Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

"الدين أفيون الشعوب" بين مطرقة الإلحاد ... وسَنْدان التبجيل

951
news room October 4,2020

كامل العريضي:

كارل هاينريش ماركس فيلسوف ومفكّر سياسيّ واقتصاديّ وعالم اجتماع، ألَّف العديد من الكتب في مجالات الفكر والفلسفة والسياسة والاقتصاد. عُرِف بتصوّره الماديّ في قراءة التّاريخ ونقده للرّأسمالية، كما اشتهر بنشاطه الثوريّ في صفوف الحركة العمّاليّة.

المولد والنّشأة

وُلد كارل ماركس يوم 5 مايو/أيار 1818، في مدينة ترير التّابعة يومئذ لمملكة بروسيا، الواقعة شرق ألمانيا حاليًّا، وهو الابن الثّاني في أسرةٍ ميسورةِ الحال تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وتتكوّن من تسعة أبناء.

ينحدر أبوه "هاينريش ماركس" من عائلة يهوديّة ضمَّت العديد من الحاخامات وتجّار مزارع الكروم. اضطرَّ الأب إلى اعتناق البروتستانتيّة سنة 1816 من أجل التّمكّن من ممارسة مهنة المحاماة بعد صدور قوانين تمنع ولوج اليهود إلى الوظائف العموميّة في ألمانيا، وحوَّل اسمه من "هرشل" إلى "هاينريش".

أمّا الأمّ فهي "هنرييت برسبورغ"، تنحدر من عائلة يهوديّة هولنديّة، وقد بقيت على يهوديّتها حتى وفاة والدها الحاخام، ثمّ اعتنقت المذهب اللّوثري عام 1825.

 المؤلفات

كتب ماركس العديد من المؤلّفات، ويعدّ "رأس المال" أهمّها، وفيه يعمد إلى نقد نظريّات الاقتصاد السياسيّ السائدة قبله، وإلى دراسة النمط الرّأسمالي في الإنتاج بشكل عميق بهدف اكتشاف القوانين الاقتصاديّة الّتي تحكم حركة المجتمع المعاصر.

ومن مؤلّفاته كذلك "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسيّ"، "نظريّات فائض القيمة"، "بيان الحزب الشيوعي"، "بؤس الفلسفة"، "الأيديولوجيا الألمانية"، "أطروحات حول فيورباخ"، و"المسألة اليهودية".

فكرة الدين أفيون الشّعوب

في كتابه: "مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل"، يكتب ماركس "الشّقاء الدينيّ هو من جهة يمثّل التّعبير عن الشّقاء الواقعيّ، وهو من جهةٍ ثانية احتجاجٌ على هذا الشّقاء. إنّ الدّين هو الزّفرة يصعّدها المخلوق الّذي هدّه الشقاء، هو الرّوح في عالمٍ بلا روح، هو الفكر في عصر لا فكر له، إنّه أفيون الشّعب".ومن اللافت أنّ الكلمة الأخيرة تمّ ترجمتها - قصدًا أو عن غير قصد - إلى صيغة الجمع لتصبح" الشّعوب" بدلا من الشّعب. ولهذا التّعميم والانتشار الواسع دلالاته وأبعادهوهنا لا بدّ من التّدقيق لمعرفة لماذا استعمل ماركس مصطلح "أفيون" دون غيره؟

حرب الأفيون" والسّياق التّاريخيّ

       عام 1843، وفي الوقت الّذي كان يجلس فيه ماركس إلى مكتبه ليخطَّ نقده فلسفةَ الحقّ الهيجليّة الّتي جاء في سياقها "الدّين أفيون (الشّعوب) "، كانت حرب الأفيون الأولى قد انتهت منذ ما يقرب العام، ومن المعروف تاريخيًّا أن اشتعال فتيل هذه الحرب كان بسبب وقف الإمبراطور الصّيني "يونج تشينج" استيراد الأفيون بعد أن أدمنه الشّعب الصّينيّ، وأصبحت واردات الصّين من الأفيون 57%، الأمر الذي أدّى إلى استنفاد مخزون الفضّة.

