Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

الفساد ليس في سطيلة قريشة 

1509
news room November 6,2020


طارق الأحمد

على برنامج مدته 60 ثانية بإذاعة شام اف ام الدمشقية، سمعت شكوى مبكرة لمواطن من اللاذقية قال منذ 4 سنوات انه فصل من عمله الوظيفي لأن المفتش اتهمه بتلقي سطيلة قريشة، وهي نوع من مصل اللبن الذي يستخدم في صنع الشنكليش السوري الشهير..
تذكرت حينها مشهد في مسرحية لولو لفيروز والأخوين رحباني عندما امتنع الشاويش عن تصنيف البدوي مع شلته في عداد القبضايات أصحاب السوابق (بعكس رغبته) لأن سجله العدلي يقتصر على خلاف حول سطيلة قريشة أيضاً وقام زملاؤه بالاستخفاف بهذا الجرم تحت عنوان، مو محرز ليعد قبضاي وصاحب سوابق...
بصراحة تامة فإن اعصابي تتعب من سماع عبارة مكافحة الفساد من المسؤولين، سابقين و حاليين، و ذلك لسبب علمي دقيق هو استدامة نهج تصيد حالات فساد صغيرة و ضخها على الإعلام فضلاً عن استنهاض همم العامة و صعوبة تبرير هذا الأمر من قبل أصحاب الفكر و الرأي، بل اللجوء إلى النأي بالنفس ههنا عند الغالبية مخافة الوقوع في اتهام تبرير الفساد، خاصة و ان الثقافة العامة في المجتمع تربت على تقسيمه إلى ملائكة و شياطين، بدون آليات قياس، لكن أي تفحص دقيق يعتمد على جرعة عالية من تحكيم الضمير، قادرة أن تظهر أن الفساد تحول إلى نمط حياة لدرجة واسعة، لكن من السهل أن تجد من يتهرب من الخوض بالحديث عنه بينما صعب عليك أن تخوض هكذا نقاش بانفتاح خوفا من تعرضك لموجة اتهام غالبا ما تأتي من الأكثر فساداً، و تبقى الأمثال الشعبية التي تواترت في الموروث عبر قرون من الظلم لتكون مستقراً للتداول كذلك الذي يقول (شغلتين ما بيظهروا، تعريصة الغني و جوع الفقير)...
الآن وعندما يكثر الحديث عن مكافحة الفساد و (الرذيلة) نلاحظ أن الأمر يطال دوما نوعاً من نمط صديقنا الذي تحدث عبر الإذاعة عن سطل قريشة أو حالات بسيطة ظاهرة لمن يهرسه أو يهرسها قهر لقمة العيش، دون أن ينظر هذا الدون كيشوت المتربع على كرسي المسؤولية في الحكومات المتعاقبة وكثير من المؤسسات، أي سم يبث في المجتمع عندما يترك الجوهر الذي هو الفساد الكبير والذي وهنا المفاجأة، جله يتلاعب أو لا يخالف القانون ولا مستمسك عليه.
إن تعبير تخفيف الفساد الذي استخدمته أعنيه تماما دون أي خشية ممن يريد تصيد كلامي، فمع هول الألم الذي يصيب الناس في رزقهم، أجد من العيب أن نحسب كلامنا كثيرا و الا نعبر عن أفكارنا بحرية و ليت من يناقش و يرد بأفكاره و سأحترم كل من يدلني على الخطأ، فتخفيف الفساد سيعني برأيي توجه كل الجهود نحو الفساد الكبير المتمثل بالهدر الهائل لموارد الوطن، بدءاً بطاقات شبابه الذي لا يجد سبيلا سوى السفر، و يعني دراسة مواطن المال فعلا و البدء بتحويلها اي الأموال ليتم ضخها في العملية الإنتاجية الداخلية في الوطن، لا كما يحدث أن نسمع عن حجز على فلان وفلان ، ثم يسوي وضعه القانوني ببعض المال الذي نعرف أنه لا يطال سوى الفتات مما يملك.
إن تنمية الاقتصاد و إعادة دورة الحياة الإنتاجية له تبدأ من عمل مسح شامل و حقيقي و واقعي لكل الحالة المالية في البلد و النظر إلى أماكن تجمع المال و هي كثيرة و مظاهرها كبيرة و تتمثل في جميع أعمال السمسرة و بيع و تأجير الأراضي و العقارات التي تقدر بالمليارات منذ سنوات و لا تحصل الدولة على شيء يذكر منها، بل و رغم سماع الأمر فالحكومة تعرض عن مقاربة الأمر لصالح تجار العقارات، التي تتفوق أسعارها في سورية عن مثيلاتها في ألمانيا مثلاً، و من هنا يمكن السؤال عن الفائدة من ملاحقة صغار المنتجين بالضرائب و تحصيل القروش في النهاية للدولة مع تنغيص العملية الانتاجية التي تؤدي إلى تقهقرها بينما تزدهر أعمال السمسرة و الاقتصاد الريعي غير المنتج.
إن صياغة نهج وليس مجرد قوانين، يتمثل باستراتيجية كاملة تشجع على زج المال في الإنتاج هو الذي يصب في مصلحة كل المجتمع و ليس التلويح بالويل و عواقب الأمور ثم يبقى حال الناس و يستمر في التراجع، و هذا يتطلب أولا فتح الحوار بشجاعة للبحث عن اساس الأمور و ليس أشكالها، لأن كل من يريد الايهام و التعمية و التغطية، ستجده اكثر من يرفع الصوت مطلقاً الخطابات و الشعارات حول مكافحة الفساد، كما يقول أبو العلاء المعري: أن قلت الصحيح أطلت همسي و ان قلت المحال رفعت حسي.

الكاتب

طارق الأحمد كاتب وسياسي دمشق

الكاتب:طارق الأحمد

  • للمشاركة