Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

الضياع سمةُ المرحلة والعالم.

1570
news room January 10,2021

لعبة الامم

سامي كليب : يمرّ العالم أجمع بمرحلة لا تُشبه شيئا في تاريخه. صار بالفعل قرية صغيرة، لكن أهلها قلقون وتائهون، فلا قيادة تُرشدهم، ولا أمل يلوح في الأفق، والكبتُ الكبير الذي يعانون منه صحيا واقتصاديا، نجح في تفجير صدامات عرقية، او احتجاجات وانتفاضات، لكنه لم يؤسس لأي مشروع انقاذي نهضوي.

                     الضياع هو سمَة العصر، فلا أميركا تعرف ماذا تفعل لاعادة اللحمة الى مجتمعها واستعادة مصداقيتها العالمية، ولا علاقتها بالصين وروسيا معروفة المآل. وكذلك الأمر بالنسبة للاتحاد الاوروبي الذي عانى من 3 أزمات متعاقبة: خروج بريطانيا، والضرائب الجمركية المقرونة بعمليات الاذلال التي مارسها الرئيس دونالد ترامب حيال الاوروبيين، ثم جائحة كورونا التي لم تتحول فقط الى كارثة صحية واقتصادية وانما أظهرت هشاشة القلعة الاوروبية أمام فايروس كان بالأصل منتظرا.

                 الصين التي أصابتها جائحة كورونا فايروس قبل غيرها، سعت للملمة جراحها سريعا، وأظهرت فعالية أكبر في ادارة الأزمة واعادة الحياة الى محركات اقتصادها، وذلك بعد ان كان انكماشها الاقتصادي الأسواء منذ العام 1992 بنسبة كادت تصل الى 7 بالمئة في مطلع العام الماضي.  وهي تواجهة قلقا عالميا حيال الجيل الخامس من اتصالاتها الالكترونية المعروفة باسم 5G ، وقلقا أكبر من تعاظم دورها في سعيها الى استكمال تنفيذ مشروعها العالمي الضخم المعروف باسم " الحزام والطريق" . الأمر نفسه ينسحب على روسيا التي خسرت فقط في قطاعها السياحي أكثر من 7 مليارات دولار، ولا تعرف تماما ما هو مصير علاقتها بأميركا في عهد جو بايدن. فرغم كل مآسي ترامب الا انه كان أقل الرؤوساء خطرا عليها وربما أكثرهم تعاونا حتى ولو ان المؤسسات الاميركية ولوبيات الضغط العسكرية والسياسية والمالية لعبت دورا كبيرا في ابعاد ترامب عن اي تعاون فعلي مع الرئيس فلاديمير بوتين.

      

ضياع العرب

الضياع العالمي، ينسحب حتما  وخصوصا على العرب. فمعظم النظام الرسمي العربي اعتمد تاريخيا على التوازنات الدولية. وحين تفكك الاتحاد السوفياتي، عرف بعض القادة العرب كيف يغازلون أحادية النظام العالمي فحموا بلادهم. لم يتردد مثلا الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في التقارب مع اميركا، والتصادق مع الرئيس بيل كلينتون الذي بادله الود والاحترام، وتخلل ذلك قبول بالتفاوض عبر كلينتون مع اسرائيل، وتخفيف للتوتر مع تركيا، لا بل وصل به الأمر الى القبول بارسال قوات سورية تحت كنف العلم الأميركي لاخراج قوات الرئيس صدام حسين من الكويت، وكان ثمن ذلك تعزيزا لدور سوريا في لبنان وانهاء لتمرد الرئيس ميشال عون وسجنا لرئيس القوات اللبنانية سمير جعجع. وهو ما فعله أيضا قادة آخرون ومنهم العقيد الليبي الراحل  معمر القذافي حين انفتح على الغرب وقدم كل التنازلات المطلوبة لاعادته الى الاسرة الدولية.  

    اليوم لا يعرف قادة النظام الرسمي العربي ماذا يفعلون. فبايدن ليس مريحا لدول الخليج. هو يريد انهاء حرب اليمن، ويرفع لواء الضغط بشأن حقوق الانسان، وهو خصوصا راغب باستعادة التفاوض مع ايران، وما عاد النفط الخليجي يهمه أصلا .

الأطراف العربية التي اعتمدت كثيرا على واشنطن في سياق صراع المحاور، كما هي الحال مثلا في لبنان او العراق، لا تعرف ماذا سيكون عليه موقف الرئيس المقبل ومتى سيتدخل وكيف، فيزداد التخبط الداخلي والضياع.  

صحيح ان عددا من هذه الدول سعى لشيء من التوازن، ففتح خطوطا مع روسيا والصين رغم علاقاته التاريخية مع اميركا، لكن هذه الدول نفسها لم تنجح في اعتماد سياسة توازن كاملة، وانما ذهبت صوب روسيا والصين امام للضغط على اميركا او خشية منها.