وعلى خلفيّة منع الصّين استيرادَ الأفيون، تحرّك الأسطول البريطانيّ نحو السّواحل الصّينيّة في نهايات عام 1840، بحجّة حماية حرّيّة التّجارة، وبعد أن سيطر الجيش البريطانيّ على عدد من المدن وأصبح على مشارف القصر الإمبراطوريّ، رضخت الصّين ووقّعت إتفاقيّة تتضمّن عددًا من التنازلات المذلّة عام 1842.

 لم تتوقّف الأمور عند هذا الحدّ، فالصّين حاولت أن تتملّص من تعهّداتها. فأعادت بريطانيا الهجوم على الصّين مجدّدًا عام 1856 بحجّة اعتداء الصّين على إحدى السفن البريطانيّة، وكانت فرنسا إلى جانب بريطانيا في حرب الأفيون الثّانية، وتمّ توقيع إتفاقيّة جديدة عام 1858 كان أهمّ بنودها السّماح بحرّيّة تجارة الأفيون!

ومن استعراض السّياق التاريخيّ الّذي كتب فيه ماركس النصّ الّذي ظلّ يثير الجدل لعقودٍ طويلة، يتّضح أنّ استدعاء الأفيون من بين ثنايا النّصّ كان رمزيّة واضحة لاستبداد الدّول الرّأسماليّة، ومحاولتها السّيطرة على الشّعوب، أيًّا كانت الوسيلة، ولغاية واحدة هي المال فقط، ماركس لم تكن قضيّته الدّين بقدر ما كان ينظر لأفكارٍ اقتصاديّة بحتة، يقاوم بها في رأيه وحشيّة الرأسماليّين.

البيئة الّتي ترعرع فيها ماركس

       كانت العلاقة الملموسة بين الدّولة البروسيّة والكنيسة البروتستانتيّة في ألمانيا في القرنين السّابع عشر والثّامن عشر، قويّة ومتينة جدًّا، وهي تخدم مصلحةَ الإقطاع والكنيسة على حدٍّ سواء ضدّ الشّعب المقهور والرّاسخ تحت الظّلم والاستعباد ولا حاجة لنا للخوض في تفاصيل تلك الحقبة الزّمنيّة في هذه البعقة الجغرافيّة، فهي معروفةٌ ومشهورةٌ ومثبتة في كتب التّاريخ.

نقد فكرة الدّين أفيون الشّعوب

اِنقسم المهتمّون بهذه الفكرة كما تبيّن لنا في بحثنا هذا إلى أقسام عدّة، ويمكن اختصارها في ما يلي:

1- قسمٌ عدَّ كلام ماركس كلامًا دقيقًا، ويصف الدّين وأتباعه بدقّة، وبالغَ في جعل الدّين والمؤمنين أساس التّخلّف والتّعصّب، وأنّه السّبب الرّئيس في تقهقر البشريّة، وكلّ الويلات والمآسي والحروب والتّفاوت الاجتماعي مرجعه الأوّل والأخير إلى الدّين والأفكار الدّينيّة.

يبدو واضحًا لنا أنّ هذا النّوع يلتقي مع أصحاب نظريّة التّكفير الدّيني أو " الدّين الأفيوني" وعدم قبول الآخر، والسّعي لإلغائه ومواجهته بشتّى الطّرق والأساليب وصولًا إلى القتل.

فبالنسبة لنا هما وجهان لعملةٍ واحدةٍ هي الجهل. فأيّ فرق بين من لا يقبل الآخر ويسيء إليه ويصفه بأبشع الصّفات باسم الدين أو باسم الإلحاد أو العلمانية او أيّ مصطلح آخر؟

2- مفهوم " الدّين الأفيونيّ" أو التّكفيريّ الّذي تحدّث عنه ماركس، هو حال الجماعات الدّينيّة الّتي تمارس نوعًا من التّطرّف أو غسيل الدّماغ الّذي لا يختلف كثيرًا عن تأثير الأفيون على العقول، فتعيد تشكيل أفكار أتباعها من الشّباب وصغار السّنّ غالبًا بما يتناسب مع نظرتها ومفهومها الخاطئ لجوهر الدّين. وهي تسعى بذلك لتحقيق سلطة دنيويّة أو ماليّة وتغيّب عنهم الخصال والفضائل الدّينيّة الإنسانيّة الحقيقيّة.

3- هناك من أخذ هذه الفكرة ووظّفها بشكل عقلانيّ بعيدًا عن الشّموليّة والتّعميم المطلق سواء بالقبول أو الرّفض. واعتمد على قانون النسبيّة في فهمها لذلك تراه يصف سلوك بعض الأشخاص أو الجماعات المتشدّدة الدّينيّة أو العرقيّة أو أيّ سلوك قمعيّ يرفض الآخر مهما كان نوعه أو اسمه بـ "الأفيون أو المخدّر". وما يميّز هذه الفئة عمّن سبقها التّخصيص والتّحديد والدّقّة في التّوصيف، لا دكتاتوريّة الأحكام وشموليتها.

4- وطائفةٌ من النّاس انتصرت لكارل ماركس، وعدّت أنّ الكثيرين أساءوا فهمه. فهو لم يتهجّم على الدّين عندما وصفه بالأفيون بل أنصفه، لكن لم يُفهم قوله في سياقه. وذلك يعود لدراسة الثقافة السائدة آنذاك في وقته عن الأفيون. فالأفيون في القرن التاسع عشر كان علاجاً طبيّاً وقانونياًّ يستعمل في الطبّ، وتتعامل به المستشفيات والمراكز الصّحّيّة، لا باعتباره مخدّراً سامّاً أو مدمّراً لجسم الإنسان، وإنما هو مسكّن مؤقت للآلام والأوجاع، ولم يكن النّظر إليه كعمل إجراميّ أو فعل مخالف للقانون، كما هي الحال في الوقت الحاضر، بل كان أمراً مرخّصاً له ومسموحاً به ومفيداً.

ومن جهة ثانية يؤكّد أنصار هذا الرأي أنّ كلماتٍ كثيرة تُنتزع من سياق النّصّ والتاريخ فيتغيّر معناها تمامًا، وربّما تشير لعكس المعنى الأصليّ الّذي كان من المفترض أن تعبّر عنه، وبالعودة للنّصّ الأصليّ بالإنجليزية والذي انتُزعت منه الكلمات الثلاثة (الدين أفيون الشعوب) نجد أنها ُضمّنت في دراسة نقديّة لفلسفة الحقّ الهيجلية كتبها ماركس. والنص الأصلي يقول بالإنجليزية:

Religion is the sigh of the oppressed creature, the heart of a heartless world, and the soul of soulless conditions. It is the opium of the people.

وترجمته:

"الدين هو تنهيدة المضطهد، هو قلب عالمٍ لا قلب له، مثلما هو روح ظروف اجتماعيّة بلا روح، إنّه أفيون الشّعب".

السياق الذي أتت فيه الكلمات الثلاثة الشهيرة (الدين أفيون الشعوب)، لا ينكر بالضّرورة الدين، ومن الواضح أن النصّ يؤكّد بمعنى من المعاني تأثير الدّين، إلى الدّرجة الّتي وصل فيها ليكون الملاذ الأخير للمضطهد، والرحمة في ظلّ عالم الرأسماليّة التي كانت تمثّله في ذلك الحين بريطانيا وفرنسا والولايات المتّحدة.

ويؤكّد هؤلاء أنّ نقد الدين في فلسفة ماركس، لم يكن نقدًا للدين نفسه، بقدر ما كان نقدًا لتوظيف الدين واستغلاله في تسكين آلام البسطاء.

