطوائف غير متمركزة في مجال جغرافي محدد.

لذلك، إن الإعتماد على مقاربة فيديرالية جغرافية في لبنان، ليست بمسألة بريئة لأنها تنشر ثقافة هندسة الشعوب وتطهير إتني، طائفي، مناطقي، تهجير سكاني أو دمج قسري. لهذا إن أي مقاربة لإنشاء فيديرالية جغرافية، فهي دمار واندحار لكيان لبنان، وبالتالي تكون إسرائيل هي المستفيد الأول من تقسيمهه إلى أجزاء ضعيفة ومتناحرة .

و بالعودة إلى احتمال تقسيم لبنان، يقول رئيس حزب القوات جعجع، بأنه "وضع موضوع الفيدرالية وغيره على الحياد لأن الموضوع لا يحتمل الآن"، مضيفاً " بأن الإصلاح اليوم بيد الشعب وتحديداً بالانتخابات النيابية". ما يعني بأن الفكرة لا تزال واردة ربما، فمن يريد إسقاط النظام الحالي  " هني يفلو والباقي علينا" كما قال، في ظل الفوضى الإقليمية والدولية سيؤدي دون المجاهرة به علناً، الى المزيد من التشرذم والتفتيت  والتقسيم في لبنان، خاصة في انعدام توحيد رؤية واضحة  "أي لبنان نريد" ... ما سيقود مباشرة إلى التجزئة وصولاً إلى التوطين . وكان قد أشار في مؤتمره  الصحافي غداة دعوة رئيس الجمهورية ميشال عون إلى لقاء حوار وطني في بعبدا  بأن "على المجموعة الحاكمة الحالية أن تترك وتفسح المجال لغيرها، لأنها أوصلت البلد إلى مكان لم تستطع الاحتلالات والغزوات تحقيقه". من جهة أخرى، تذكر أوساط بعبدا، بأن اللقاء الوطني حقق خطوة أولى نوعية امام إصلاحات سياسية ودستورية منذ اتفاق الطائف، إذ وافق المجتمعون على مبدأ البحث في تطوير النظام و استكمال تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني لتحسين النظام السياسي، وقد تكون اللامركزية الإدارية الموسعة إحدى تلك الإصلاحات، بالإضافة ‏إلى سد الثغرات الدستورية. كما  فتح النقاش حول موقع لبنان ودوره بأبعاده الداخلية والخارجية بحسب ما ذكر.

بالختام،  يمكن القول، بأن لا يمكن لأي فئة أو جهة أن تفرض طروحاتها دون وفاق وإتفاق شامل بين مختلف المكونات والطوائف. في هذا السياق، قد يكون هناك حلولاً أكثر واقعية تحفظ كيان لبنان وديمومته  من طرح الفدرلة المدمّرة، في وضع أسس جدييدة  تمنع التسييس الموّلد للأزمات والنزاعات، وتقطع دابر التحريض المرتبط بعصبيات أساسية كالتطييف والذي يستخدمها البعض لمكاسب شخصية، من تلك الحلول،  إقرار قانون إنتخابي عصري جديد يبحث فيه خبراء دستور لا أحزاب تفتش عن مصالحها في الأروقة  والزواريب الطائفية والمناطقية والإقطاعية .  وفي إطار ذلك، على الشعب اللبناني  أيضاً، أن يعي بأن  المدخل لإنتظام الحكم في لبنان ليس في تغيير النظام الحالي، إنما بعصرنة قوانينه، ما  قد يؤسس ساعتئذن لدولة مدنية متحضّرة ومدنية أساسها القانون والقضاء العادل، ومصيرها المواطنة. ما يؤدي بالتالي،   الى توفير الأمان النفسي والحد ّمن التباينات الطائفية، وتحقيق  درجة عالية من السلم الأهلي المبني على حقوق الإنسان لا على حقوق الأحزاب والطوائف، وعندها فقط،  يكتمل مشهد التلاقي والحوار البنّاء . 

 

 

الكاتب

رانيا حتي باحثة وكاتبة في الشؤون الجيوسياسية

الكاتب:رانيا حتي

  • للمشاركة