أما الدول التي انفتحت على اسرائيل، لاسباب عديدة وتحت شعار محاربة ايران، فهي حتما تشعر بأن هذا الانفتاح ربما لم ولن يقدّم لها شيئا في المستقبل، فاذا تقدم التفاوض الايراني الاميركي، تنحسر الحاجة الى تشكيل جبهة ضد طهران، ومن غير الممكن، قياسا الى دروس التاريخ ان يؤتمن جانب اسرائيل، فهي تدفع باتجاه التوقيع على اتفاقات فقط لكي تشرّع قضما أكثر لفلسطين ولتوسع مصالحها في محيطها وتوفر على نفسها اجتياز مسافات طويلة لطيرانها. ثم لاحقا، لا تتردد في ضرب مصالح الدول التي وقّعت معها. خير مثالٍ على ذلك الاردن الذي رغم تاريح علاقاته مع السلطات الاسرائيلية المتعاقبة ما زال في نظر بنيامين نتنياهو وصحبه مجرد " وطن بديل" بعد تهجير جزء كبير من شعب الضفة الغربية التي يعتبرها  نتنياهو كما القدس أرض اسرائيل.

ماذا عن ايران؟

في الجانب الايراني، ليس الوضع افضل رغم كل الانفراجات التي عززها فوز بادين. صحيح ان الرئيس الاميركي عازم على استئناف التفاوض مع طهران، لكن الصحيح أيضا أنه سيتعرض لضغوط هائلة من اللوبيات الاميركية والاسرائيلية والخليجية وغيرها، لفرض شروط اضافية ليس اقلها اضافة مسألة الصواريخ الباليسيتة ودور ايران في المنطقة، ناهيك عن رغبة هذه اللوبيات بان تشترك دولها في اي تفاوض مقبل.  يضاف الى ذلك أن ايران مقبلة على انتخابات حساسة، وان مسألة خلافة مرشد الثورة السيد علي خامنئي مطروحة منذ فترة ويجري التحضير لها كي تمر بصورة سلسلة لمّا يحين موعدها.

الضياع والانهيار

هناك دول تسمح لها امكانياتها الاقتصادية بأن تنتظر لفترة طويلة، وتستطيع ان تتكيف مع المتغيرات. لكن ثمة دولا عربية اخرى تعيش وضعا شبه كارثي ويزداد قلق شعبها على نحو خطير . منها مثلا لبنان وسورية والعراق وليبيا واليمن. ففي لبنان برهن الساسة عن عجز مُخجل عن تشكيل حكومة وانتاج مشروع انقاذي لبلد هم انفسهم افلسوه وجوّعوا شعبه. وفي سوريا لا أحد يعرف متى ستنتهي الحرب وكيف؟ وما الذي سيُحسّن الوضع الاقتصادي وكيف ومتى ؟ وما هو  مصير الاتفاقات الاميركية الروسية الايرانية التركية، هل ستحصل ومتى وكيف، وبأي ثمن؟. وهل تستطيع البلاد استعادة وحدتها ومتى وكيف، أم تتوزع على فدراليات. والعراق يغلي على مرجل، فماذا سيكون مصيره لو اتفق او اختلف بايدن مع ايران؟ وليبيا لا شيء فيها  يوحي بعودتها الى شيء من استقرارها بعد ان صارت هي الاخرى مطية لصراعات مختلفة. واليمن ينتظر بفقره وبؤسة وأمراضه مآلات التطورات الاقليمية والدولية، وسط محاولة كل طرف تحسين ظروف التفاوض المحتمل لانهاء الحرب لصالحه.  

الضياع هو أيضا حال تركيا التي انتشرت في كل مكان وجمعت خصوما في كل مكان.  واسرائيل المأزومة سياسيا الى أقصى حدا. والضياع هو حال  العلاقات الجزائرية المغربية بعد أن أقدم ترامب على خطوة استفزت بوليسارو والجزائر من خلال الاعتراف بشرعية المملكة المغربية على الصحراء. والضياع هو كذلك حال العلاقات الخليجية التي وان استقرت على شيء من التصالح السعودي القطري ، الا أنها تنتظر تثيبت المصالحة بخطوات فعلية تتعلق بالخليج ولكن ايضا بمناطق صراع عربية ودولية من سورية الى ليبيا فمالي في افريقيا وغيرها. فالامارات ومصر مثلا حذرتان حيال قطر، يضاف الى ذلك السؤال حول مستقبل الزعامة السعودية للخليج التي عرفت اختراقين اولهما من قطر سابقا ثم من الامارات حاليا.  

الضياع هو سمةُ العالم والعرب، ولا شيء سينقذ الدول العربية سوى السعي لايجاد مخارج وحلول داخلية بغض النظر عن الخارج. وهذا يحتاج الى رجال دولة يضعون مصالح أوطانهم قبل أي مصلحة أخرى. بغير ذلك، فان العالم قد يستقر وضياع العرب سيستمر.

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الثقافي الفكري

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة