Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

الفقرُ المُذلُّ يحتمي بدفء الحبيب..

793
news room May 19,2021

ديانا غرز الدين:

عندما تنتهي من قراءة رواية " الفقراء" او" المساكين " للروائي الروسي دوستويفسكي، ستخرج بقناعة واحدة ، و هي ان لا شيء يسلب كرامة الانسان و يعرضه للذل كالفقر و المرض اذا اجتمعا. 

الفقرمقبرة القلوب الطيبة و العقول العظيمة، يجرّد الانسان من كرامته و انسانيته، يجعله يفقد طعم الحياة و يعيش البؤس بكل اطيافه. و قد يتجرد ايضا من القيم و المباديء اذا ما اشتدت عليه وطأة العوز.

هو امر عظيم ان تكون اولى مؤلفات دوستويفسكي بهذه الروعة، كل رواياته نابعة من حياته و مآسيه التي عاشها و عاناها. تأثر باعمال رواد الادب الروسي مثل غوغول و بوشكين.   كتاب الفقراء هو سبب شهرته. كتبه خلال ٩ اشهر بين عامي ١٨٤٤ و ١٨٤٥ . ابدع في وصف و تصوير الحالات الانسانية و دراسة و فهم النفس البشرية ، الهمه بذلك اقسى اذلال يمكن ان يتعرض له الانسان و هو الفقر. تعاطف مع المعذبين و المساكين على الارض و قام بتسليط الضوء على حياتهم و اشكال فقرهم و الاضطهاد الذي يعانونه.  دخل الى عوالمهم النفسية فشاركهم عذابهم و شعر بما تختزن نفوسهم من حب و تضحية وألم . كتبه بدموعه الحارقة في السجن، حيث سجن بتهمة الانتماء الى جمعيات سرية تناقش كتبا ممنوعة و تسيء الى الحكومة.

 كان  دوستويفسكي ليبراليا حرا عاش حياة ترف و بذخ و بدد امواله على طولات الميسر (القمار)  فوقع في ضائقة مالية خانقة.  و قد تناول في روايته انماطا مختلفة من البشر يختلفون في طبيعة حياتهم و مستواهم الاجتماعي و المعيشي، وفي وعلاقة الفقراء ببعضهم البعض و علاقتهم بالاغنياء.   

" اه للفقر الذي يحكم على الناس بالنزول الى الدرك الاسفل من المذلة و الخضوع "

" ان الشقاء لمرضٌ معدٍ، على الاشقياء الفقراء ان يتحاشوا بعضهم البعض، حتى لا يزيدوا من حدة الامهم"

تجري احداث الرواية في الاحياء الفقيرة لمدينة سان بطرسبرغ الروسية، على شكل رسائل متبادلة بين البطل "ماكار" ابن ال ٤٧ عاما الذي يعمل في نسخ الاوراق في احدى الادارات مقابل راتب زهيد جدا، و "فارفارا" قريبته اليتيمة الفقيرة ابنه ال ١٧ عاما التي تعمل في الخياطة من منزلها. هو كان يعتني بها و يضحي بلباسه و غذائه من اجل توفير الحلوى و الزهور لها، مدفوعا بعاطفة و مودة ابوية.  وهي بدورها كانت غاضبة من راعيها بسبب صرفه الاموال الباهظة عليها.

هما ابنا عمومة، لم تتح لهما فرصة الفرار من البؤس. يعيشان  في اليأس لكنهما متأرجحان بين  رغبة بالحياة بعد ان أثر الفقر على صحتهما النفسية و الجسدية و عزز الاكتئاب و القلق تدهور حاليهما، والحاجة الى الحنان والتعاطف والدفء. فقد تقهقرت  قدرتهما على التكيف مع الحياة و اضطربت علاقاتهما الاجتماعية "  منذ اللحظة التي فقدا فيها التقدير لنفسيهما، فما عادا يريان  فيها اي ميزة تميزهما، ولا اية فضيلة تُذكر،  يستسلمان للسقوط، فالهاوية امر حتمي ، لا مفر منه" ولا يمنعهما عن ذلك الى النزع صوب الدفء.

" المدهش اني لم استطع ان ابكي، حتى و لو ان روحي قد تشظت مثلما يتشظى الزجاج، الى قطع صغيرة. "  يقول "ماكار"

 قد يشحذ الفقر مشاعر و احاسيس نبيلة، حتى لو قضى على اي امل او سعادة في الحياة.   هكذا كان "ماكار" يعيش في شقة بائسة قذرة هي عبارة عن غرفة صغيرة يتشارك مطبخها مع السكان الاخرين و يوفّر من النقود ما يساعده في دفع مصاريف شقة قريبته اليتيمة الفقيرة التي زادها الفقر مرضا والتي لم تجد مفرا غير قبول طلب الزواج من السيد بيكوف الغني و الذهاب للعيش معه في منطقة بعيدة و الابتعاد عن محبوبها. لكن الحبيبين القريبين يستمران  بالتواصل عبر الرسائل و يكونان سببا في منع هلاكهما و يستمدان من بعضهما القوة ..

" ان الذكريات، سواء كانت ممتعة او مؤلمة، تتسبب للمرء دائما بالمعاناة... لكن ثمة  بعض العذوبة كذلك ، هي تلك التي يشعر بها المرء في قلب  المعاناة، ويشعر بها أيضا حين ينوء القلب تحت ثقل التعاسة، او المرض، او الحزن ."  

ولد دوستويفسكي عام ١٨٢١ لعائلة فقيرة. كان ابوه  طبيبا في الجيش الروسي و ذا طبع قاس و متسلط. اساء معاملة زوجته و ابناءه فترك ذلك اثرا سلبيا في طفولته و دفعه الى التوحد فلا يخالط الاخرين الا للضرورة القصوى.  درس الهندسة العسكرية وواجه صعوبات في التأقلم لكنه نجح في التخّرج منها.  اهتم بالفن و الادب و حضر العديد من المسرحيات و العروض الفنية و عاش حياة مترفة كانت السبب في تدهور وضعه المالي بالاضافة الى ادمانه لعب القمار الذي استنزف امواله بسبب خسائره المتكررة.

" لم اطلب يدا تمسح دموع الفزع، و لم اوقظ احدا ليعانقني كي اهدأ، علام يجب ان اكون ممنونا؟ لقد عشت اسوأ اللحظات بمفردي." قال الكاتب الروسي الاستثنائي.

اشهر اعمال دوستويفسكي: الجريمة و العقاب، الاخوة كارامازوف، الابله، المقامر، المراهق و غيرها

الكاتب

ديانا غرز الدين : تصميم غرافيك واعلانات الجامعة الأميركية اللبنانية. مهتمّة بالأدب العربي والعالمي

الكاتب:ديانا غرز الدين

  • للمشاركة