مقولة عمرها أكثر من ١٧٥ عامًا دوّنها ماركس الذي توفي في 14 مارس/آذار 1883 بعد عدة أشهر من المرض؛ مازالت تتردّد وتُناقش وكأنّها اليوم، وهذا إنْ دلّ على شيء فهو يدلّ على تأثيرها وتفاعلها وحيويّتها بين مقتنع ورافض. والبعض يصف قائلها بالإلحاد والتهجّم على الدّين وهناك من يعدّه ملهمًا ومرشدا.

مع أيّ فريق كنت، لا بد من الاعتراف بعلم كارل وماركس، وما قدّمه للبشرية في كتبه ومؤلفاته.

وجديرٌ بالذكر، أنّ الماركسية لم تقم بصياغة أطروحة كاملة حول المسألة الدينية، أو السوسيولوجيا الدينية، وإذا كان الاستغلال والقمع والاضطهاد في أوروبا قد ارتبطت بالدين، فقد كان من المنطقيّ شنّ الكفاح على المستوى العمليّ والنظريّ، لا سيّما على مستوى الثّقافة والوعي، ضد استثماره ليكون عائقاً بوجه التقدّم الإنسانيّ، وّخصوصاً أنّ استغلال الدين قد عرقل تقدّم المجتمع، ناهيك بإدامة السيطرة عليه.

وبرأيي يجب شكر كلّ مَن ينتقد بأدب ورصانة الأفكار الدينيّة لأن هذا الانتقاد البنّاء والموضوعي يحرّك المياه الرّاكدة في العقول ويحثّ رجال الدين والمؤمنين لتقديم أفكارٍ علميّة موضوعيّة لمواجهة تلك الانتقادات، وهو ما يؤدي إلى تعزيز المنظومة الفكرية ورفع مستوى الوعي الصحيح في سبيل الطريق نحو البحث عن الحقيقة التي هي جوهر الوجود ومادّته الأزليّة.

المراجع:

١فراس حمية، ماركس المغبون بسوء تأويل "أفيون الشعوب"،

11 يناير 2019، الترا صوت.

٢عبد الحليم حفينة، الدين أفيون الشعوب".. هل كان "ماركس" مُلحدًا؟، ١١ مايو ٢٠١٨، زور اليوسف.

٣عمر عاطف نوفل، كارل ماركس وجدلية الدين.. بين الحقيقة والوهم؟، حزيران ٢٠١٨، الجزيرة نت.

٤حارث رسمي الهيتي، ماركس الذي أنصف الدين كثيراً، أيار 2018، الحزب الشيوعي العراقي.

٥عبد العاطي طُلْبَة؛ الدين كأفيون للشعوب: الدين والاقتصاد من منظور كارل ماركس؛ 28 فبراير 2019؛ المحطة.

٦أعداد متفرقة من جريدة "طريق الشعب" بغداد، شباط، (فبراير)1977.

٧الماركسية والدين: التباسات العلاقة وأسس المصالحة؛ منظمة حمورابي لحقوق الإنسان.

٨محمد جبريل؛ في عالم بلا قلب: لماذا أراد ماركس أن يحرمنا عزاءنا الوحيد؟؛ 25/07/2019؛ حفريات.

٩عصام عبد الله؛ نعم.. الدين أفيون الشعوب؛ يونيو 2010؛ إيلاف.

١٠تفنيد مقولة الدين أفيون الشعوب؛ رقم الفتوى: 69084؛

تاريخ النشر: الأحد 12 شوال 1426 هـ - 13-11-2005؛ إسلام ويب.

١١عبد الحميد الصائح؛ أفيون الشعوب؛ ٢٠١٧؛ شبكة النبأ المعلوماتية.

١٢_ كارل ماركس؛ ٢٠١٥؛ الجزيرة نت.

 

  

 

الكاتب

الشيخ كامل العريضي باحث وكاتب في الشؤون الدينية ومدير مدرسة -لبنان

الكاتب:الشيخ الاستاذ كامل العريضي

  • للمشاركة